مصطفى الحسناوي يكتب عن : ” فوكو وحياة السفلة”

ملفات تادلة 24 – مصطفى الحسناوي

يتعلق الأمر بحيوات موجزة،حياة السفلة والأنذال، أي الناس المتموقعين في أسفل الهرم الاجتماعي،كما تحدث عنها فوكو في مقاله ” حياة السفلة” الذي كتبه كمقدمة لكتاب لم يكتبه أراده ان يكون أنطلوجيا للوجودات، لحيوات تنكتب في بضعة أسطر، تنلم في حفنة كلمات ولمغامرات هامشية تربو عن العد، حيوات اطلع فوكو على شذرات نصية منها في المكتبة الوطنية في سجل الاعتقال الذي حرر بداية من القرن الثامن عشر.

إنها حيوات موجودة عثر عليها بالصدفة في ثنايا وثائق الأرشيف، نماذج لحيوات غير نموذجية لاتستمد منها العبر ولا تدعو للتأمل، مثل حياة ماتوران ميلان الذي وضع في مستشفى شارنتون بتاريخ 31 غشت 1707، لأن جنونه تمثل في الاختفاء عن عائلته وعيش حياة غامضة في البادية، أو جان أنطون توزار الذي اعتقل في قصر بيستر بتاريخ 21 أبريل 1701، لأنه اتهم بالمروق عن الدين وزرع الفتنة وقدرته على ارتكاب أكبر الجرائم بالاضافة إلى ممارسة اللواط وإلحاده، وتصفه وثائق الأرشيف بأنه وحش حقيقي قد لايكون هناك ضير إذا ما تم خنقه بدل تركه حرا طليقا.يعتبر فوكو نصوص الأرشيف هذه بمثابة “قصص قصيرة”تنبجس خلل قرنين ونصف من الصمت، تلخص حياة السفلة في بضع كلمات، وجمل مسكونة بجمالية الأسلوب الكلاسيكي، عبرها تسلط السلطة أضواء قرارتها وأنظمتها العقابية وعنفها على شخصيات بئيسة دون شك، يمتزج في وجودها الإسراف السلوكي بالعناد الغامض بنوع من الصلف،كل هذا يظل ثاويا أسفل الكلمات الملساء مثل أحجار ،كل هذا الانحراف والعنف.يقرر فوكو بأن نصوص الأرشيف هذه قد حركت في جوارحه، ذلك النزوع الجواني نحو ما يسمى عادة الأدب.

إنها نصوص تتسم بتقشفها،يتساءل فوكو عن سر وجودها، والى أي مؤسسات تنتمي وعلى أي ممارسات سياسية تحيل ،في محاولة لمعرفة لماذا كان تسليط السلطة لأضواء مراقبتها وعقابها ومعها المجتمع كله ضروريا، حتى تقوم بخنق هذه الحيوات الإسرافية والهشة في آن،تماما كما تخنق صرخة،تخنق نار لتطفئ أو حيوان.تتصدى هذه النصوص مثلا لقس داعر أو لمرابي مدهش وغريب الأطوار،لكن فوكو يروم معرفة السبب الذي جعل المجتمع والسلطة معا، يحولان بالكثير من الحماس المفرط بين هؤلاء الناس، من ضعاف العقول وبين التجول في الطرقات المجهولة.عاش فوكو توترا بين الرغبة في تحليل هذه النصوص وإخضاعها لنظام العقل من جهة، و تقديمها من جهة أخرى للقارئ كما هي،كمادة خام ما دام خطابه عاجز عن منحها الأبعاد التي تليق بها، فالأحسن تركها على شكلها الأول كما قرأها، وكما أثرت فيه وأنتجت لديه هذه الهزات الوجودية هزات النصوص البكر.أراد فوكو استعادة هذه الوجودات الموجزة الشبيهة ببروق،أو بقصائد حيوات كانت شخصيا موجودة بالفعل،وعاشت حيوات غامضة وبئيسة تكفي بضع جمل لتحكي وقائعها.

هي ليست فقط نوادر حيوية غريبة ومثيرة للشفقة، بل جزء فعلي من التاريخ المتقشف لهذه الوجودات، لشقائها،لغضبها ولجنونها.إنها نصوص مرتبطة بدراماتورجيا الواقع.إنها ليست أنطلوجيا نصوص أدبية،بل حيوات واقعية انلعبت في حيز جمل قصيرة وصارت موضوعا لسلطة عقابية.لقد جازفت هذه الوجودات فعليا بمصيرها داخل هذه الكلمات وضاعت داخلها.أضاءتها السلطة فجأة، انتزعتها من ليل مصائرها، راقبتها السلطة، لاحقتها اهتمت ولو للحظات بشكاياتها،بصخبها ثم أنشبت مخالبها في لحمها البئيس.

