رحيل متيم الحداثة..في الفكر الفلسفي المغربي … بقلم التهامي ياسين

هل بالإمكان في هذا الزمان المغربي ..وبعد كل ما حدث من تطورات فكرية واجتماعية وسياسية .. في المشرق والمغرب أن نتكلم عن مدرسة فلسفية مغربية متميزة ومختلفة.. عن نظيرتها في المشرق؟ وكيف يمكن استثمار أفكارها وأطروحاتها ومقارباتها ومباحثها العلمية في وقتنا الحاضر ؟ رحل كثير من رواد تلك المدرسة المغربية، الذين وظفوا كل إمكاناتهم وطاقاتهم.. لتأسيسها وتشييدها وتقوية صرحها وأسسها..بدءا من المؤسس الراحل لشعبة الفلسفة في الجامعة عزيز الحبابي ومحمد عابد الجابري وعلي أومليل وعبد الكبير الخطيبي وعبد الله العروي وعبد السلام بنعبد العالي وسالم يفوت وكمال عبد اللطيف ومحمد جسوس وفاطمة المرنيسي والطاهر واعزيز ومحمد وقيدي وكمال عبد اللطيف وطه عبد الرحمان وآخرين …نعتذر عن عدم ذكر أسماءهم(ن)..ويرحل في هذه الأيام القليلة الماضية مفكر مغربي آخر تقاسم مع رفاق تلك المدرسة هموما فكرية مختلفة ،كان عاشقا للحداثة و”متيمها “و”يتيمها” هو د محمد سبيلا.والمتأمل لرواد هذه المدرسة يلاحظ أنهم  يمثلون كل الحقول المعرفية ورغم اختلافاتهم التي قد تصل أحيانا حد التنافر في المقاربات والرؤى فثمة أرضية فكرية مغربية، وجهد فلسفي متفاعل و  متداخل ومشترك في النهاية يظل  مغربيا. ..والأمر لا يتعلق بالضرورة بالباحثين تحديدا في حقل الفلسفة ، ولكن أيضا كل مبدعي تلك الفترة التاريخية، المنتمين إلى حقول المعرفة العلمية والعلوم الإنسانية بكل تفرعاتها كعلم الاجتماع والتاريخ والاقتصاد والسياسة والفن والإبداع و علوم وفلسفة اللغة والابستمولوجيا والنقد الأدبي؛ أي إلى الفكر المغربي الأصيل عموما من فلاسفة وروائيين وشعراء وعلماء اجتماع ومؤرخين كبار وعلماء اقتصاد ..ولعل المتأمل أيضا حين يعود إلى كتابات رواد تلك المدرسة و أبحاثها التي أنجزت في الستينات  والسبعينات.. إلى وقت رحيل الكثير منهم ..يلاحظ بكل وضوح أن تلك المدرسة أنجبت كثيرا من الأتباع والمريدين حتى خارج الوطن.. ويمكن كذلك أن يلاحظ أن الأسس الأولى الفكرية لتلك المدرسة قد عرفت بداياتها الأولى بعد الاستقلال التي تفاعلت مع العمل السياسي الوطني الملتزم باختلاف ألوانه ، وفي إطار المشروع الديمقراطي الحداثي الذي شكل الهاجس الأكبر لجل المثقفين المتنورين والعضويين ..إذ شكل سؤال الحداثة والديمقراطية والكرامة مبحثهم الفلسفي والسياسي الكبير ..فلم يكن هناك انفصال بين الفكر في الجامعة والممارسة في حقل المجتمع والسياسة.. وقد برزت الأسماء التي ذكرناها ولمعت في رحاب الجامعة المغربية التي شكلت الفضاء الأنسب، والأكثر تأثيرا آنذاك لكفاح المثقف ونضاله ضد التخلف والتأخر التاريخي.

