فوكو وقضايا السجون… بقلم عبد الحق إسفولة*

في حوار أجراه فوكو مع “كارل بوسير” أكد من خلاله بأنه كان يتمنى أن يكتب تاريخا للمنهزمين، إنه حلم يتقاسمه معه الكثيرون بمن فيه نحن الذين نكتب هذه الكلمات آملين أن نُسمع صوت الهامش، وأن نمنح أخيرا الكلمة للذين لم يأخذوها من قبل فظلوا على الهامش، إما بصمت التاريخ عنهم وإما بسبب عنفه المتمثل في أساليب الهيمنة والاستغلال.

انطلاقا من هذا الكلام نفهم إذن  سبب اهتمام محمد ازويتة بفوكو ليس كمفكر وفقط، إنما كفيلسوف الهامش، وكتابه هذا  ما هو إلا دراسة أركيولوجية عميقة قلما نجد نظيرها ليس في المغرب وفقط، إنما في العالم العربي ككل، وجدير بالذكر أن أوروبا عبر تاريخها المستمر كانت تمشي على خطى الإصلاح مدعية بذلك بأن السجن هو أرقى وسيلة لمعاقبة جميع الخروقات، وهذا التصور ليس وليد اللحظة، إنما هو زبدة ما أنتجه عقل الأنوار الذي قال عنه فوكو في كتابه الحراسة والعقاب: “إذا كانت الأنوار صنعت الحريات فإنها صنعت السجن أيضا”، وهذا ما يحاول أن يظهره محمد ازويتة من خلال هذه المأثورة الرائعة التي تأخذنا في محاولة لا مثيل لها لكي نلمس عمق الهامش المنسي.

ينقسم هذا العمل إلى ثلاثة فصول رئيسية وخاتمة تليها حوارات صحفية جمعت فوكو ببعض الصحفيين من أمثال “كارل بوسير”، والقارئ لهذا العمل سيلاحظ كم كان محمد ازويتة بارعا في تلخيص ما جاء به فوكو في الحراسة والعقاب؟ وذلك سيرا على منهج نيتشه الذي قال ذات مرة في “أفول الأصنام” :إنني أكتب في عشرة جمل ما يكتبه الآخرون في كتاب بأكمله، وهذه ميزة فريدة من نوعها لا يكتسبها المرء إلا بعد عناء طويل من القراءة والاجتهاد.

أما في ما يخص محتوى الكتاب فإن محمد ازويتة يأخذنا في جولة فكرية لا مثيل لها بدءا من الفصل الأول الذي عنونه “باهتمام فوكو بالسجون” وصولا إلى خاتمة الكتاب ،محاولا  بذلك  إقناعنا بأهمية المشكلات التي يطرحها فوكو للنقاش والتي تعود لعدة اعتبارات نذكر من بينها ما يلي:

(1) أولا: أن فوكو أولى اهتماما كبير بالحاضر، فجل المشكلات التي ناقشها في الحراسة والعقاب لها ارتباط وثيق بما هو كائن، لا بما ينبغي أن يكون

(2) ثانيا: أن فوكو قد استفاد كثيرا من الدرس النيتشوي فحاول بذلك أن يكون قريبا من الهامش.

(3) ثالثا: أن الرجل طرح مواضيع جديدة وحاول أن يعطيها معنى فلسفيا.

يعتبر محمد ازويتة كتاب الحراسة والعقاب الصادر سنة “1975” مرجعا لا يمكن الاستغناء عنه سواء بالنسبة لعلماء الإجرام، أو رجال القانون، وهو كتاب يحاول الإجابة عن سؤال عقلانية  القرن الثامن عشر التي اعتبرت بأن السجن هو أرقى وسيلة لمعاقبة جميع الخروقات والجرائم. إن الكتاب حسب محمد ازويتة ليس تأريخا للسجن بقدر ما هو تأريخ لهذه العقلانية التي تشتغل داخل المؤسسات والتي يحاول كاتبنا أن يرصد أثرها من خلال تتبع مسارها التاريخي وذلك عبر وقفات تأملية أركيولوجية، عميقة لكتاب الحراسة والعقاب.

