حديث العروي في السياسة ..

في وقت مضى ،كان من السهولة بمكان الإجابة على سؤال كيف نصبح “نخبة”؟ ،أي مثلا كيف يمكن أن يصبح الواحد فينا نائبا برلمانيا مثلا أو مسؤولا سياسيا أو وزيرا لامعا أو موظفا ساميا صاحب رتبة عالية متميزة في هرم الدولة؟. بالطبع الإجابة عن هذا السؤال كانت تتعلق بالواقع المغربي أو الممارسة المغربية في “التعيينات” و”الترقيات”..وفي طرائق إضفاء طابع الوجاهة السياسية ، وفي السيرورات المفكر أو غير المفكر فيها للتنخيب، سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون وهي التي تسمح برسم مسارات وأشكال ونماذج ظلت سارية…لكن السؤال ظل مع ذلك يطرح نفسه في كل مرحلة زمنية تعيش فيها السياسة إخفاقات أو تعتري المجتمع تصدعات ويعيش أفراده إحباطات وخيبات أمل ويطمح هذا المجتمع إلى تغيير وإصلاح..فينبعث ذلك السؤال ما النخبة السياسية؟ من رماده..وتطرح أسئلة أساسية مرتبطة به.. من قبيل هل للمجتمع نخبا حقيقية فعلا نابعة من مسار تطوره وتناقضاته وصراعاته تعبر عنه ،تقوده، وتحقق آماله العريضة..؟ حين يواجه المفكر المغربي عبد الله العروي هذا السؤال ماهي النخبة ؟ يتوجه بطريقته التحليلية والنقدية في نفس الوقت إلى بواطن القضايا والظواهر؛ إلى معالجة مسألة “الأمية” المتفشية في المجتمع. وكيف تشكل عاملا مؤثرا سلبا أو إيجابا .فيعرف(من التعريف) الأمي الذي يعتبره ذلك الذي مايزال يعيش في حضن أمه. يتكلم بلهجتها يتصف بصفاتها، يتوخى أغراضها ،يعمل على إرضائها، يعيش في حماها ولا يتعدى أفق حياتها حتى عندما يهاجر بعيدا عنها.والأم هنا عنده هي المربية الوحيدة والدائمة .لا ينتهي دورها وتأثيرها إلا بالموت أو القطيعة..فتربية الأم هي تربية الوالدة المرضع ،وأنها حلقة وصل بين الطبيعة والمجتمع .فبقدر ماهي قريبة من الطبيعة بقدر ما ترسخ في ولدها النوازع الطبيعية : الولاء، الطمع،الخوف،الخ.ويمكن هنا أن يعترض معترض على هذا الموقف الذي ينطلق منه العروي بدعوى أن الأم يمكن أن تكون أمية ولا تكون جاهلة. بل يؤكد على أنها قد تكون مهذبة مثقفة . يجيبه العروي نعم .لكن أية ثقافة ؟ أي تهذيب؟ وهنا تدخل في المعادلة عوامل أخرى ،مميزات زائدة.فهذه الأسرة “الأمية” حيث يكون “الوالد” زائرا في أفضل الحالات ،إما بدوية وإما حضرية،عربية أو أمازيغية أو مختلطة،شريفة أو عامية،طرقية أو سلفية،مخزنية أو سوقية ،الخ.إن وظيفة الأم لا تتغير في نظر العروي بهذا التمايز .تقوم دائما بدور الوسيط الحافظ.لكن ما تحفظه،ما توصله ،ما تلقنه من لغة وتقاليد وأعراف وآداب يختلف من منطقة إلى أخرى ،من طبقة إلى أخرى.ترتفع الأمية عنده لا بإتقان الكتابة والقراءة ولا بحفظ مقولات الكون والإنسان والماضي، بل وهذا ما يؤكد عليه العروي عندما يستقل المرء بذاته ويرى فيها المادة التي بشيد بها الكيان السياسي .هنا في نظره ندخل إلى  ميدان أو مجال جديد .لابد من تربية مختلفة بل مناقضة لتربية الأم ،هي “التربية المدنية” .وهذه التربية تتمثل بالضرورة تجارب غير تجارب الأم.تتغير اللهجة،تتجرد المفاهيم ،يتسع الأفق،تكثر المثل وتتنوع التصورات. يتطرق العروي هنا بالذات إلى العلاقة بين التربية المدنية والتعليم النظامي ،وحتى العالي منه.بل الغالب في رأيه هو أن التربية النظامية تساير تربية الأم ،فتساعد على تكريسها، تبريرها ،تقويتها ونشرها: وهو أمر ملاحظ عندنا. نتشكى باستمرار من ضعف الصحافة عندنا ،من شح التأليف واتباعيته بدل إبداعيته ..ومن عجز الأحزاب السياسبة وترهلها وتقاعسها ..ومن النقابات ومختلف التنظيمات المدنية ..وهذا يتجلى جيدا أثناء الحملات الانتخابية .فنخجل مما نسمع ونرى ،سيما إذا تزامنت الحملة عندنا بأخرى خارج حدودنا وتفرض علينا المقارنة .