وإذ ندع القارئ يستنبط بنفسه رصانة وعمق كتابة وفكر د محمد سبيلا من خلال نص سهل ممتنع نقدمه في نهاية مقالتنا، والذي يعود إلى فترة نهاية التسعينات ،فإن سعينا في ذلك هو  أن نعترف لهذا هذا الكاتب الناقد والبشوش دائما والوديع المسكون بهاجس الحداثة والتنوير ، والمقاوم بصمت لكل أشكال الفكر الانغلاقي التقليدي المعيق للتقدم والتطور..أن نعترف له باهتمامه البالغ بالمشروع المجتمعي الحداثي المغربي الذي ظل يتشبت به وبتناوله الشغوف لقضية الديمقراطية وحقوق الإنسان ..مفكر ناقد لم يكن يحب الأضواء والانقضاض على الفرص والتنازل عن المبادئ؛ كما نلاحظ  ذلك في مواقف كثير من مثقفي زماننا اليوم. إننا نطمح فقط من هذا التعريف المختصر به أن نعترف له كأستاذ جامعي متميز وباحث متمرد على الافكار الجاهزة والمعرفة المحنطة . علم من أعلام الفلسفة المغربية الأصيلة.. لم يتوقف عن الكتابة العميقة النقدية والهادئة والممارسة الفكرية الميدانية طيلة حياته.. وهو أمر طبيعي لأنه ينتمي الى تلك المدرسة الفكرية المغربية الوطنية ، التي ارتبطت أسئلتها بواقعها المغربي..كاتب مفكر مثل محمد سبيلا ظل وفيا للسؤال الفلسفي الحداثي وأقرب أكثر إلى الحداثيين وأقرب تحديدا إلى أطروحات المفكر عبد العروي، إذ تحضر استشهادات العروي في كتاباته بشكل لافت ومستمر..ففي قولة للراحل محمد سبيلا عن الحداثة  يستحضر قولة العروي مفادها : ” (تنطلق الحداثة من الطبيعة ،معتمدة على العقل،لصالح الفرد لتصل إلى السعادة عن طريق الحرية ..).لا يسع المجال إذن ونحن نودع شخصه ،ولا نودع أثره الفكري العميق الخالد  أن نفي الرجل كل حقه في  مقالة كهاته..و أن نحيط بكل إسهاماته الغزيرة ..لقد كان مصابا بداء لا شفاء منه : هو داء السؤال، وقلق الفكر..ففي نصوصه المختلفة التي كتبها بسخاء وفي تصريحاته ومحاضراته .. نلمس عباراته التي كانت تنساب من فمه وقلمه بارتياح تام ..ففي بنائه للقول الفلسفي شفهيا أو كتابة – إذ الأمر لديه سيان – لا تجد أثرا للإرتباك والتلعثم أو التردد.. حتى في تصريحاته التلقائية العفوية ؛ شأنه في ذلك شأن الراحل الكبير محمد عابد الجابري ..ولعل سعة اطلاع محمد سبيلا على مصادر الفلسفة الغربية ونصوصها الأصلية وترجمتها ،وأيضا امتلاكه لخوارزميات اللسان العربي الأصيل واغترافه من نبع اللغة العربية ومتونها وبلاغتها..منحه كل ذلك ثقافة موسوعية متفتحة ،متأصلة ومعاصرة في نفس الآن .لغة سلسة منسابة قل نظيرها في بعض إنتاجات مثقفي اليوم وأدباء الوقت الراهن في تخصصاتهم.. ولعل ترجماته الجميلة والمدمنة في وقت مبكر  لأعمال الفلاسفة التي أنجازها بمعية رفيق دربه الأستاذ الباحث عبد السلام بنعبد العالي إيمانا منهما بأهمية الترجمة وفعاليتها في تطور وتحديث الفكر الفلسفي المغربي .. وقد تمثلت هذه الأعمال في تلك السلسلة الفلسفية “دفاتر فلسفية” الغزيرة بأعدادها والمتنوعة بموضوعاتها..وكانت  لفائدة مدرسي الفلسفة بالدرجة الأولى ، فكانت دليلا على امتلاك محمد سبيلا ورفيقه بنعبد العالي لثقافة لغوية مزدوجة في مصادرها الغربية (الفرنسية) والعربية امتلاكا عجيبا وفريدا. ويمكن التنويه هنا والرجوع إلى العدد السادس (على سبيل المثال لا الحصر)من السلسلة والذي اهتم “بالحداثة”..والحقيقة أن اسم الراحل محمد سبيلا لا يذكر إلا مقرونا بالمسألة الحداثية والعقلانية ..التي كانت دوما موضع هوسه وافتتانه وحلمه..الحداثة في الفكر، وفي الاجتماع، والحداثة في السياسة..اهتمامه بكانط وبهيدجر وبهابرماس وإدغار موران وبغيرهم من فلاسفة الغرب المعاصرين .. وبإشكالية التقنية وسلطتها وأبعادها ومفارقاتها وبميتافيزيقا الحداثة التقنية – كما كان يسميها الراحل- دون أن يغفل رموز الفكر المغربي التقليديين والحداثيين منهم ،وكذلك قادته السياسيين التاريخيين البارزين..

