“نعوذ بالله من النقّاد” … بين نُعيمة والعقّاد والمازني… بقلم: عبد الحكيم برنوص

يحتفي نُعيمة بكتاب “الديوان” أيما احتفاء، ويتقبله قبول المزدهي والمُنتشي، بعد أن كاد يفقدُ الأمل في كل ما أتى ويأتي من مصر. “الديوان” مُؤلَّف بالاشتراك بين ركنين من أركان النقد العربي في مصر والعالم العربي. أصدر العقاد والمازني كتابهما بداية عشرينيات القرن الماضي، كتاب ضخم في عشرة أجزاء، حسْبُ نُعيمة أنِ اطلع على جُزأيه الأول والثاني، الصادران  إلى ذلك الآن.

يَشفي “الديوان” غليل ميخائيل شفاء يكاد يكون تاما، ولولا النقد اللاذع وسِهامه الحارقة، لما كان له وقع على قلب وعقل نُعيمة. إن “الديوان” في رأي نُعيمة تصفية حساب ومسح للطاولة، ووضع للنقط على الحروف، وأقلها حرف الياء، وإزالة للأصنام القديمة والمعبودات المُتآكلة، “إن الساعة لرهيبة وجميلة، ومُبكية ومُضحكة، ساعة ينتصب الميزان، فتهبط منه كفة، وترتفع كفة”[1].

ويبلغ احتفاء صاحب الغربال بجماعة الديوان، أن اعتبر ساعة اهتدائه إليه، أطيب ساعة في حياته. ثم يبين نعيمة طريق عمل الناقدَين، حيث يعمد أحدهما إلى كاتب أو شاعر، فينقُده بما أوتي من مقدرة النقد، وقد استقل العقاد بشوقي ووزنه وحكّه، في الجزأين كليهما اللذين طالتهما يد ميخائيل، وكذلك فعل المازني بالمنفلوطي في جُزأَي الكتاب.

وطبعا فميخائيل نُعيمة يعتد بنفسه اعتدادا كبيرا، فلم تشفع للعقاد ولا المازني قامتهما عنده، فما كان ليحفل بديوانهما لولا أنه وجد فيه دقة وصحة، لم يعهدهما إلا عند نفر قليل من  أدباء العالم العربي[2].

فالذي أثلج صدر نُعيمة، وحفزه وجعله يُقدر العقاد ويضمه إلى جانبه، ذلك النهج الذي نهجه العقاد، وتلك الرؤية التي بها ينظر إلى الشاعر، ودوره في الحياة. فنُعيمة يوافق ويُصادق على ما ذكره العقاد في بداية نقده لشوقي، يقول العقاّد “فاعلم أيها الشاعر العظيم، أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يُعدِّدُها، ويُحصي أشكالها وألوانها. وأن ليست مزية الشاعر، أن يقول لك عن الشيء ماذا يُشبهُ، وإنما مزيته أن يقول ما هو”[3].

فليس دور الشاعر أن يُشبّه ويتسابق في أشواط البصر والسمع، ولكنّ ” التشبيه أن تطبع في وجدان سامعك وفكره صورة واضحة، مما انطبع في ذات نفسك”[4].

يعقد العقاد ميزانا للشعر، ومحكّا لا يُخطئ في نقد الشعر: “إرجاعه إلى مصدره”[5]، فإن عُدل به إلى الحواس، فإن العقاد يعُدّه شِعر قشور وطلاء، وإن ارتد عميقا وراء الحواس، ولمحت دونه شعورا حيا، ووجدانا تعود إليه المحسوسات ” فذلك هو شعر الطبع القوي والحقيقة الجوهرية”[6].

ينتشي صاحب الغربال لما يرى كومة من أشعار أحمد شوقي، مُفككة الأوصال، متنافرة الألوان، يابسة القلب، مُكفهرة الوجه، بعد أن حكّها العقاد على محكه الصادق كما يراه نُعيمة، وهي أمور ترتب عنها بالتبع نزعُ إكليل الإمارة من عنق “الأمير”، الإكليل الذي “ضفره له وَهْم الكثيرين وجهلهم وخُلّته، ولا إكليل على رأسه إلا الخيبة”[7].