إن فوكو في “الحراسة والعقاب: قد حاول أن يتقمص دور المخرج السينمائي في محاولة لاقتفاء أثر التعذيب الذي لازم حقبة القرن السادس عشر، ذلك أن موت “فرانسوا داميان” بتلك الطريقة التي تفتقر إلى أبسط شروط الإنسانية هو ما جعل فوكو يطرح السؤال حول طبيعة السلطة السائدة آنذاك، وكيف أصبح مصيرها بعد القرن التاسع عشر والقرن العشرين؟،بمعنى هل شهدت البشرية شكلا آخر من السلطة خلال القرون السالفة الذكر، وإذا كان الأمر كذلك فما طبيعة هذه السلطة؟ وكيف تشتغل؟ ما الميكانيزمات التي تعمل بها وأخيرا ما نتائجها على الفرد والمجتمع؟

يلخص فوكو مظاهر التعذيب التي عرفتها حقبة القرن السادس عشر في النقط التالية:

أولا: يجب على التعذيب أن يحدث كمية معينة من الألم

ثانيا: أن يترك أثارا على الجسم والذاكرة

ثالثا: حضور الجمهور، إذ لا معنى للعقوبة إذا حدثت في السر

رابعا: يمثل الجسد موضوع العقوبة بامتياز حيث تتوزع هذه الأخيرة وفق ثلاثة محاور:

  1. التبئير: ومعناه أن الجاني يعلق لافتة على ظهره تبين نوع الجريمة التي ارتكبها في محاولة لتجريده من هويته أثناء السير به في الشارع العام وأمام أنظار الناس.
  2. التشظية: حيث ينصب التعذيب على فصل الجسد وتقطيه، حيث يصبح الموت أمرا ثانويا عند مرتكب الجريمة
  3. الحذف التام: ومعناه بتر الجسد وتقطيعه، بل وحرقه، حتى لا يتبقى أي أثر للجريمة.

ينتقل بنا بعد ذلك محمد ازويتة عبر نصوص فوكو لاسيما الفصل الأول والثاني من كتاب “الحراسة والعقاب” لكي يبين لنا بأن إلغاء الفرجة العقابية في اوروبا لا يمكن اعتبارها حدثا فجائيا نزل من السماء بين عشية وضحاها، بل هو نتيجة مجهودات المفكرين التنويريين خلال القرن الثامن عشر الذين طالبوا بالتعامل مع العقوبة في صمت رهيب ، وفي ضرب صارخ لما كان سائدا في القرون الوسطى الغابرة، كما أن اختفاء الفرجة لديه تفسير واحد وهو قطع الصلة مع اتخاذ الجسد موضوعا للتعذيب العقابي، حيث سيتم اللجوء إلى مستويات عقابية مثل (العزل، النفي….).

يقف محمد ازويتة عند نقطة مهمة وهي أن التاريخ عرف ثلاثة أنواع من المجتمعات، تلك التي تقتل، وتلك التي تنفي، وتلك التي تحجز، وما أكثر المجتمعات التي تحتجز مواطنيها لأسباب واهية، فكم من مفكر؟ كم من صحفي أو كاتب راح ضحية قناعاته الشخصية وأصبح في خبر كان وكأنه لم يكن؟ كم من مناضل تم حجزه بسبب أفكاره المناهضة لسياسة الدولة؟،كم من رجل دين تم حجزه لأسباب واهية، ويبقى التاريخ هو الشاهد الأكبر على صحة ما أقوله.

إن محمد ازويتة في كتابه “فوكو وقضايا السجون” ينطلق من فكرة جوهرية مفادها أن النموذج الإصلاحي الذي جاءت به الأنوار كان يهدف إلى عقلنة العقوبة. بمعنى أن الأمر أصبح يتعلق   بإعادة  تأهيل الأفراد وإدماجهم داخل المجتمع، لكن السؤال الذي غاب على أذهان فلاسفة الأنوار ويطرحه فوكو بقوة في كتابه “الحراسة والعقاب” هو كيف حدث أن تم فرض النموذج السجني؟ كيف وبأي معنى أصبح السجن أفضل وأرقى العقوبات إن لم يكن الأكثر بداهة وضرورة في النظام العقابي المعاصر؟

