سليمان ودفاعه وأمريكا

إن قضية سليمان الريسوني من القضايا التي اكتنفتها الكثير من الظلال التي لا تساعد على الفهم، والتي تبعد المتتبع عن جوهر الموضوع الذي هو: استقلالية القضاء والانتقائية التي تتعامل بها النيابة العامة، وهي الجهة التي من المفروض أن تكون محايدة سواء في النزاعات بين الأشخاص الذاتيين، أو في النزاعات التي تكون مؤسسات الدولة طرفا فيها، فهي تنوب عن المجتمع وليس عن مؤسسات الدولة.

 

لكن للأسف يتم الابتعاد عن جوهر الموضوع، ومحاولة إشغال الرأي العام بأسئلة تثير الفضول، ولكن لا تساعد على ضمان الحقوق والحريات لجميع أطراف الدعوى، بقدر ما تبتذل الموضوع، وتختصره في تتبع الميولات الجنسية للأفراد، أو في محاولة صنع روايات محددة، مما لا يمكن التثبت منها.

 

لا أحد منصفا يمكن أن يجادل في حق أي كان في رفع شكوى بأي كان، أو أن يجادل في مبادئ أساسية من قبيل قرينة البراءة، وحياد القضاء واستقلاليته، وتمتيع المتهم بالحق في محاكمة عادلة.

 

في محاكمة الريسوني، أخلف القضاء موعدا لتصحيح تلك الصورة النمطية التي عند الرأي العام، والتي يترجمها عبر عبارات: التعليمات، الفساد، التيليفون، باك صاحبي، لي ماعندو سيدو عندو لالاه، الرشوة،،  والتي تجعل المواطنين غير مطمئنين لنزاهة القضاء في القضايا المدنية، فما بالك في قضايا تصدر فيها مؤسسات المجلس الأعلى للسلطة القضائية والنيابة العامة وإدارة السجون، وجمعيات للقضاة، ووزراء بلاغات أو تصريحات لإدانة المتهم.

 

محاكمة تم تغييب المتهم عن حضور جلساتها، وادعت النيابة العامة وإدارة السجون أنه من يرفض الحضور، في حين تقول عائلته ودفاعه عكس ذلك، مما يطرح استفهاما بسيطا: لماذا لم تلتجئ المحكمة لتطبيق إجراء الإحضار بالقوة لو كانت مزاعم النيابة والعامة وإدارة السجون ذات مصداقية؟ فقد رفضت النيابة العامة والمحكمة تمتيع سليمان بحقه في المتابعة في حالة سراح، وهو يتوفر على كافة ضمانات الحضور، مما يجعل مسؤولية إحضاره تقع تحت مسؤوليتهما لضمان حقوق جميع أطراف الدعوى، مما يعضد الدفوعات القائلة بتعمد تغييبه.

 

لم يقف الأمر عند حدود تغييب المتهم، بل إن المحكمة التي قبلت بالاستماع للمصرح (أ.م) والذي يعرف أي متتبع للملف أن تصريحاته لن تكون مفيدة، ولن تضيف ما يساهم في تبين الوقائع، في حين لم تستمع للمصرح الثاني في الملف، وهي زوجة الريسوني التي حضر إسمها كثيرا سواء في تصريحات وإفادات الريسوني أو المشتكي.

 

لكن الغريب أن تخرج أقوال تعزف على اللحن نفسه بعد صدور الحكم القاسي، تحمل المسؤولية لدفاع الريسوني في مأساته، وهو قول يدين القضاء لا دفاعه، لأنهم من حيث لا يدرون يقدمون هيئة الحكم أو الدولة وكأن من يسيرهما هم أشخاص مزاجيون يصدرون قرارات بناء على نوعية من يقف إلى جانب المتهم أو المدعي، ولا يتحكم في قراراتهما القانون والمصلحة العامة وحقوق الأطراف.