ويبلغ الانتشاء بصاحب الغربال مداه، عندما يُطيح العقاد بالصنم الخزفي الذي كان يعتقده الناس في أمير الشعراء، فالشّاعر شاعر، والوزّان وزّان، وإِن لقبه الألوف بالشاعر الكبير أو بالأمير.

إن الشعر في نظر العقاد، موافقا تمام الموافقة لرأي نُعيمة، “هو ملتقى جميع أنباض الحياة العالمية، المنظورة وغير المنظورة”[8]، فكيف يأتمر الشعر بأمير وأمثال هوميروس وفيرجيل والمعري والمتنبي والفارض …قائمة؟ يتساءل العقاد.

وليُقد الدليل الملموس على صحة هذا الهجوم اللاذع، يسوق ميخائيل مثالا تطبيقيا، وهو جزء من قصيدة لأحمد شوقي واصفا خطّاطا، عنوانها” ريشةُ صادق”، يُقدمها بهذا التبرّؤ الساخر “يا ويلَ الشّعْر و واحربَ الشعراء، إذا كان ناظمٌ لهذه الأبيات أميرَهم” فيُعيب عليه نشرها في الصحف وإذاعتها بين الناس، ولا يشفع له أن نظمها فَكَهة وتسلية كما يقول البعض.

يتّكئ صاحب الغربال على العقاد ليطال رأْس الأمير، مُطالبا بإسقاطه وهو الذي اعتقد بداية أن العقاد كان  متحاملا نزِقا، كأنّ له ثأرا عند شوقي، لكن سرعان ما يتوافق الناقدان، فيُدرك ميخائيل أن العقاد “ما استغرق في نقد شوقي، إلا ليطال من ورائه جيشا من الذين حاك الجهلُ أو الرياء أو التزلّف على بصائرهم نقابا كثيفا”[9]، إن نقد العقاد، كما  يقول نُعيمة ، إنما هو قاصد توضيح الرؤية وإزالة النقاب.

والأمر نفسه فعله المازني مستهدفا كلّا من شكري والمنفلوطي، فيَعيب على الأول ادّعاءَه الغرابة والجنون وركوب العجائبيّ، ويأخذ على الثاني قُصورَ لُغته، وعجزها عن أن تُطاول الزمان والمكان، يقول نُعيمة ذلك، بعد أن صرح بالمجهر الذي يعتمده المازني في فحص عيناته: ” إن الجيد في لغة جيد في سواها، والأدب شيء لا يختص بلغة ولا زمان ولا مكان. لأن مردّه إلى أصول الحياة العامة. لا إلى المظاهر والأحوال الخاصة العارضة. وكذلك الغث غثّ في كل لغة. في أي قالب صببته وسكبته وبأي لسان نطقته”[10].

فقد يظهر المنفلوطي صاحب حَلاوة ونُعومة، إلا أنها لا تعدو أن تكون محلية الصنع، إذا أنت جُزت بها إلى خارج البلاد العربية، نُزعتْ عنها كل حلاوة وانتفى عنها كل جمال.

يُقرّ صاحب الغربال بحِرفية  الناقدَين العقّاد والمازني ( ونعوذ بالله من النقاد) كما يقول في موضع آخر من كتابه، باعتبار الموازين والمقاييس التي بحوزتهما، مُرجعا الفضل في جُزء من ذلك إلى اطّلاعهما على الآداب الغربية، لولا أنه يأخذ عليهما تحاملهما أحيانا على من ينقدانه من  الشعراء أو الكتاب، واحتفائهما ببعض  الآثار أو الحطّ منها سهوا وغلطا.

 

 

 

[1]  ميخائيل نُعيمة، الغربال ، دار نوفل، بيروت ، لبنان، ط 15، 1991، ص 209.

[2] المرجع نفسه ، ،ص 211.

[3] المرجع نفسه ، ص 211.

[4] لمرجع نفسه ، ، ص 211.

[5] المرجع نفسه ، ص 212.

[6] المرجع نفسه ، ص 212.

[7] المرجع نفسه ، ص 213.

[8] المرجع نفسه ، ص 213.

[9] المرجع نفسه ، ص 214.

[10] المرجع نفسه، ص 216.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...