منتزه عين تامدة.. لؤلؤة الأطلس بحاجة إلى تثمين

 – إعداد: أيوب اللوزي * – 

يتمايل سعيد على إيقاع نغمات الموسيقى الأمازيغية وهو يحمل فرشاة الطلاء لتزين جدران المقهى الخشبية باللون الأزرق والأبيض، إلى جانب المقهى أكشاك في طور البناء وأخرى في مرحلة التجديد، استعدادا لاستقبال فصل الصيف وزواره. لقد بدأت عميلة ترميم مقاهي عين تامدة، عملية متواصلة على قدم وساق لإصلاح ما أفسده زمن كورونا وفترة الحجر الصحي.

عين تامدة لؤلؤة الأطلس المتوسط

تقع عين تامدة وسط لوحة من الجمال الطبيعي بجماعة زاوية الشيخ إقليم بني ملال، على الواجهة الغربية من جبال الأطلس المتوسط عند سفح جبل حوض أم الربيع وسط الهضاب، والجبال، والسواقي والعيون التي تخترق المجال.

يتميز المنتزه بشلالات تنعش الطبيعة الخلابة، كما يضم الفضاء عدة حدائق منتشرة على جنبات المنتزه، المزين بأشجار الزيتون والصنوبر وغيرها من النباتات، بالإضافة إلى نواعير المياه التي تضفي على المنتزه سحرا خاصا يأسر الناظرين، فعين تامدة تعتبر نموذجا للسياحة الجبلية، والباحثين عن سحر الطبيعة للترويح عن النفس والترفيه.

كما يعد المنتزه محطة استراحة العابرين بين مدينة بني ملال وفاس ومراكش، حال مراد الذي اختار عين تامدة كمحطة استراحة قبل بلوغ مراكش. وعبر مراد عن إعجابه قائلا “المكان ساحر، والطبيعة خلابة، فالمنتزه بكل المقاييس تحفة طبيعية تستحق الزيارة”.

يوم زيارتنا لعين تامدة سجل المحرار أربعين درجة مئوية، الأطفال والشباب لم يبرحوا الشلال الأكبر لعين تامدة طيلة اليوم فالأجوارء خانقة خارجه، ومن لم يجد في نفسه ميلا للسباحة استظل بأشجار الزيتون والصنوبر.

قابلنا سعيد أحد الساكنة الذي جلس تحت ظل إحدى أشجار الصنوبر بقرب الشلال، وهو معتاد على اللجوء لهذا المكان، “عين تامدة المتنفس الوحيد في المنطقة لكسر الروتين،  فلا تطيب الأوقات إلا بزيارتها” يقول سعيد.

العشوائية تحاصر الجمال:

رغم ما يتميز به منتزه عين تامدة فإن الإشكالات التي يواجهها الزوار قد تدفعهم إلى الانقطاع عنها، وبشكل خاص الزوار القادمون من خارج المدينة، فالمنتزه لا يتوفر على مرافق صحية ولا موقف للسيارات، فضلا عن مشكل النظافة والتهيئة.

مشاكل عدة طرحها عبد الله رزقي، الأمين العام لجمعية أرباب المقاهي بزاوية الشيخ، معبرا عن قلقه اتجاه الحالة العشوائية التي أصبح عليها المنتزه، حيث أورد “ضعف الإنارة  ليلا وانعدام المرافق الصحية، وإعادة تجديد عقد العداد الكهربائي كل ثلاثة أشهر بقيمة 1500 درهم، كل هذا قد يكون سببا في خراب المكان”.

وأكد رزقي، في تصريح لملفات تادلة، أن الإصلاحات القائمة بمقاهي المنتزه ومحيطها مجرد مجهودات شخصية، ومبادرة من أرباب المقاهي أنفسهم. وفي هذا الصدد دعا المتحدث إلى رد الاعتبار للمنتزه، ضمن رؤية تراعي خصوصيات ثرواته الطبيعية.

