محمد رويشة … عندليب الأطلس المفقود

  أيوب الطاهري

هو النابغ في عزف ” اللْوْطَارْ ” ، والخارج به من هامش عاصمة المحاربين الزيانية إلى أفق العالمية . هو المسروق غيابا في غفلة ذات ثلاثاء أسود بشكل مفاجئ ، ذلك اليوم الذي توقف فيه فؤاد ” خنيفرة ” الأبي عن النغم و العزف و البوح . ولم يكن لمحبيه عزاء يواسي فقدانهم في أنامل رصينة جعلت من ” اللْوْطَارْ ” امتدادا جديدا في فن العيطة المغربي ، وبخصوصيات فنية زيانية ضاربة في أعماق التاريخ و الحضارة والثقافة ، وحنجرة حكيمة مزجت بين الأمازيغية والدارجة المغربية بلحن عذب جذاب .
هو سلطان الحب والشجن كما وصفوه ، هو أنيس الوالهين عذابا ، هو خليل  مجالس البدو ليلا ونهارا ، هو صديق الرعاة و الحرفيين ، هو شادي السائقين مؤنس طريقهم ، هو رفيق الفاقدين للأم التي لا تعوض ، هو البار لوالدته ومدينته ، هو عراب الأغنية الأطلسية ، هو محمد رويشة.
ولد سنة 1950 بمدينة ” مريرت ” وحيدا عند أمه ، وعاين كفاحها المرير في سبيل لقمة عيشه في ظروف مأساوية . فكان أن جعلها رمزا في وجوده تجلى ذلك في عدد من أغانيه ، وكان له أن نُفذت وصيته بدفنه جوار قبرها بمدينة خنيفرة التي احتضنته . محمد رويشة الذي عانى من معاناة الأم ولم يُشفَ من غليل ذلك رغم عوادي الدهر عليه و وفاتها وتغير الأحوال ، بل ظل وفيا لأمه في جل أغانيه مرددا صداها طالبا العفو منها . حتى إن من أغانيه الأولى كانت خالصة في مدح الأم وطلب السماح منها :
” اسْمْحِلِي المِّيمَه
اسْمْحِلِي المِّيمَه
نَاخُذْ بِإِيدِيكْ نْفْدِي رُوحِي بْلِي يْرْضِيكْ
الوَالِدَه الحْنِينَه صُورْتْكْ بِينْ عِينِيَا
المِّيمَه نْبْكِي عْلِيكْ بْدَمْعْ الجَارِي
سْهَرْتِي عْلِيَا وْقَرِيتِينِي سْوَارِي
وْلِي بْغِيتُو حَقْقْتِيهْ
وْكْتَمْتِ اسْرَاِري
وْلِيتْشَهِيتُو جْبْتِيهْ
وْإِلاَ مْرَضْتْ تْوَاسِينِي “
وحتى وإن كان رويشة في غدو المسؤولية والقدرة الذاتية على عواديه ، فإنه لم يتردد في المناداة على أمه وطلب النجدة إليها :
” قُولُوا لْمِيمْتِي تْجِينِي
قُولُوا لْحْبِيبْتي تْجِينِي
وْطُلْ عْلَى حالْتي كِي وْلاَتْ
إلاَ تْأَخَرْتُو عْلِيَا إلاَ تْأَخَرْتُو عْلِيَا
قْلِيبِي مَا يْبْغِي صْبَرْ وْعْلاَشْ “
محمد رويشة الذي لم يبحث عن الشهرة والنجومية بقدر ما بحث عن نحت نموذج موسيقي يجعل من عضوه الجسمي ” اللْوْطَارْ ” آلة مركزية في الإبداع و التجديد الموسيقي المغربي الأمازيغي . إبداعيته التي تعدت نمط الأغنية الأمازيغية المعهود إلى التجديد و الابتكار ، الأمر الذي جعل الروائي المغربي إسماعيل غزالي يعتبره منعطفا تاريخيا وفنيا جديدا في الأغنية الأمازيغية ، مخترعا شكلا غريبا لم ينتبه إليه المهتمون ونقاد الفن الغنائي الشعبي . إذ إن رويشة يتميز بخصوصية فنية وإن كانت ممتدة لفن العيطة فإنها أحدثت قطيعة معها من خلال النظر إلى صوغ القصيدة الحرة وأسلوب اللحن وطريقة الأداء ، والجمع بين الموسيقى المشرقية والمغربية في بوتقة بوجدان وإبداع خاصين قِوام ذلك آلة ” اللْوْطَارْ ” الأطلسية ، إذ هكذا ينظر إلى إبداع رويشة الباذخ عطاء والوارف جمالا .
محمد رويشة الإنسان الذي لم يسلم من هموم الدنيا و نوائب الحياة ، بيد أنه وجد في سلاحه الفتاك ” اللْوْطَارْ ” أداة يقتل بها همومه وأشجانه ، و متنفسا يشتكي من خلالها حاله وحال محيطه :
” شْحَالْ مْنْ لِيلَه وْلِيلَه أنا ضَحِيتْ
شْحَالْ مْنْ حِيلَه وْعْذَابْ أنا قَاسِيتْ
صْبَرْتْ وْفِي لْجْرَاحْ شْحَالْ دَاوِيتْ
                                                *******
كُلْ سَاعَه وْكُلْ حِينْ
 كُلْ سَاعَه وْكُلْ يُومْ
ضَاعْ زْمَانِي
 ضَاعْ شْبَابِي
مْقَاسِي لْهْمُومْ “
وحين يكون الحديث عن أغاني الحب والتغزل عند محمد رويشة ، فإن ذلك يستدعي التأمل و التمعن ، لأن المغني ليس مراهقا أو شابا مبتدئا أو مجرد صانع لكلمات غير واع بمقاصدها وتأثيرها ، خاصة وأن جمهور رويشة الكثير يتسم بالرشد والنضج ، وإنما هي من مبدع متشبع بقيم المدرسة الغيوانية ، وواع بالوجود ومدرك لأحواله الإنسانية والاجتماعية . حتى إن الروائي إسماعيل غزالي ، صديق رويشة ، ذهب إلى اعتباره وليا من أولياء الله الصالحين لبعده الصوفي ورمزيته وحضوره الإنساني وتعاطفه الاجتماعي . لذلك فأغاني الحب والتغزل عنده تتسم بقيم حكيمة توحي على الصبر والمودة و الاحترام وعدم الافتراق مهما كانت الظروف تجنبا لإيذاء المشاعر ، ولكأنه ينوب في كلماته عن كل محروم وعاشق لم يستطع الاجتماع بمن يحب  :
” آه يَا لْحْبِيبْ رَا لْفْرَاقْ صْعِيبْ
آه يَا لْحْبِيبْ رَا لْفْرَاقْ صْعِيبْ
يَاكْ حْرَامْ عْلِيكْ يَاكْ حْرَامْ عْلِيكْ
أَنَا كَنْبْغِيكْ
فِيدُونِي يَا نَاسْ أَرَا لْفْرَاقْ صْعِيبْ
أَنَا عْمَلْتْ نِّيَه وْهُوَ غْدَرْ بِيَا
فِيدُونِي يَا نَاسْ
أَرَا لْغْرَامْ صْعِيبْ
فِيدُونِي يَا نَاسْ
أَرَا لْفْرَاقْ صْعِيبْ “
هكذا يغدو محمد رويشة واحدا من صناع المجد والنجاح في تطوير وتحديث فن الغناء الشعبي المغربي ، وفق خصوصيات فنية وإبداعية جعلت منه نموذجا ساطعا وسط زخمة من الأغاني الشرقية والعصرية، وظاهرة غنائية أطلسية في مستوى الظاهرة الغيوانية . تتميز بالتنوع اللساني بين الأمازيغية و الدارجة المغربية وهاجس التجديد والابتكار .

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...