أرتايت تقديم نص له وفاء لروحه.هذا النص بلغته السهلة الممتنعة يعود إلى سنة 1997 من كتابه “حقوق الإنسان والديمقراطية” وهو في الحجم الصغير يضم مقالات رصينة وبالغة الأهمية في وقتها ومازالت تحتفظ براهنيتها إلى الآن ..كان قد نشرها الراحل في سلسلة شراع التي كان يديرها الإعلامي المتميز ذ خالد مشبال ..اخترت نصا بعنوان:  “الديمقراطية : مطلب النخبة” .

يقول د محمد سبيلا :

( اتخذت الديمقراطية وحقوق الإنسان في العقد الأخير صبغة حل سحري لكل مشكلات العالم وبخاصة في البلدان المتخلفة .في وقت سابق كانت الثورة والتنمية هي الحلول السحرية المبشر بها في العهود السابقة .أما اليوم فالأنتلجنسيا تتباغى كلها بصوت واحد : الديمقراطية ،الديمقراطية .!.

وإذا غضضنا البصر عن الجانب اليوتوبي في هذا المنزع الديمقراطي، وافترضنا أنه العلاج الملموس لأدواء التخلف التاريخي، فإن بإمكاننا أن نتساءل : إلى أي حد يشكل المطلب الديمقراطي وسيلة للنهضة والخروج من زقاق التاريخ؟ وإلى أي  حد يمثل المطلب الديمقراطي “حاجة اجتماعية” فعلية وحقيقية ؟ أليس المطلب الديمقراطي هو مطلب النخبة السياسية أكثر مما هو مطلب جماهيري؟.

في سنة 1980 أجرى د سعد الدين ابراهيم دراسة حول :”اتجاهات الرأي العام نحو مسألة الوحدة ” ، تبين فيه أن الاهتمام بمسألة الديمقراطية والمشاركة السياسية جاء في المرتبة السادسة ضمن هموم الوعي العربي الأخرى،كالخلافات العربية،والصراع العربي الإسرائيلي ، ومشكلات التخلف، والهيمنة الأجنبية ،والمسألة الاجتماعية المتعلقة بالتفاوت الطبقي.فرغم الاهتمام الأقصى الذي توليه النخبة السياسيةوالثقافية التكنوقراطية لمسألة الديمقراطية ،فإن أغلبية الرأي العام العربي لا تشاطر النخبة همها الأول.

في سنة 1990 نشر منتدى الفكر العربي بعمان دراسة حول: “كيف تفكر النخبة العربية في تعليم المستقبل؟”.عالجت أهم التحديات المستقبلية التي تواجه الوطن العربي.وقد جاء ترتيب هذه التحديات كالتالي: التحدي الاقتصادي – التكنولوجي ،التحديات البيئية – الديمغرافية ،المسألة الاجتماعية ،التجزئة العربية ،التهديدات الخارجية ، وأخيرا المسألة الديمقراطية التي لم يذكرها كتحد رئيسي إلا 11% من أفراد العينة المدروسة كماتبين فيها أن معظم من اعتبروا الديمقراطية كتحد رئيسي هم من حاملي الدكتوراة (75%) ،وديبلومات الدراسات  العليا (12.5%) ، أو الدرجة الجامعية الأولى أو ما يعادلها (12.5%). ونتائج هاتين الدراستين كافية لدعم فرضيتنا حول كون المطلب الديمقراطي هو مطلب النخبة أكثر مما هو مطلب الجماهير الواسعة. وتأويلنا لذلك هو أن الجماهير غارقة في همومها الشغلية ، وفي متطلبات حياتها اليومية ،وجاهدة من أجل الكسب، والحصول على شقة أو أرض أو كراء بيت، أو تعليم الأبناء.الخ . فماهو ملموس بالنسبة لهؤلاء الذين يشكلون القاعدة العريضة من الجماهير هو تحسين مستوى العيش.أما ما عدا ذلك ،فهو أقرب إلى الترف والبذخ، ويدخل في باب المطالب المعنوية.

