«ثورة البيجيدي» وطائرات جزولة … افتتاحية العدد 473 من جريدة ملفات تادلة

ثلاثة مسارات لا رابع لها : إصلاح جدي جذري متنام ينحته الشعب من أجل سيادة قراره بالتوجه رأسا صوب خيار الملكية البرلمانية وحسم الانتقال الديمقراطي، أو فاشية انقلابية نهج البنية العميقة والموازية، المتحالفة مع الكمبرادورات والرأسمال الكبير الريعي الفاسد لبضع عائلات، أو ثورة بشتى أجنداتها و مآلاتها و احتمالاتها، في انتظار الذي يأتي و لا يأتي.
الفقرة أعلاه تدوينة نشرها عبد العزيز أفتاتي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، على حسابه على الفايسبوك بعد أسبوع من إعلان نتائج الانتخابات التي يمكن القول أنها ’’مسحت‘‘ وجود حزب العدالة والتنمية، الذي فقد 112 مقعدا دفعة واحدة وتحول إلى مجموعة برلمانية بجرة ’’اقتراع‘‘.
من الطبيعي أن تصدر عن أعضاء البيجيدي ردود فعل غاضبة، خصوصا من قياداته التي تعتبر نفسها قدمت من الخدمات ما لم يقدمه أي حزب في المغرب، وهي التي ظلت تتبجح دوما أنها أنقذت الملكية من طوفان الربيع الديمقراطي، ووقف زعيمها منافحا عن الملكية التنفيذية حين خفتت كل الأصوات التي كانت تدافع عنها، بل أكثر من هذا تنازل عن عدد من صلاحياته كرئيس للحكومة طمعا فقط في رضى القصر.
على مدى 5 سنوات لم يكتف بنكيران قبل رئاسة الحكومة وأثناءها بالتبجح بإنقاذ الملكية في المغرب، بل كان يهدد كلما واجه ’’مطبّا‘‘ بالنزول إلى الشارع، تهديد يبطن نفس التبجح، مذكرا الدولة والملكية والكومبرادور والكارتيلات أنه كبح جماح حركة 20 فبراير وأجهز على طموح آلاف المغاربة الذين هزت أصواتهم أطراف الشوارع وزعزعت أركان الفساد قبل أن ينير له المصباح الطريق مرة أخرى.
وقد استنكر المناوئون للحزب تدوينة أفتاتي، كما كانوا يستنكرون ’’تهديدات‘‘ بنكيران، ملثما ظلوا يبخسون تذمره كلما اشتكى من تغول من كان يصفهم بالتماسيح والعفاريت، وفيما يلمزه معارضو توجهه السياسي والإيديولوجي بـ ’’خيانة‘‘ الشعب، يزايد عليه خصومه في الانتخابات بالثوابث والاستقرار والمشروع الإخواني والعمالة للخارج، وبهذا أصبح الحزب طريد الجميع.
لا يمكن لأحد أن ينكر أن البيجيدي شعر بالخذلان من نظام قدم التنازلات التي لم تخطر لهذا الأخير على البال وهو يروضه ويشذب العشب الذي لعبت عليه نخبه، لكن يبدو أن النظام أيضا لم ينتبه لحجم الخذلان الذي شعرت به أعداد كبيرة من المواطنين وهي تتشبث بآخر رمق ن الأمل وهي تتوجه إلى صناديق الاقتراع يوم 8 شتنبر.
فقد حلقت مروحيات عسكرية، غداة يوم الانتخابات، في أجواء قرية منسية على هامش مدينة آسفي، تسمى سبت جزولة، بعد أن هب مئات من سكانها لمحاصرة مركز للاقتراع من أجل حماية أصواتهم حين بلغهم أن رؤساء المكاتب يرفضون إقرار نتائج الفرز ويرغبون في إرسال الصناديق لإعادة فرزها في مقر عمالة إقليم آسفي.
لقد كان سكان سبت جزولة يرون في الانتخابات فرصتهم للتخلص من عائلة تحكم قبضتها على مصائرهم منذ 4 عقود، توارث أبناؤها رئاسة المجلس من أب لابن لأخ لأخت لحفيد. إن ما ميز الحملات الانتخابية هناك هو مصطلح ’’الاستقلال‘‘، ذهب المواطنون للتصويت وهم يعتبرون أنهم يشاركون في استفتاء لاستقلالهم، وكانوا يربطون أصواتهم بتقرير المصير في خضم تسونامي المال والنفوذ الذين ميزا الحملات الانتخابية.