إذا كان الحال هكذا، الأمية متفشية والتعليم النظامي ووسائل الإعلام والنشاط العمومي ،كل ذلك لا يفعل سوى إعادة إنتاج الموروث،ما العمل إذن ؟يتساءل العروي كيف يمكن الخروج من هذه الحلقة المفرغة ؟كيف يمكن أن يتم الفطام وتتحقق النقلة المرجوة ؟وما جدوى التأويل الديمقراطي الذي نقوم به ؟أو ليس التأويل السلفي هو دائما هو الأقوى ..لماذا ؟ لأنه يملك في ذاته وسائل “التجديد” ، إذ التجديد هو لديه إحياء القديم؟. وهنا يوضح العروي مسألة في غاية الأهمية وهي : أنه ليس مسلما أن التجديد بهذا المعنى أيسر من إنشاء جديد حقيقي،حتى وإن كان الجديد عندنا معروفا مبتذلا عند غيرنا.لو كان سهلا لما تعثرت كل المشاريع الأصولية ولما أرغمت على استعمال القوة  صحيح أن كثيرا من الأوهام الإصلاحية التلقائية قد تحطمت،تلك المتعلقة بالنفس البشرية التواقة إلى التقدم والتحرر، بالاقتصاد كقاطرة للتنوير ،بالطبقة العاملة كطليعة الإنسان المنتج الحر،بالمثقفين كأنصار العقل والعدل،الخ.قد اتضح بالتجربة أن الديالكتيك يعمل أيضا على هذا المستوى ، وأن العوامل المذكورة قد تخدم بسهولة الاتجاه المعاكس ،أي تركيز القديم وإحيائه .وذلك لأسباب فصلها المؤرخون وعلماء النفس. ينتهي العروي وهو يعقد الأمل في تحقيق تجديد صحيح، الى أن ذلك معقود اليوم في نظره على :

– اعتماد ديمقراطية الجهوية المحلية إذ يبدو خيارا لا مفر منه لتفادي التمزق والفوضى.فما علينا في نظره إلا أن نلقي نظرة على ما يجري حولنا،لنرى أنه كلما تأخر تطبيق المبدأ تضاعف خطر التفكك .

– التعرض للمنافسة الدولية في إطار عولمة الاقتصاد.فواضح اليوم أن لا أحد يستطيع أن يكتفي بما ينتج، وإلا عاد إلى القرون الوسطى. من لا ينافس غيره يحكم على نفسه بالذبول والاضمحلال.هذه القاعدة يعتبرها العروي هي الفيصل بين المقبول والمرفوض في المشاريع الإصلاحية.إذ اتضح للجميع أن إحياء القديم ،مهما بدا مغريا من منظور التلاحم والمساواة ،يتحول إلى عائق في مجمل التنافس الدولي ،إذا كان ثمن الإقدام على إنجازه هو الانخراط في قائمة الدول الفاشلة،أي مخرج سوى إبداله بمشروع معاكس ،هو المشروع الديمقراطي ؟.

-تطور الأحزاب السياسية التي يعتبرها العروي  مما يتضح لأعضائها أنها مسلوبة الإرادة ،مسيرة دون وعيها،خاضعة لمنطق المبايعة ،رديفة لنفوذ البطانة ،ما لم تتعال على مستوى الزاوية أو العشيرة أو النادي أو النقابة .