إن السجن حسب التصور الفوكوي لم يولد من فضاء العقوبة، بل ولد من خارجها، وما يؤكد صدق ما نقوله هو أن فكرة السجن  ليست جديدة على مسامعنا و لا علاقة لها بفضاء العقوبة، إنما هي فكرة نجد صداها داخل الدولة الجنينية التي نقف عليها في المدارس، المستشفيات، المعامل، الثكنات العسكرية، وهذه المؤسسات هي في حقيقة الأمر  أشبه بالسجون، بل أكثر من ذلك نجد فوكو يؤكد على أنها بنيت بنفس الطريقة التي بني بها السجن، وهذا تحليل أركيولوجي قلما نجد نظيره في تاريخ الفلسفة ككل ،مما ينتج عنه طرح الإشكال التالي: إلى أي حد نجح السجن في تفادي الانحراف، في إيقاف نزيف الإجرام؟ وهل يمكن فعلا اعتبار السجن أرقى وأفضل وسيلة وصل إليها النظام العقابي المعاصر؟

يقول فوكو: “منذ قرنين ونحن نقول بأن السجن فشل لأنه لا ينتج سوى المجرمين، وأنا أقول بدلا عن ذلك إن السجن قد نجح ما دام ذلك هو ما طلبناه منه”. إن فشل السجن حسب التصور الفوكوي ليس نتاجا تاريخيا أو حالة تجريبية مرتبطة بخلل وظيفي يهم العقاب إنما هو فشل بنيوي بالأساس، ذلك لأنه  طوال هذه المدة كان السجن يعمل جاهدا على تكوين المجرمين والإلقاء بهم داخل المجتمع لكي يمارسوا الجريمة بطرق مختلفة.

–  إن الدولة بتعبير فوكو تحرص كل الحرص على منع التجمعات التي يفوق عددها أكثر من عشرون فردا ،لكنها تعمل على الترخيص لمثل هذه التجمعات في السجن، وهنا يتم تدريب السجناء على مخالفة القوانين وتشكيل عصابات داخل السجن بحيث يصبح السجن مدرسة للانحراف وممارسة الإجرام أكثر مما  يصبح مدرسة لإصلاح الذات والرقي بها نحو الأفضل،

–  إن أسوء ما في السجن أنه  يحكم على السجين بشكل دائم حتى عند خروجه، الشي الذي يجعله مراقبا من طرف البوليس، والسلطة الإدارية، الثقافية، الاجتماعية (السجل العدلي، صعوبات وعراقيل في الحصول على عمل)،

–  السجن يساهم  كذلك في تفقير الأسرة، ذلك أن الاتهام الذي يرسل رب الأسرة مثلا إلى السجن هو نفسه الذي يحكم على الأسرة بالتشرد وطلب الصدقة، حيث يصبح للجريمة أحفاد، وهكذا ينتهي فوكو إلى خلاصة مفادها أن السجن لم يكن أبدا أرقى وسيلة في المنظومة العقابية المعاصرة خاصة إذا نظرنا الى كلفة بناءه وتنظيمه وإلى كلفة الإجرام المنبثقة عنه،

وأخيرا بعد هذه الجولة الفكرية ينتقل بنا محمد ازويتة إلى الفصل الأخير من الكتاب الذي عنونه  بولادة السلطة الحيوية، مؤكدا على أن الرؤية الفوكوية لم تقتصر على السلطة التأديبية وفقط، إنما تجاوزت ذلك إلى ما يسميه فوكو بالسلطة الحيوية، هذه الاخيرة لا تتعامل مع الأفراد كأجساد منفصلة يسهل ترويضها وتدجينها لكنها تتعامل  معها ككتلة واحدة، وتهدف هذه السلطة حسب فوكو إلى المزيد من التحكم من خلال مراقبة نسبة الولادات، الوفيات، نسبة السكان وكل ما يرتبط بحياتهم، التطبيب، التلقيح وكما يقول فوكو: إن الوجه المرعب للسلطة الحيوية هو كونها لم تعمل فقط على إخضاع الفرد وجعله طيعا، إنما على إخضاع السكان جملة إلى شروط الدولة ومتطلباتها. وما فيروس كورونا إلا واحد من الأمثلة الشهيرة التي  ظهرت فيها الدولة بسلطتها الحيوية حيث أرغمت الجميع على التلقيح لا لشيء إلا لإخضاع السكان إلى شروط الدولة ومتطلباتها.

 

*أستاذ باحث


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...