وبعد إغلاق المكاتب جلست جزولة كلها تترقب، ومن عجائب الفرز هناك أن مكتبين لا يصل عدد المصوتين فيها إلى 400 صوت تطلب الفرز فيهما ليلة كاملة، وبينما أظهر الفرز فوز معارضي ’’العائلة الحاكمة‘‘ قرر رئيسا مكتبين عدم التوقيع على المحاضر رغم إعادة الفرز ثم قررا نقل الصندوقين إلى مقر العمالة لإعادة فرزهما، وهو ما فجر احتجاجات عارمة تطورت إلى موجهات استمرت إلى الليل فيما أصبح يسمى ’’أحداث الخميس الأسود‘‘، والأغرب أن رئيسا المكتبين كلاهما من أقارب رئيس المجلس الجماعي، أي من نفس العائلة.
ولم تكن جزولة حالة شاذة فقد اندلعت مواجهات عنيفة بكلميم، حين هب مناصرون للمرشح عبد الرحيم بوعيدة، حين أعلن عن فوزه بمقعد برلماني ثم أعلن لاحقا عن فوز خصمه، وحيث أن المعني الذي يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة سبق أن أطيح به من رئاسة جهة كلميم واد نون وكان قد وضع وزارة الداخلية في حرج حين أعلنت أنها توصلت باستقالته بينما نفى الأمر.
وقد عرفت مناطق أخرى أحداثا شبيهة بما وقع بجزولة وكلميم، وإن كانت حدة المواجهات أقل، لكن أعدادا كبيرة من المواطنين خرجوا للتظاهر في عدة مناطق للمطالبة باحترام أصواتهم والاحتكام لشرعية الصناديق، وكان الاحتجاجات توجه إلى المصالح المحلية والإقليمية والجهوية لوزارة الداخلية، كما كانت أغلب التصريحات تذكر بزمن البصري.
إن الملاحظ في ما ذكرناه من أحداث هو مفارقة تشبث المواطنين بالتصويت والتغيير من خلال صناديق الاقتراع، بينما يبدو أن وزارة الداخلية أنزلت قواتها لتقنعهم أنهم مخطئون وأن هذا السبيل لا يمكن أن يوصل من يريدون إلى موقع المسؤولية، إنهما إرادتان تتصارعان في مشهد سريالي، حيث أن هؤلاء المواطنين هم أنفسهم من أنفقت ملايين الدراهم في حملات دعائية من أجل جلبهم إلى مكاتب التصويت.
لقد كشفت نتائج الانتخابات الأخيرة عن عودة قوية لذوي النفوذ والمال بقوة إلى المشهد السياسي، بعد أن تواروا عقب انطلاق حركة 20 فبراير، كما سجلت نفس النتائج إعادة تكريس رؤساء مجالس ومسؤولين أدانتهم تقارير قضاة المجلس الأعلى للحسابات ومنهم من صدرت بحقهم أحكام إدانة تتعلق بالتدبير وتبديد الأموال العمومية، وهم أنفسهم من طالبت الجمعية المغربية لحماية المال العام بإبعادهم عن الانتخابات وعن تدبير شؤون المواطنين.
وإن كانت نتائج الانتخابات على المستوى المحلي والجهوي قد كرست عودة قوية لهؤلاء، فإن نتائج الانتخابات البرلمانية لم تختلف عن ذلك، حيث عاد إلى المقاعد الوتيرة للبرلمان أشخاص عمروا فيها طويلا، حتى أن بعض الظرفاء طالبوا اليونسكو باعتبارهم تراثا إنسانيا، فيما لازالت قصة المليارات ’’غير الأخلاقية‘‘ للمحروقات تلاحق رئيس الحكومة المعين.
يؤكد الحقوقيون والمدونون وسياسيون أن المغرب عاد إلى ما قبل الانفراج الحقوقي والسياسي الذي عرفته نهاية فترة الحسن الثاني، ويعتبرون أن الدولة تنتقم من الشعب بسبب جرأته في زمن 20 فبراير، وبينما يهدد الغاضبون من البيجيدي بالثورة، يبدو أن المواطنين الذين شعروا بخذلان الطبقة السياسية كلها والذين وضعوا آخر آمالهم وأصواتهم في صناديق 8 شتنبر قد كشفوا عن أحد ملامحها إن لم يتم تدارك الأمر، حيث أنه من الممكن أن تبلع الأحزاب التزوير ضدها وتعود إلى اللعبة، بينما أن التزوير ضد جموع المواطنين لا يمكن التنبؤ بمآلاته.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...