إنها حكايات أشخاص غامضين انطلاقا من خطابات تبادلوها مع السلطة ، من داخل الشقاء أو الغضب.إنها حكايات سوداء ظلت سادرة في ثنايا الأرشيف كجثت حيوات مغتالة، حيوات أشخاص بلا مجد، كان من سوء حظهم أن صاروا عرضة لمساقط ضوء السلطة التي محت تواضع وجودهم وغفليتهم.تعود هذه الوثائق إلى فترة زمنية تغطي بضع سنوات (1660-1760)، كائنة في أرشيفات الحبس والبوليس، وقرارات الملك وظهائر السلطة .يمكن طبعا لحياة السفلة هذه أن تمتد خارج هذا الإطار الزمني لتشمل كل الأزمنة والأمكنة .فوكو يقول بأنه اختارها نظرا للألفة التي تخلقت لديه مع الأرشيف.الكل يشتكي لجلالة الملك،الزوج من زوجته الشريرة،الزوجة من زوجها السكير والمبذر، الذي تخلى عن أبنائه…الخ،كل هذا يكتب من طرف السفلة عبر أسلوب بلاغي يتسم بالجزالة والفخامة، التي تؤطر تلك الأشياء الصغيرة التي سرعان ما تصوغ السلطة ردود أفعال عنها أكبر منها بكثير.

إنها ظهائر حبس تشير كالعادة للسلطة الاستبدادية لملك مطلق الصلاحية.تحيط سلسلة سياسية متشابكة بنسيج الحياة اليومية،تتدخل السلطة السياسية بلاحدود في العلاقات اليومية،ولاتصير،تبعا لذلك،مقبولة ومألوفة،بل مرغوبة عمقيا لتلعب دورها الأساس في تعميم الخوف.مع انبجاس إمكانية الخطابات، تنبجس أيضا تلك السلطة الحيوية التي تنتج معرفة بالحياة اليومية،وبحيوات السفلة من عامة الناس، تراقبها ويتم اللجوء إليها درءا لأشكال الفوضى.هكذا تلج الحياة اليومية فضاء السياسة، عبر مايسمى الوقائع العادية،شؤون الناس غضبهم جنونهم انحرافهم،حيوات تنبجس كالبرق الخلب وتسحقها السلطة سحقا،لتندثر سواء كأشياء أو ككائنات اجتماعية.إبان منعطف القرنين السابع والثامن عشر ترابطت وتعالقت الخطابات والحياة والسلطة في ما بينها وفق نمط جديد وجد الأدب نفسه منخرطا فيه أيضا .

هكذا صارت الحياة موضوع الحكاية ومادتها،الحياة اليومية التي صارت مقولة ومكتوبة .لا يلخص الأدب لوحده هذه السياسة الكبرى،هذه الإطيقا الخطابية الكبرى، ولا ينخرط فيها كلية،لكنه يملك داخلها موقعه وشروط وجوده.هكذا يحرر هذا النوع من النصوص الأدب من أدبيته الخالصة والرواية من روائيتها،ليلفي الأدب نفسه مجبرا على البحث عن اليومي أسفل الخطابات ،أي عن طاقة الخرق والتمرد التي تشكل حدا له.

يجب ألاننسى بأن هذه الوضعية المتميزة للأدب، ليست سوى أثر لجهاز معين للسلطة، يخترق اقتصاد الخطابات واستراتيجيات الصحيح.هذه النصوص المستمدة من أرشيف الحبس وتقارير البوليس ليست تقريبا أدبا ولا أدبا سفليا،ولا إرهاصات لظهور جنس الجديد، إنها داخل الفوضى التي تأويها،الصخب و المعاناة ،إنها اشتغال السلطة على الحياة والخطاب الذي يتخلق من ذلك .بهذا المعنى تصير قصصا قصيرة حيوية.

*ملحوظة* : مقال(حياة السفلة)لفوكو منشور ضمن كتاب (أقوال وكتابات) الجزء الثاني ،سلسلة كواترو، منشورات غاليمار 2001، من الصفحة 237 إلى الصفحة 253.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...