ومن المؤكد أن الجماهير تطرح المسألة السياسية لا في صيغتها المجردة والمؤسسية والتنظيمية والقانونية (الدستور – البرلمان- الديمقراطية – تداول الحكم…).بل في صيغتها الملموسة المتعلقة بسلوك ونزاهة أو عدم نزاهة هذا الحاكم أو ذاك، هذا الوزير أوذاك ،هذا المسؤول أو ذاك. إن التشخيص الديمقراطي للمسألة السياسية يتطلب قدرا من الثقافة العامة،ومن الثقافة السياسية ،ومن القدرة على التجريد لايوفرها المستوى الثقافي الحالي للمواطن العادي .إن انشغال الجماهير بإنتاج قوتها وتدبير أمورها المعيشية من جهة ، وانحدار مستوى ثقافتها السياسية هما العنصران (الاجتماعي والمعرفي )الأولان في عدم تمثل الجماهير الواسعة للمطلب الديمقراطي.أما النخبة السياسية والاقتصادية والتكنوقراطية والثقافية ،فهي أكثر الفئات الاجتماعية ارتباطا بالديمقراطية وتشبتا بالمطلب الديمقراطي.أولا،لارتفاع مستوى إدراكها السياسي ،وإرجاعها مظاهر الخلل في الأداء الاجتماعي إلى مسألة المشروعية والتمثيلية .وثانيا ،لأن الديمقراطية كنظام سيمكنها من الانخراط في الحياة السياسية ،ومن المساهمة في الحياة العامة مع ما يحققه ذلك من إستفادات معنوية ورمزية وفوائد مادية وسلطوية.فالديمقراطية بهذا المعنى مطاب عضوي (إن لم نقل مهني) للنخبة ،لأنها هي المؤهلة لتشكيل المؤسسات الديمقراطية والدخول فيها سواء كانت محلية أو قطرية .فالمؤسسات الديمقراطية هي الفضاء الأرحب للنخبة ،وهي مجال فعلها وتأثيرها وإستفادتها .ولعل هذا السياق هو الذي يزيد في تجميل الديمقراطية في عين النخبة المجتمعية،حيث يفتح أمامها بابا مشروعا لإقتسام السلطة. وهذا ما يجعلها تتغاضى عن عدم توافر الشروط التاريخية لتطبيق الديمقراطية في مثل هذه المجتمعات .فقد علمنا تاريخ المجتمعات المتقدمة أن السيرورة الديمقراطية هي نتاج تطور ونضج كل من المجتمع والفرد ،قوامه الفصل بين السلط الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية ،وأساسه استقلالية الفرد ووعيه بذاته وبحقوقه وواجباته ،وإستناد السلطة السياسية في المجتمع على مشروعية مستمدة من المواطن ذي الحقوق الكاملة، ومبدأ تداول السلطة بين أوسع الفئات ،إلى غير ذلك من الشروط الاجتماعية والفكرية التي هي الشروط التاريخية الموضوعية لإمكان الديمقراطية .ذلك أن عدم توافر هذه الشروط يجعل الديمقراطية نبتة غريبة في محيط غريب عنها،وتجربة تتهدد المجتمع بالتفكك وبالتحلل إلى نعرات إقليمية وإثنية وجهوية في غياب سلطة مركزية قوية وشحوب مؤسسات الدولة الوطنية بكل تقاليدها ومعاييرها أو نواميسها الضابطة . إن الديمقراطية لعبة سياسية عصرية ذات حدين،فهي تكون مطية المجتمع إلى تحقيق التقدم والتطور،إذا ما تحققت ضمن التوازنات المذكورة.كما يمكن أن تكون مزلقا يقود إلى هاوية التفكك والحرب الأهلية.ولعل التوازن بين هذين الميلين يظل من مسؤولية النخبة السياسية التي اختارت الديمقراطية سبيلا لتحديث نظام الحكم.فذلك وحده ما يبرر أن نجعل من الديقراطية عشيقتنا الجديدة وبوراق خلاصنا في هذه العصور الجديدة. ).

♡♡♡ملاحظة :

يمكن للقاريء أن يأخد مسافة مع نص الراحل د محمد سبيلا ويتأمله على ضوء ما حدث ..استحضارا لمرحلة مايسمى “بالربيع العربي” وانعكاساته.. وتداعيات ذلك الحدث الذي امتدت شرارته إلى مناطق مختلفة..وأن يحدد مصير مفهوم الديمقراطية ومآلاته والتطبيقات أو التمارين المختلفة للديمقراطية ، ودور النخب في كثير من البلدان في مجتمعات تتنازعها وتتجاذبها قوى التقليد والحداثة .

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...