– تنشيط ما يسمى بالمجتمع المدني ،إما بمبادرة ذاتية أو بإيعاز وتشجيع من الخارج .ولكن هل تؤدي هذه الأوضاع  بالعروي إلى اليأس؟ رغم كل العوائق يعتبر أن الأمل معقود، عبر هذه القنوات التي ذكرها بالتحديد على فاعلية منطق المنفعة.لا يعني بالكلمة الصالح العام، الذي لا يتمثل أبدا لذهن الإنسان الأمي.يقصد بالضبط ما يفهمه الأمي من هذا اللفظ،أي النفع الآني العيني.الأمل أن يؤدي  ،بالاستصحاب والاستتباع،الظرف الداخلي والخارجي إلى تضمين المصلحة الشخصية معنى جديدا.والأمر بالنسبة للعروي غير ممتنع عقلا.

يعترف هذا المفكر أن كل شيء تغير حولنا منذ عشرين سنة.ويتساءل ماهي اليوم،بالملموس ،مصلحة الواحد أو النخبة أو الجمهور؟ هنا يتطرق في إجابته على السؤال إلى الأمية من جديد ..فيعتبر أنها كانت الى حد الآن لها بمعنييها ، الضيق والواسع ،فائدة بالنسبة للجميع.يستفيد منها الواحد لبسط سلطانه والبطانة لتثبيت نفوذها،وكذلك الجمهور.من يبيع صوته أثناء الانتخاب،ألا يستثمرأميته ؟ يبرئ نفسه ويتهم غيره. أما اليوم فالجميع في نظر العروي يقولون إنها عيب ونقيصة، خدش في المروءة ،عائق في المستقبل مع الإخوة والجيران.لا أحد ينكر أن الطفرة من مجتمع أمي إلى مجتمع مدني هي دليل المروءة والرشد والهمة .التخلف في هذا الميدان يجزم العروي أنه يضر بالسمعة أولا ثم لا يلبث أن  يمس المصالح. كما أن الجدل بين الخارج والداخل ،الاقتصاد والسياسة ،التجارة والقانون، يؤكد العروي أنه تم تجريبه مرارا ولولاه لما كان تطور في التاريخ. وفي تحليله يؤكد مرة أخرى العروي أن استعماله للفظ أمل. لا يعني الإخفاق غير وارد.فالبشرية في نظره كلها قد تخسر الرهان في نهاية المطاف ضد الطبيعة ،ضد الحيوانية، ضد الفناء.فحضارتنا  يراها العروي أنها قد تخفق إخفاقا تاما إذا لم تتغلب على محنتها الحالية ولا عزاء لها في ثورة العنف.دولتنا الوطنية هي أيضا في نظره قد تخفق كما أخفقت دول أخرى كثيرة لم تعد توجد إلا بالإسم في قائمة الامم المتحدة.

ولكن النجاح أيضا في نظره وارد وبالقدر نفسه، وإلا لما فكر في الأمر أحد .

يخلص العروي في حديثه ، وفي خلاصته المكثفة دروسا وعبرا ..فيتساءل مستفهما : الكل سياسة؟ جملة  وكان يوجد من يروجها قبل ثلاثين سنة المثقفون في المجتمعات المتقدمة، حيث يكثر من لا يقيم للسياسة وزنا.وينغمس في التجارة أو الفن او البحث العلمي أو الرياضة .فالدول الديمقراطية في نظره تمارس السياسة كثيرا وتتكلم عنها قليلا.الحاصل عندنا هو العكس.لا يلتقي منا اثنان إلا ويبادر أحدهما بالسؤال: ما الخبر ؟والخبر لا يتصور أن يكون غير سياسي  .لا غرابة إذن أن “نسيس الدين” أكثر مما “ندين “السياسة”.والسبب في رأي العروي وكما حدده سابقا .لم يحصل بعد عندنا الفطام الضروري من الغريزة إلى العقل ،من الاتباع إلى الاستقلال، من التوكل إلى الهمة، من المبايعة إلى المواطنة.وما يجعل السياسة بئيسة عندنا هو بالضبط هو شموليتها .لا تنفصل “الغمزة” عن “الدبزة”،القهر عن المؤالفة،السياسة /رعايةعن السياسة /تدبير.لم تتكون بعد نخبة سياسية واسعة تتأهل وتتجدد باستمرار ،تتحمل المسؤولية لمدة محدودة كعبء مكلف وبالتالي مؤقت،كمرحلة لازمة ضمن تجربة أوسع وأغنى.فيستطيع المرء أن يقول: هناك حياة قبل وبعد السياسة .

 

☆إشارة ضرورية : اعتمدنا في بناء هذا

الحديث في  السياسة للمفكر المغربي العروي على كتابه الهام “من ديوان السياسة” .المركز الثقافي العربي 146-152.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...