خالد البكاري يكتب .. الذيب حلال، الذيب حرام..

أصبحت في الآونة الأخيرة أجد صعوبة في استيعاب ما يريد المدافعون عن السياسات الرسمية إقناعنا به.

إنهم يقولون الشيء ونقيضه،،

لنأخذ مثلا بسيطا، لقد سوقوا هزيمة العدالة والتنمية الانتخابية، وصعود نجم أخنوش، باعتبارها بداية الخروج من عشرية صعبة وقاسية، عاش خلالها المغاربة سنوات سوداء كالحة، لكن هذه العشرية “السوداء” سرعان ما تتحول إلى عشرية بكل ألوان قوس قزح، والقوم أنفسهم يروجون لمغرب جديد وقوي بصناعة متطورة، وفلاحة عصرية، وحضور قوي في الساحة الدولية، وقدرة على جلب الاستثمارات الخارجية، بسبب الجاذبية التي أصبحت للمغرب. لدرجة أننا لم نعد نهاب أي قوة دولية عظمى.

 

نحن تخلصنا من عشرية سوداء يوم الثامن من شتنبر 2021، ولكن في الوقت نفسه نحن خلال هذه العشرية أصبحنا دولة قوية مهابة الجانب قادرة على فرض شروطها على الكرة الأرضية.

 

لنأخذ مثالا آخر، يقولون إن المغرب يتعرض لحملة ممنهجة تستهدفه من طرف ألمانيا وفرنسا وإسبانيا بسبب تنويعه لشركائه، وتخلصه من الارتهان للاتحاد الأوروبي.

 

لنتجاوز أن هذا الكلام غير مسنود بأي أرقام، فمازال الاتحاد الأوروبي هو الشريك الاقتصادي والتجاري الأول للمغرب، وهو المصدر الأول للمساعدات المالية سواء الموجهة للبرامج الحكومية أو للمجتمع المدني تحت مراقبة الدولة.

 

ولنتجاوز المبالغات حول ما يروج عن شراكات متقدمة مع الصين وروسيا، اللتين لا زالتا أقرب للجزائر، لا من حيث المعاملات التجارية والاقتصادية ( بما فيها صفقات التسليح)، ولا من حيث التقارب في المواقف داخل المنتظم الأممي في عديد القضايا الساخنة دوليا.

 

ولنتجاوز الحديث المتسرع والسابق لأوانه عن انخراط المغرب في حلف أنغلوساكسوني تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا، فالعلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا حاليا غير واضحة، ولا يوجد ثمة محور أمريكي في مواجهة محور أوروبي، بقدر ما يمكن الحديث عن بداية تغير في تعامل الولايات المتحدة مع شريكها الأساس في حلف الناتو، ولا يمكن لعاقل أن يتصور الولايات المتحدة في صراعها المعلن مع الصين وروسيا، ستفرط في حديقتها الخلفية الأوروبية. وستعوضها بدول تنتمي لما يسمى الجنوب.

 

لنتجاوز كل هذا، ولنتأمل أن القوم الذين يروجون لمؤامرة أوروبية على المغرب تقودها إسبانيا وألمانيا وفرنسا، وخرجوا قبل أن يبحثوا في آليات اشتغال مؤسسا ت الاتحاد الأوروبي ( مجلس أوروبا، المفوضية الأوروبية، محمة العدل الأوروبية،،) ليعتبروا إلغاء محكمة العدل الأوروبية للاتفاقية بين المغرب والاتحاد الأوروبي بسبب البروتوكولين المتعلقين بالصادرات الزراعية، وصادرات الصيد البحري من الأقاليم الصحراوية الجنوبية، استمرارا للمؤامرة الأوروبية على المغرب، هم أنفسهم الذين هللوا للبلاغ الثنائي بين بوريطة وبوريل (نائب رئيسة المفوضية الأوروبية المكلف بالسياسات الخارجية للاتحاد) الذي يؤكد على استمرار العلاقات والشراكة الثنائية وتقويتها، كما استشهدوا بتدوينات وتصريحات المسؤولين الأوروبييين والنواب الأوروبيين من اليمين واليسار والوسط، ومن ألمانيا وفرنسا وإسبانيا تحديدا الذين عبروا عن عدم اتفاقهم مع حكم محكمة العدل الأوروبية، وصرحوا بالعمل على تصحيح الحكم أثناء مرحلة الاستئناف، وشددوا على أهمية المغرب بالنسبة لأوروبا، واعتباره شريكا مهما.