على جنبات المنتزه يمكن مشاهدة قنينات البلاستيك والزجاج المرمية هناك، بالإضافة إلى أكياس البلاستيك المتناثرة في كل مكان خاصة بالجهة الشمالية للمنتزه، فيما تتجمع مياه راكدة، أصبحت ملاذا للضفادع وبعض الحشرات كالبعوض، في مجاري أسفل المنتزه وبعضا من النواعير لذلك تفوح منها روائح كريهة.

أخذتنا هذه الصورة إلى طرح السؤال على مصطفى كمال أحد رجال النظافة التابعين للجماعة، حيث أكد للجريدة “أن عمال النظافة في صباح كل يوم وعلى طول الأسبوع مكلفون بنظافة المنتزه وجمع القمامة، إلا أن غياب الوعي هو السبب في انتشارها”.

ويعتبر يوسف، اسم مستعار، موظف في جماعة زاوية الشيخ أن “الجماعة تواجه العشوائية بالعشوائية” عبارة حملت بين طياتها الكثير، فعملية تجديد وترميم المنتزه مخطط أعلنت الجماعة عن انطلاقه منذ سنة 2010 أي قبل عشر سنوات من اليوم تزامنا مع افتتاح المنتزه، بهدف إحداث فنادق وموقف للسيارات وبعض المرافق المهمة، لذا تبقى آمال الساكنة معلقة بالمجلس البلدي لزاوية الشيخ للرفع من خدمات المنتزه في وجه الزوار.

ووجه يوسف في حديثه لملفات تادلة انتقادات حادة لمنهجية التسيير في المدينة “الجزء الشمالي يدخل ضمن مشروع تهيئة المنتزه… لكن الفساد المالي والعشوائية هما العنوان الأبرز لتسيير الجماعات، فما تعانيه عين تامدة راجع لبعدها عن مركز القرار، فزاوية الشيخ طبوغرافيا  تشبه إفران لكنها تعاني التهميش”.

أشكناف ’’شاورما بلدية‘‘ لا تجدها إلاّ بعين تامدة   

رغم كل الاكراهات إلا أن منتزه عين تامدة يستهوي عشاق الخضرة والماء، فجمالية الفضاء، وتردد الزوار من مختلف جهات المملكة، شجع العديد من شباب المنطقة على إنشاء مقاه ومطاعم للهروب من البطالة وتلبية رغبات الزوار، من خلال تقديم أطعمة مزجت بين الثقافة العربية والأمازيغية، كطاجين لحم الماعز والغنم وغيرها من الوجبات التقليدية لكن أشهرها أكلة أشكناف “الشوارمة البلدية”.

نبيل جهيل شاب في السابعة والعشرين من عمره صاحب مقهى بالمنتزه، خبير في إعداد أشكناف الأكلة الأمازيغية الأكثر شهرة بالمنطقة، يصف لنا مكوناتها ومراحل طهيها، وتتكون من أحشاء الخرفان والكبد والشحم يقوم بلفها على عصى طويلة لتتخذ شكلها الأسطواني، وتشوى على نار هادئة، وحين تجهز يقطعها على شكل دوائر، ويقدمها للزوار مع البصل والبهارات المحلية الصنع والخبز البلدي.

وتعد أشكناف إحدى أنواع الشواء التقليدية، حيث انتقلت من أكلة للمناسبات الخاصة كالأعراس وغيرها، إلى أكثر وجبات الشارع طلبا بعين تامدة وأشهرها،  فمن الزوار من يأخذ صورا تذكارية، ومنهم من يسأل نبيل عن السر وراء لذتها الفريدة، فيما يظهر على ملامح البعض الآخر الإعجاب والاستغراب بعد تذوق أولى اللقمات. ويبقى للزائر الخيار، بين أن يتناول أشكناف بالمقهى، أو الانفراد بها بين ظلال الأشجار وسط الطبيعة الخلابة.

قابلنا أحد الزوار وهو يتناول أشنكاف كوجبة غذاء بقرب إحدى نواعير المنتزه يعبر عن إعجابه قائلا “لأشنكاف طعم فريد ليس له مثيل، خاصة ونحن أمام هذا المنظر المنقطع النظير، أنصح كل من زار عين تامدة أن يتناول أشكناف، فإنها ستضفي على زيارته طعم خاص”.

 * صحافي متدرب


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...