خالد البكاري يكتب … الراضي، بيغاسوس وأعداء المغرب..

منذ انطلاق كاسحة الاعتقالات في صفوف الصحافيين والمدونين واليوتوبرز ومناضلي الحركات الاحتجاجية، وسمفونية الخيانة وأعداء الوطن والطابور الخامس يتم تكرار عزفها في منصات مختلفة، وفي تبادل للأدوار متسم بالعشوائية والتناقضات.

ولقد كان واضحا أن الذين اضطلعوا بمهمات التشهير والتخوين، سواء تطوعا أو عرضا للخدمات أو تكليفا، فشلوا في تمرير السرديات الرسمية داخليا وخارجيا. ولا زالوا مستمرين في الفشل ” التواصلي” حتى في الدفاع عن القضايا التي تمس حقيقة السيادة الوطنية.

والدولة للأسف تدفع وستدفع ثمن مراهنتها على جوقة تعزف على لحن واحد، لا تغيره، ولا قدرة لها على الإبداع والحجاج.

إن قوة بلد مثل المغرب غير قوي اقتصاديا ولا طاقيا هو في جبهته الداخلية، وفي ديموقراطيته، وفي تعدديته، وفي احتضانه للذين يقولون الحقيقة ولو كانت مؤلمة ( عبارة وردت في أحد خطب الملك نفسه)، لا الذين يرددون ” آمين” حتى قبل أن يسمعوا الدعاء.

 

قبل أيام تمت إدانة عمر الراضي بست سنوات سجنا، وكان اللافت أن أغلب المواقع لم تكن تنقل وقائع ما يدور أثناء الجلسات المتعلقة بمحاكمة صحفي تم تقديمه للرأي العام على أنه جاسوس. حتى المواقع التي كانت تشهر به قبل اعتقاله، وتقدم ما تعتبره تفاصيل خيانته المزعومة للوطن، لأن ما كان يروج خلالها كاف لأن يقنع أي مواطن لم يشكل قناعته بعد ببراءة عمر الراضي.

 

يكفي أن نذكر أن النيابة العامة لم تعط اسم أي دولة تجسس لصالحها عمر، ولا اسم أي عميل لجهاز مخابرات أجنبية تعامل معه، ولا أي وثيقة أو تسجيل هاتفي أو رسالة تثبت التهم، وحتى شركتي الاستشارات اللتين كان يتعامل معهما عمر أثبت دفاعه أن شركات عمومية مثل المكتب الشريف للفوسفاط تتعامل معها، وأن الهولدينغ الملكي نفسه تعامل معها، وأن دراسة تخص مستقبل تجارة التمور بالمغرب، قام بها الراضي، كانت سببا في استثمار الشركة التي طلبت الدراسة ببلدنا.

المفارقة أن النيابة العامة، وهي جهة الادعاء التي عليها أن تقدم دلائل الإثبات، كانت تطالب عمر ودفاعة بدليل النفي، في صيغة تشبه سؤال فرانس 24 : ما دليل المغرب على عدم استخدامه لبرمجية بيغاسوس؟

 

والأمر نفسه في ملف الاغتصاب، لا شهود، ولا دليل مادي، وشهادة طبية بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الواقعة المدعاة لا تفيد اغتصابا، وخطيب تحول لرجل متزوج من أمريكية، وتناقض في التصريحات، واستبعاد لشاهد نفي وتحويل آخر إلى متهم وإدانته.

 

قصة عمر الراضي تكثف حكاية المغرب الذي بالفعل يتعرض لمؤامرة خبيثة وقذرة.

 

مؤامرة تستهدف وحدته الوطنية عبر وصم جزء من المواطنين في منطقة محددة بالانفصال، وترجع بمسلسل توسيع الهوامش الديموقراطية للوراء، الذي استفاد المغرب سابقا منه، وتقمع بسفور عددا من الأصوات المنتقدة، وبوسائل تشبه ما كان يقوم به حبيب العادلي في مصر، مما يسمح بابتزاز المغرب حقوقيا.

 قصة عمر الراضي تكثف حكاية المغرب 

الذي بالفعل يتعرض لمؤامرة خبيثة وقذرة.

وفي حكاية البيغاسوس، التي كان يكفي أن تنفي الحكومة تورطها فيها، وأن تقول ولو تمويها إنها ستفتح تحقيقا في هذه المزاعم، أبت جوقة التبرير إلا أن تقدم دفوعات لا يقبلها المنطق، من قبيل استهداف المغرب لنجاحاته الاقتصادية والدبلوماسية، مع العلم أن التسريبات لم توجه الاتهامات للمغرب فقط، بل كذلك للإمارات والسعودية والبحرين والطوغو وغانا والمكسيك والهند والمجر وغيرها، وللأسف أساءت بعض “التحليلات” للملك نفسه، حين قرنت بين التسريبات وعيد العرش للدلالة على استهداف المغرب، وهو دفع “صبياني”.

 

لقد انشغلت الصحافة الأمريكية والإنجليزية في حكاية البيغاسوس بالسعودية والإمارات والعراق أكثر من انشغالها بالمغرب، وانشغلت الصحافة الألمانية وكثير من المنابر الأوروبية باحتمال تورط المجر العضو في الاتحاد الأوروبي، وكان طبيعيا أن تنشغل فرنسا بالمغرب باعتبار العلاقة الخاصة بين البلدين، وباعتبار تسريب أرقام هواتف لصحافيين ومسؤولين في الدولة الفرنسية مع توجيه الاتهام للمغرب.

 

وتبعا لذلك فتقديم المغرب وكأنه المستهدف الوحيد من كل هذه الضجة يعني أن المراد ليس مخاطبة الخارج، بل مخاطبة الداخل وإقناعه.

 

هل ثمة قاسم مشترك بين الدول التي تم توجيه اتهامات لها؟

المشترك الوحيد هو أنها إما تترأسها حكومات محسوبة على اليمين القومي المحافظ ( المجر، الهند،،)، أو أنها دخلت في تحالف مع اليمين المحافظ الأمريكي واليمين القومي الإسرائيلي في المدة الأخيرة ( الإمارات، السعودية، البحرين، المغرب،،).

لقد كان واضحا أن السياسة الخارجية للمغرب في آخر ولاية ترامب كانت تراهن على اللوبي المحافظ في كل من أمريكا وإسرائيل، وهو ما يفسر التقارب الذي حصل مع الإمارات خصوصا بعد جفاء عابر بسبب الحياد المغربي الإيجابي في الأزمة الخارجية.

 

هل الاكتفاء بتسريب ما يتعلق بالحكومات المحسوبة على اليمين المحافظ، أو المتحالفة معه، أو المراهنة عليه، يعني أن العملية أكبر من تحقيقات صحفية؟

 

هي مجرد فرضية فقط، الأكيد أن الأيام المقبلة ستبدي كثيرا من الغموض.

 

والأكيد أكثر أن المغرب يخسر دبلوماسيا من استمرار مراهنته على اللوبي اليميني المحافظ في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. خصوصا بعد سقوطه انتخابيا في الدولتين، واتجاه الإدارة الأمريكية الجديدة إلى مسح آثار كل الغبار الذي خلفه، وإعادة ترتيب السياسة الخارجية وفق مفردات مغايرة.

يتبع..


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...