 

عند نفس القوم، المغرب يتعرض لمؤامرة أوروبية، وكذلك الأوروبيون حريصون على متانة العلاقات مع المغرب.

 

ولنأخذ مثلا ثالثا، مرتبطا كذلك بالسياسة الخارجية، حيث افتتاح دول على شاكلة ساوثومي وبرينسيبي وتوباكو لقنصليات بالعيون والداخلة، هو  نصر ديبلوماسي، وكذلك هو نصر ديبلوماسي توتر العلاقات مع دول مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، أو فتور في العلاقات مع الولايات المتحدة التي تتباطأ في أجرأة التزاماتها تجاه المغرب بخصوص الاتفاق الثلاثي الذي بموجبه صدر القرار الرئاسي لترامب الاعتراف بمغربية الصحراء مقابل استئناف العلاقات مع إسرائيل.

 

ويمكن أن نعدد أمثلة كثيرة من قبيل أن المنظمات الدولية الحقوقية غير الحكومية مثل منظمة العفو الدولية أو هيومان رايتس ووتش أو مراسلون بلا حدود ، هي منظمات تخدم أجندات أعداء المغرب، ومسؤولوها يتسلمون رشاوى من الجزائر لمهاجمة المغرب، وهي منظمات لا مصداقية لها، ولكن حين تصدر هذه المنظمات بلاغات ضد نظام العسكر في الجزائر، أو حين تتحدث عن الانتهاكات الحقوقية بمخيمات تندوف، يتم الاحتفاء بهذه البلاغات لحد نشرها عبر وكالة المغرب العربي للأنباء، وعلى صفحات الجرائد والمواقع التي سبق أن اتهمتها بالعمالة لأعداء المغرب، وقد يحدث هذا الانتقال من السب نحو المدح أو العكس في اليوم الواحد.

 

يقولون: لقد عاقب الناخب المغربي العدالة والتنمية مثلا بسبب سياساته التي أضرت بالمواطنين، لكن هذا الشعب عاقبه عبر منح أصواته لحزب سير قطاعات المالية والفلاحة والصناعة والسياحة والإدارة العمومية والطاقة والمعادن والصيد البحري والمياه والغابات والعدل لسنوات متتالية باحتساب العشر سنوات الأخيرة فقط، وشارك في كل الحكومات منذ 1978 ( أي أكثر من 40 سنة وهو في الحكومة).

 

وهذا الشعب يتم وصفه بالواعي حين يصوت ضد العدالة والتنمية، وحين يتوجه لصناديق الاقتراع ليرفع نسبة التصويت ( تجاوزا)، وحين يتظاهر ضد السويد وبان كيمون، وهو نفسه الشعب الذي يتم وصفه بالقاصر وسبب كل المشاكل واللاوعي، والذي يسهل اقتياده بالخطابات الشعبوية أو الدينية أو العدمية، والذي لا يحترم قوانين السير، والذي يضطهد المرأة، ويرمي الأزبال في الشوارع، لدرجة قولهم: إن الملكية تريد الحداثة ولكن للأسف فالمجتمع غارق في محافظتة وهو عائق أمام الحداثة .

 

فالشعب عند القوم واع، ومتخلف، في ضرب لأبسط أبجديات المنطق.

وقس على ذلك، أن يتم منع شخصيات سياسية أو إعلامية من المرور في القنوات العمومية، وحين تتم استضافتهم في قنوات أجنبية يتم اتهامهم بمهاجمة البلد في قنوات خارجية، وأن الانتقاد يجب أن يكون بيننا، وكأن التلفزات الرسمية مفتوحة أمامك، ولكن لا بأس أن يكتب نافذ ضد رئيس الحكومة في صحيفة إسرائيلية وأخرى إسبانية.

 

زعماتيكا، ما عرفنا منين شدوكم،، الذيب حلال ، الذيب حرام.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...