التطبيب حق أم امتياز؟ بقلم أمينة بحيرة

-أمينة بحيرة-

 الكل على علم بالحالة المزرية للمستشفيات في بلادنا، رغم الاكتظاظ الذي تعرفه، يمكنني أن أجزم أن نسبة عالية ممن يعانون من أمراض، منها المزمنة، ومنها الخطيرة، نظرا لمعرفتي الحثيثة بالوضعية، يعزفون عنها. كلمة وضعية تبدو لي فضفاضة، تحتاج لتفكيك، كي لا نظل في مكاننا، لا نكاد نبرحه .

يهجم المرض، أول وهلة، نستسهل الأمر هربا من القلق وخوفا من حتمية اللجوء للمستشفيات، لمعرفتنا المسبقة بالمعاناة المضاعفة التي تنتظرنا هناك .

حتى يكون كلامي دقيقا وذا مغزى، سأروي تجربتي الخاصة، داخل بنايات تحمل لقب مستشفى، يعني

أنها مكان للتشخيص وللعلاج لمن يكون بحاجة إليه، إلا أن واقع الحال يقول عكس ذلك.

قضيت ما يزيد عن شهرين في حالة صحية تدعو للقلق، لا أملك القدرة على الحركة ولا على الكلام، فقدت شهيتي، وتفاصيل أخرى لا داعي للخوض فيها.

أخيرا، انتهى بي الأمر عند الطبيبة التي أتابع معها بشكل منتظم، اختصاصية في أمراض القلب والشرايين.

فحصتني فحصا دقيقا، فاستنتجت أن حالتي تلك لا علاقة لها بالقلب، أكدت لي أن عضلة القلب سليمة.

حامت شكوكها حول وجود ميكروب، فكان أن وصفت لي لائحة من التحليلات، أكدت النتائج شكوكها.

قالت: لن أصف لك أي دواء، عليك أن ترقدي بالمستشفى، لأن حالتك تستدعي فحصا دقيقا لتحديد مكان

الميكروب وتشخيص نوعيته، ولا أنصحك بالمصحات الخاصة، وهي طبيبة خاصة.

في الغد، حملت نتائج التحاليل وتوجهت إلى المركب الاستشفائي الجامعي بمدينة فاس، لماذا هو تحديدا ؟

خلال أزمة صحية تعرضت لها صيف 2018، كنت حينها أتواجد بمدينة فاس، لطبع روايتي “نعم…ولكن…” ولزيارة صديقتي، في اليوم الأول من وصولي، شعرت بآلام حادة، أول الأمر، ذهبت عند أقرب طبيب جراح، عيادته في الحي الذي تقيم فيه، اكتفى بملاحظة الانتفاخ في أعلى البطن، طلب مني بصيغة أقرب إلى الأمر أنه يتوجب علي إنجاز الماسح الضوئي( سكانير)، فكان أن توجهنا إلى مصحة معروفة اقترحها هو علينا، سألته هل أعود عنده بالصورة، فرد علي أنهم سوف ينادونه من المصحة، كلامه يدل على أنه على علم بنظام المصحة وأن علاقته بها وطيدة .

في الاستقبال كانت سيدة هيأتها لا توحي أنها في مصحة، مهمتها استقبال المرضى، بدت لي كأنها ذاهبة إلى حفل، نظرا لكمية المساحيق التي تضعها على وجهها، ذات لون فاقع، تلك حرية شخصية، إلا أن انطباعي الأولي عنها كان مصيبا.

تصوروا معي، بينما أنا أقاوم الآلام ، هي ترد على أسئلة صديقتي و زوجها، بجمل قصيرة، كلها تدور حول الأثمنة التي كانت صاروخية، وهي تلوك العلك، أفهمتنا أنه عليها الاتصال بالأطباء لترى إذا كانوا بالمدينة، كما أكدت لنا أن الأسعار ترتفع نهاية الأسبوع .

يئست، مع تزايد الألم، طلبت من صديقتي أن نغادر، اتصلت بصديق لي يعمل بقطاع الصحة .

ألح علي بالتوجه فورا إلى المركب الاستشفائي الجامعي، مؤكدا لي أنه يتوفر على أساتذة أكفاء، وعلى كل أنواع الأجهزة الطبية المتقدمة، رجاني أن لا أستسلم .

بعد معاناة طالت ثلاثة أيام داخل ما يطلق عليه “مستعجلات”، اليوم الثالث قضيت الليلة هناك، ما بين وقوف وجلوس، إلى أن أطل علينا الصباح.

