محمد جباري يكتب … كارل ماركس والحب!

تعرفنا على كارل ماركس المنظر الإيديولوجي للشيوعية، والأب الروحي للاشتراكية. وارتبط اسمه في تمثلاتنا وذاكرتنا الجمعية، بصورة المدافع والمحامي الشرس عن الطبقة البروليتاريا، والمهاجم العنيف للبورجوازية الأنانية، والرأسمالية الامبريالية ، حتى طغى ماركس الثوري على ماركس الإنسان. لذلك، سنحاول في هذه الإطلالة الخفيفة، ” أنسنة ” كارل ماركس، من خلال الوقوف على الجانب الحميمي فيه، ألا وهو كارل ماركس العاشق!

ولد كارل ماركس عام 1818 في مدينة ترير (Trier) على التخوم الفرنسية الألمانية، في أسرة يهودية. كان أبوه محاميا، فيما كانت أمه مؤمنة تميل للهدوء واحترام التقاليد والأعراف، مما سيعرضها للغم والشقاء والكدر، بسبب نزوع ابنها الثوري ومطاردة الحكومات له في أوروبا. كان ماركس شابا مديد القامة، أسمر البشرة، بعيد عن السمات اليهودية المألوفة، لدرجة أن إخوانه كانوا يلقبونه ب “الزنجي”.

كان يسكن بجوار منزل ماركس المستشار الألماني البارون وستفالين، الذي كان صديقا مقربا من والده. تقوت العلاقة بين العائلتين وكثرت الزيارات بينهما، وكانت لهذا المستشار ابنة جميلة تسمى ” برتا “، تكبر كارل بأربع سنوات. قضت طفولتها رفقة كارل، وعندما شب الاثنان تسرب الحب إلى قلبيهما.

التحق ماركس بجامعة بون لدراسة القانون، غير أنه لم يسطع المسايرة ولم يأت بنتيجة، بسبب انشغاله بحبيبته. وعندما علم والده بالأمر، أنبه واستدعاه ومنعه من العودة إلى بون. كانت هذه الفترة، بالنسبة لماركس، فرصة للتقرب أكثر من برتا وإقناعها بالزواج منه، لأنها كانت مترددة وخائفة أن يكون حب ماركس لها مجرد هوى وشهوة عابرة. لكن ماركس نجح في تبديد هواجس ومخاوف حبيبته، وعقدا خطبة ظلت سرية عن عائلتيهما.

بنشاط وحيوية ونفس مفعمة بالحياة والتفاؤل، استأنف ماركس مساره العلمي في جامعة برلين، ورغم أن مهمته كانت دراسة القانون على خطى والده، إلا أنه كان كثير التجوال بين العلوم لاسيما التاريخ والفلسفة والاقتصاد، وقد عبر والده عن ذلك في رسالة قائلا: “إنك في تشوش هائل، تكثر التجوال في مختلف العلوم وتقضي وقتك عبثا في التأمل حول المصباح”. ومع ذلك، فقد استطاع  ماركس نيل شهادته الجامعية. واشتغل في الصحافة محررا في إحدى الجرائد، لكنه سرعان ما فصل منها بفعل أفكاره السياسية.

قوبلت علاقة الحب بين برتا وماركس بالرفض من لدن عائلة برتا، التي حاولت جاهدة منع زواجهما، غير أن رغبة الحبيبين في بعضهما البعض ومتانة علاقتهما، تغلبت على إرادة العائلة، وتزوجا عام 1842، وهاجرا إلى باريس. وهناك سيتعرف ماركس على ثلاثي الاقتصاد: بردون، وباكونين، وسان سيمون، حيث تشرب ماركس أفكارهم. كما سيتعرف ماركس بالأديب الألماني الشهير: هينه، ومما يحكى أن زوجة ماركس تعلقت بهذا الأديب وبادلها هو الآخر نفس الشعور، لكنه احترم صداقته بكارل ماركس فلم يشأ أن يخنه.

طرد ماركس من فرنسا بطلب من ملك بروسيا، واستقر مدة في بروكسل، حيث سيلتقي ب فريدريك إنجلز وستتوثق علاقتهما. لكنه مجددا سيضطر لترك بروكسل نتيجة نشره “البيان الشيوعي”، فقصد ألمانيا وشارك في الاضطرابات التي عرفتها منطقة الراين، ثم ما لبث أن عاد لحياة التيه والترحال بين البقاع الأوروبية، وسينتهي به المطاف بإنجلترا، حيث سيتمكن من طبع ونشر كتابه الشهير “رأس المال”. عاش ماركس في فقر وبؤس شديد في الأحياء الهامشية بلندن، مما سينعكس سلبا على صحته وصحة زوجته وأبناءه. واشتغل في هذه المرحلة كاتبا في إحدى الجرائد الأمريكية، التي كان يوافيها ببعض المقالات، مقابل بضعة جنيهات التي بها كان يقاوم ظروف الحياة.

كانت نهاية كارل ماركس مأساوية، إذ فقد إيمانه بالله، وبالحكومات التي اعتبرها شرا عظيما يجب إزالته. وماتت زوجته قبل وفاته بعام، ويحكى أنه أثناء جنازة زوجته، عثر فوقع في حفرة قبرها، ومذ ذاك الحين انطفأت حماسته وذبل نشاطه وانزوى عن العالم ومشاكله، وكأنه دخل حالة اكتئاب.

 

                                                                                                   (*) أستاذ باحث في التاريخ- بني ملال

E-mail : [email protected]

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...