 

لا أعرف ماذا يقصدون بفريق الدفاع عن سليمان؟

إذا كانوا يقصدون المحامين، فقد قدموا طلبات بشأن رفع الاعتقال الاحتياطي لأزيد من عشر مرات، وناشدوا سليمان وقف إضرابه عن الطعام، لكن لا يمكنهم الاستمرار في مسرحية ذبح العدالة، وهم يرون إصرار النيابة العامة والمحكمة على عدم إحضار المتهم، بعد ان تم رفض كل دفوعاتهم الشكلية التي لم يقبل منها أي واحد منها، بما فيها استدعاء الشاهد الوحيد ( الخادمة)، فماذا كانوا ينتظرون من الدفاع؟

 

أما إذا كان القصد هو الأفراد واللجان التي كانت متضامنة مع الرجل، فأعتقد أن الذين يحملون لجان التضامن المسؤولية يصطادون في الماء العكر، لأن هذه اللجان كانت مشكلة من أفراد بقناعات إيديولوجية وسياسية متباينة، ويكفي العودة لما كانوا يدونونه أو يصرحون به لاكتشاف اختلافهم حتى في زاوية النظر للقضية، لكن جوقة التحريض كانت مصرة لسبب غير مفهوم على اختزال هؤلاء المتضامنين في أسماء محددة يمكن أن تكون على خصومة مع جهة ما في السلطة.

 

وأخيرا لنتوقف قليلا عند تصريح المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، والذي عوض أن يفتح نقاشا حقيقيا حول مواضيع حقيقية، تم تهريب النقاش مرة أخرى نحو مناطق الظل، بالحديث عن المس بالسيادة الوطنية، في حين أن الخارجية الأمريكية تصدر تقريرا سنويا حول حالة حقوق الإنسان بمناطق عديدة من العالم، ومنها المغرب، وقد كان تقريرها الأخير محل إشادة ممن خرجوا اليوم لإدانة ما سموه التدخل في الشأن الداخلي، مع العلم أن إشادتهم بالتقرير الأخير كان يكتنفها الكثير من التضليل، لأنهم توقفوا عند تضمين ما يقع بالصحراء ضمن الخانة المخصصة للمغرب، مما يعتبر تأكيدا للقرار الرئاسي الاعتراف بمغربية الصحراء، والحقيقة أن الأمر ليس جديدا في تقارير الخارجية المرتبطة بحالة حقوق الإنسان في المغرب.

ليس تقرير الخارجية السنوي بخصوص حقوق الإنسان هو الوحيد الذي يتضمن ما اعتبروه اليوم تدخلا في الشأن الداخلي، بل إن جل الاتفاقيات الموقعة مع الولايات المتحدة بما فيها المساعدات المرتبطة ببرنامج الألفية الثالثة مشروطة باحترام حقوق الإنسان، كما أن الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة والمغرب وإسرائيل واضح في رهن الاعتراف بمغربية الصحراء بالتقدم في “قوننة” التطبيع مع إسرائيل. هذا دون أن ننسى اعتراف المغرب مثلا بحكومة غوايدو في فينزويلا مما يعد تدخلا في الشأن الداخلي وفق الفهم السالف للتدخل، مع العلم أن قبول المغرب لآلية الاستعراض الدوري أمام محلس جنيف لحقوق الإنسان يعني ضمنيا إقراره أن قضايا الانتهاكات الحقوقية ليست من مشمولات السيادة في المرجعية الأممية والكونية لحقوق الإنسان.

كتبت وما زلت أردد الموقف نفسه، أني لست سعيدا بتصريح الناطق الرسمي باسم الخارجية الأمريكية، لاقتناعي بأنه كان من الممكن تفادي كل هذا لو تم إعمال المنطق والحكمة وتغليب المصلحة الوطنية على ما كل ما يمكن تطويقه ومنعه من أن يكبر مثل كرة ثلج.

ما كان يجب أن يكون محط نقاش بعد تصريح نيد برايس هو أمران: الوضع الحقوقي في البلد، وحقيقة “عبقرية” السياسة الخارجية.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...