انتهى بي الأمر أن قدم عندي ثلاثة أطباء، شخصوا حالتي، فقرروا مكوثي بالمستشفى لتلقي العلاج اللازم.

تعذر علي الإشراف على عملية الطباعة، إذ كان في نيتي، إنجاز نسخة واحدة، وإعادة قراءتها لتنقيحها، قبل طباعة العدد الذي كنت أريده.

هذه المرة، أي المرة الثانية، أخذت توجيه الدكتورة على محمل الجد، في اليوم الموالي للتحاليل، توجهت إلى

نفس المركب الاستشفائي الجامعي، لتبدأ رحلتي مجددا مع المعاناة الإضافية  والمضاعفة.

في الاستقبال، هناك أشخاص الأمن، مهمتهم الحرص على النظام باحترام متبادل بينهم وبين الزوار، لكن، ما يحصل هو أن أحد أفراد الأمن، يتجرأ على مهمة الطبيب، حيث يقوم باستنطاق المريض أو من يرافقه،

من قبيل: مما يشكو المريض؟ أين يشعر بالألم؟ …وغيرها من الأسئلة التي هي شأن طبي محض.

قد يتجرأ على بعث المريض إلى جهة أخرى محاولا إقناعه أن مجيئه إلى المستعجلات لا فائدة منه، إذا

تشبث المريض بحقه في التشخيص من طرف طبيب أو طبيبة، يفتح المكلف بالأمن حنجرته ولا يغلقها قبل أن يزلزل البناية بصوت عال مزعج للمرضى ولغير المرضى، كنت أضطر لإغلاق أذني مرارا وتكرارا لتخفيف مفعول صراخه. معي، اكتفى بإعطائي رقم الدور، لم يوجه لي الكلام، لكنه ظل متربصا.

حان دوري، تقدمت نحو الطاولة التي يجلس خلفها شخصان يرتديان البذلة الخاصة بالمتدربين.

سألني أحدهما عما بي، وصفت له الحالة، وأول ما نطق به لي أن علي الذهاب إلى مستشفى يدعى كوكار،

لإجراء تحليل الكوفيد، أخرجت التحليل الذي أجريته منذ بداية الحالة، وكانت النتيجة سلبية، هنا بدأ الخلاف بيني وبين طالب الطب المتدرب، أخذ الموضوع كأنه تحدي، أول ما خطر له أن يلقيه في وجهي، أن مجيئي إلى المستعجلات لم يكن ضروريا، حتى نتائج التحليلات لم تقنعه رغم أنها تحمل مؤشرات واضحة، استنفرت دكتورة القلب والشرايين، أو ربما أن الطالب المتدرب لا يعرف بعد معنى كل الرموز الواردة في التحليلات .

حالة الضعف الداخلي الذي كان عندي لما يقرب من ثلاثة أشهر، لا أقوى حتى على الكلام بطريقة سليمة وبصوت واضح، ولا على المشي أو الحركة عموما، مهما كانت خفيفة، تشعرني بالتعب، كما قلت للطالب المتدرب، لو كنت قادرة على التنقل بين المستشفيات، ما اضطررت للقدوم عندك .

انفعل علي، رفع صوته، الشيء الذي لم أقبله، مذكرة إياه أننا في مستشفى، وأنني جئت بحثا عن حل لمشكلتي الصحية. وطبعا لو يتوقع أن أناقشه أو أخاطبه بذلك الأسلوب، إلا أنه لم يكن بالقدر الكافي من الذكاء الذي يجعله يستنتج أنه أمام امرأة مختلفة عن المرضى الذين اعتاد إبعادهم بسهولة عن بناية المستعجلات، إما بوصف دواء دون تشخيص جدي، أو بتحويلهم إلى أية جهة أخرى، ليظلوا يتنقلون بين الأقسام وربما من مستشفى إلى آخر، أو يستسلمون ليضع من استطاع، نفسه وجيبه فريسة لجشع المصحات الخصوصية .

عاد الطالب إلى متابعة استقبال المرضى، في كل مرة تكون النتيجة نفسها، يغادر المريض بخفي حنين،

دون الحصول على مبتغاه، أي الرعاية الطبية .

عدت أنا إلى مقعدي، جالسة حينا ومددة حينا آخرا، كل فترة زمنية، يعود إلي ليذكرني بنفس الكلام،

أن بقائي في البناية لن يجدي نفعا، مع مرور الوقت، صرت لا أرد عليه، فجن جنونه، ليطلق في المساء

صرخة مزلزلة، مكررا أن علي مغادرة البناية، حينئذ، لم يترك لي الاختيار، إذ وجهت له انتقادا لسلوكه ذاك الذي يتنافى مع أخلاقيات مهنة الطب التي تحمل رسالة إنسانية، عبرت له عن استيائي منه بسبب الصرخة، وطلبت منه أن لا يعود.

 لم يعاود الاقتراب مني، بعد عدة ساعات، تم تغيير الطاقم، قدمت عندي طالبة متدربة، سألتني بأدب عن حالتي، وصفت لها ما أشعر به، طالبتني بإجراء تحاليل جديدة، أنجزتها داخل المستشفى .

تتأخر النتائج أربع ساعات، انتظرت خلالها في صمت، كان يجب علي إعادتها .

حينها، انتبهت إلى أن الطالبة المتدربة، تضامنا مع زميلها غير المهني وغير المتخلق، نهجت معي أسلوب التماطل مع التظاهر بالمهنية، رفضت إعادة التحاليل، خصوصا أنه كان علي أن أنتظر أربع ساعات أخر .

قلت لها إنك أنت و زميلك اعتديتما على حقي و علي شخصيا، كتبت لي دواء لا أدري ما هو، امتنعت، لأن الدكتورة الاختصاصية التي تزاول منذ أعوام، امتنعت عن وصف أي دواء لي، مؤكدة أنني بحاجة إلى فحص دقيق. غادرت عند منتصف الليل، عائدة من فاس إلى مكناس، وفي جعبتي الكثير من الحنق، أتحسر على صحتي  وعلى صحة غيري، التي وضعتها المنظومة الصحية في بلادي بين أيدي شباب مستهتر،

غير كفء لتقديم العلاج اللازم لكل مريض لجأ إلى المستشفى، يملأه الأمل في الشفاء  .

قررت أن أستريح بمنزلي في اليوم الموالي، استعدادا للعودة وللمعركة، عدت وقد نضج برأسي قرار الذهاب بعيدا حيث أريد لي أن أصل، كان قرارا لا رجعة فيه . حملت حقيبتي مستعدة لخوض اعتصام مفتوح إلى أن أحصل على حقي في التطبيب .

تدخلت الجمعية المغربية لحقوق الانسان، فرع فاس، استجابة لندائي، كما سبق ان أشرت في منشور على الفيسبوك، هذا من جهة، من جهة ثانية، من خبرتي بالمعارك النضالية مع الإدارات المغربية، فإن إدارة المركب الاستشفائي الجامعي لا تختلف عنها، تتفادى ما يسمونه بالشوشرة .

تغير الوضع ظاهريا، أوحي إلي بالتفهم من طرف الإدارة، قُبل مطلبي، حصلت على سرير.

على أرض الواقع، جرت الأمور عكس مصلحتي الطبية.

اقتادني ممرض إلى القاعة التي سأحط فيها الرحال، حصلت على سرير، كانت هناك طالبة طب متدربة،

في المداومة، القاعة هي للملاحظة، لم توجه لي الطالبة المتدربة كلمة واحدة، اعتبرت الأمر عاديا، معتقدة أن ملفي قيد الدراسة.

في الغد صباحا، نفس الطالبة المتدربة، تتواصل مع باقي المريضات، حسب حالة كل واحدة، بينما استمرت في تجاهلي، الذي لم أتأكد بعد أنه كان تجاهلا مقصودا، إلا عندما أقبل دكتور اختصاصي في أمراض الكلى، أثار انتباهه أنني الوحيدة التي ليس معي قناة لتمرير المحاليل .

كون سريري كان يوجد بالمحاذاة من المكتب المخصص للمتدربين أثناء المداومة، سمعتها تقول له على الطريقة المغربية، حيث مالت عليه لتتفادى أن أسمعها وقالت:

-” إن حالتها لا تستوجب أن ترقد، هي بخير، طلبت أن ترقد فأدخلناها “، لم أسمع ما أضافته محاولة إقناعه.

أجابها الطبيب الأجنبي:

– لكنها الآن هي هنا، علينا القيام بعملنا.

في لحظة، رأيت أن الطبيب الأجنبي يقف مسمرا في مكانه، ناديته، يتكلم الفرنسية، قلت له:

– هل يمكنني أن أتكلم معك دكتور من فضلك؟

استجاب لطلبي للتو، وقف بالقرب من سريري، قلت له :

– أستأذنك لحظة دكتور لو سمحت، أريد أن أقول شيئا للطبيبة.

أذن لي، توجهت بنظري نحوها قائلة:

– سمحت لنفسك باتخاذ قرار يتعلق بصحتي، دون فحص أو معرفة أي شيء عني ولا عن حالتي، كما أخذت مني موقفا سلبيا دون أن نلتقي من قبل طيلة المدة التي قضيتها بالمستعجلات، اكتفيت بما رواه لك زملاؤك، هذه تصرفات لا تمت بصلة لا للطب ولا للعلم ولا للأخلاق، أعلمك، إذا تضاعفت حالتي وتعرضت لمكروه، سوف تكونين أنت المسؤولة المباشرة عن ذلك، كونك المشرفة حاليا حلى حالتي، وكذلك بالنيابة عن زملاءك ، أنهيت حديثي معك .

قصدت أن أوجه لها رسالتي بالفرنسية، ليكون الدكتور شاهدا، وكي لا تفتري علي شيئا لم يصدر عني.

قلت له: أعتذر منك دكتور.

شرع يستفسر عن وضعي الصحي بواسطة أسئلة طبية محضة، اتضحت له الرؤيا، فقال لي:

– الوضع هنا في هذا الجناح المخصص للملاحظة، والذي هو امتداد للمستعجلات، لا يناسب وضعك الصحي، قد تلتقطين ميكروبات جديدة، فمن مصلحتك أن تغادري، لكنني أقترح عليك أمرا.

كان جوابي كالتالي:

– أرحب باقتراحك دكتور، تفضل، خصوصا أنني جئت بحثا عن حل لمشكلتي، وليس لأنني بحاجة لسقف وسرير؟

– عندك ميكروب بالكلى، سنقوم بتجريب دواء على شكل محلول خلال اليومين القادمين، إذا تجاوب جسمك معه، يعني أنك ستتابعين تناول نفس الدواء في بيتك، في حالة لم ينفعك، سنحيلك على الجناح المتخصص.

رحبت بمقترحه، كان حلا عمليا، محترما من وجهة نظر طبية وأخلاقية، بل شكرته بحرارة على تدخله

الذي كان لصالحي بالتأكيد، كان شعوري في تلك اللحظة أن الطبيب الأجنبي نزل إلي من السماء لينقذني

من بين مخالب الطلبة المتدربين، الذين هم بمثابة اليد التي تضرب المرضى من أبناء ابناء الشعب وبلا رحمة، وقد عبرت له عن شعوري ذاك بكل فرح .

مباشرة بعد مغادرته، تم تعليق المحلول، بشكل متواصل، أما المتدربة، فقد ازداد غضبها علي، صارت تجلس على كريسها وهي تدير لي ظهرها .

بفضل الطبيب الأجنبي، بدأت أشعر بالتحسن بعد 24 س من دخول الدواء إلى جسمي.

الجميل والأروع، أن الطبيب الأجنبي، أرسل إلي زميلة له في الليلة الموالية، قدمت نحوي خصيصا، قاست ضغطي ونسبة الأكسيجين في الدم، سألتني كذلك متى تم تعليق المحلول؟ كيف أشعر؟

أخبرتها الحقيقة، لأنني أنا أكثر قلقا بسبب إقامتي في بناية مخصصة للمرضى، لا تتوفر على مراحيض، وللأمانة، يوجد مرحاض وحيد عفن مظلم، بلا كهرباء، ربما كي لا تنكشف الأوساخ و الميكروبات بوضوح، بصنبور واحد قليل المياه، يتكون من مرحاضين، واحد عصري و آخر تقليدي، العصري في حالة سيئة، غير صالح للاستعمال، التقليدي مشترك، يلجه الذكور و الإناث بالتناوب، تحققت المساواة في مرحاض المستعجلات بالمركب الاستشفائي الجامعي بفاس .

أخبرتني زميلة الطبيب الأجنبي، أنهم سيطلعون على التحاليل الجديدة في الغد، إذا كان هناك تحسن ملحوظ، سوف أغادر. شكرتها بحرارة، وبعثت معها تحياتي إلى زميلها، مجددة شكري له ولها.

في اليوم الثالث، زارتني نفس الطبيبة ليلا، أبلغتني أن النتائج جيدة، سلمتني وثائق المغادرة صباح الغد.

تسلمت لحظة الخروج نفس الوثائق، عندئد، فهمت أن الطبيب الأجنبي يعرف مجتمعنا، يعرف أكثر عقلية المغاربة العاملين معه والطلبة الذين يشرف على تدريبهم .

الخلاصة هي أن الصحة في المغرب في المزاد، يتلقى العلاج من معه المال ليدفع للمصحات مهما كانت النتائج وبغض النظر عن الكفاءة، توفرت أم لم تتوفر، فالمرض يفرض واقعا قد لا نختاره.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...