حوار مع خالد طحطاح حول كتاب “التاريخ و المؤرخون في المغرب المعاصر” للجابري

أجرى الحوار: بوكروم سلمان*

-دكتور خالد طحطاح نشكرك على هذه النافذة الحوارية التي نسعى من خلالها إلى تعريف جمهور القراء و المتتبعين على كتاب الجابري ” التاريخ و المؤرخون في المغرب المعاصر” الذي عملتم على إخراجه مؤخرا مع تضمينه لتقديم و دراسة من إنجازكم.

الشكر لكم في جريدة ملفات تادلة، على هذه الاستضافة وعلى الاهتمام بقضايا الفكر والثقافة وتتبع جديد الإصدارات الوطنية.

-دكتور خالد لماذا الاهتمام بالجابري، هل يتعلق الأمر بدوافع ذاتية أم موضوعية ؟

 الفقيد محمد عابد الجابري مفكر وفيلسوف مغربي حاز مكانة كبيرة في العالم العربي، وهو من الرموز الوطنية التي نعتز بها وبإسهاماتها، ومن الطبيعي أن يكون مثار اهتمام الجميع خاصة إذا تعلق الأمر ببحث أنجزه في مجال تقييم الدراسات التاريخية وظل حبيس الرفوف. كان الجابري صاحب مشروع كبير في نقد التراث وقد تعرفت عليه من خلال أعماله، وقد أثار انتباهي الطريقة التي عالج بها موضوع العصبية والدولة في أطروحته، إذ هو الأقرب لتخصصي، فقد امتلك وعيا تاريخيا عميقا، وتبدو أطروحته تاريخية المضمون، فقد حرر فكر ابن خلدون من طروحات خاطئة ومن الطريقة التي ظلت تقرأ بها طوال عقود، وإن كان الجابري ينتمي للجيل الأول من الفلاسفة والمفكرين المغاربة، فإني لم أدركه أستاذا في الجامعة، ولحظة لقائي الوحيدة التي أتذكرها تمثلت في حضوري مداخلته في ندوة عقدت بالدار البيضاء، وإن لم تَخُنِّ الذاكرة فقد كانت سنة 1994 عن موضوع المجتمع المدني، وكنت حينها لم أحصل على شهادة الإجازة بعد. وفي سنة 2009 تجدد اللقاء معه بالصدفة من خلال وقوفي على رسالته الجامعية عن التاريخ والمؤرخون في المغرب والمعاصر وأنا حديث التسجيل آنذاك بسلك الدكتوراه، واستغربت غياب الإحالة عليها في الدراسات والأبحاث، وخمنت أن لذلك علاقة بعدم وقوف الباحثين على مضامينها، ولهذا عزمت على نشرها في اللحظة التي ارتأيت أنها مناسبة، وكان هذا العمل المتواضع.

– الكتاب في أصله هو رسالة الدراسات العليا تقدم بها الجابري في كلية الآداب محمد الخامس بالرباط سنة 1967 تحت إشراف الدكتور محمد عزيز الحبابي. فلماذا في نظركم لم ينشر الجابري هذا العمل في حياته؟

 الكثير من رسائل الدراسات العليا التي أنجزت في المغرب خلال مرحلة الستينيات والسبعينيات لم تنشر، ولا تزال عدد من الرسائل التي تعود لتلك الفترة غير منشورة بالرغم من أهميتها، وقد كان هذا الأمر هو السائد عكس ما يحصل اليوم، حيث الجميع يسعى بشتى الطرق للنشر، وبالنسبة لهذا البحث تحديدا، ولاهتمامي بالتاريخ أعتبره مهما جدا في حقل الاسطوغرافيا، فمهمة المؤرخ تتبع أي أثر أو إنتاج مجهول لفيلسوف أو مفكر، هذا من جهة، فهو بالنسبة لي اكتشاف وهذه مهمتي كباحث ومتخصص، وأرى أنه من واجبي توفير هذا العمل الاستثنائي في باب التقييم والحصائل في سياقه للطلاب والمهتمين.  لا شك أن استعادة هذا العمل الأول للفقيد الجابري وإحيائه مجددا يَجِدُ ضرورته في اعتباره جزءا من ذاكرته الفكرية، وهو في الوقت ذاته استعادة لركن من هيكل البناء ككل، واستكتشاف للجابري في جُبَّةِ المؤرخ الناقد لأعمال مُعاصريه. كما يتيح في ذات الوقت فرصة التعرف على ما كتبه في بداية مساره الأكاديمي أسلوبا ومنهجا ونقدا، بيد أن نشر هذا العمل احتاج لمدخل تقديمي يضعه في سياقه العام، فقد مرت عليه أكثر من خمسة عقود. أما سؤالكم عن عدم نشر الجابري لعمله قيد حياته فهذا أمر آخر يجعلنا بالضرورة في وضعية مؤولين وشارحين، وأمام بعض ردود الأفعال التي لها رأي مخالف ولرفع بعض من الالتباس، نقول إن الجابري بعد تجربته الأولى في المسار الأكاديمي خاض في مشروع أوسع وهو مشروع أطروحة الدولة، ولصيتها في مشروعه المبكر منحها كل وقته، وبعدها نجح في تكريس اسمه في حقل الفلسفة مغربيا وعربيا بفضل أعمال رائدة، وعليه لم يُكتب لهذه الرسالة النشر ولا الشهرة، بالرغم من أنها كانت تقويما مبكرا لتجربة الكتابة التاريخية، ولهذا ظلت مغمورة، ولأن الجابري ابتعد كثيرا عن حقل التاريخ الذي شهد بدوره تطورا كبيرا بعد دراسات كل من أحمد توفيق وعبد الرحمان المودن وآخرين، ولهذا قد نفهم لماذا ظلت غائبة، فالعودة إليها يعني استحضار الدراسات اللاحقة التي تمت في السبعينيات ومشاغل الجابري تغيرت وأولوياته أضحت فلسفية وابستمولوجية أكثر منها تاريخية، وربما إذا لم نبالغ فنشرها كان سيجلب ردود أفعال سلبية باعتباره أصدر نقدا في أعمال ودراسات زملاء وأساتذة منهم من سبقوه للكلية ومنهم من تزامنوا معه فيها، لكن وحتى لا نذهب في تأويلاتنا بعيدا، فالجابري أشار لهذه الدراسة في مذكراته السياسية (مواقف) سنة 2003 مما يعني أهميتها في مساره، ولهذا فنحن من لم نتفطن إليها ونحن من لم نسع للاطلاع عليها. لقد أظهر الجابري في القسم الثاني من دراسته النقص الذي طبع الكتابات التاريخية الأولى، حيث دعا إلى ضرورة توسيع المؤرخ لدائرة مصادره، وهو أمر سيتحقق مع الجيل الثاني، ومن المفارقات أن تكون سنة مناقشة الجابري لرسالته (1967) هي السنة التي ستعرف مناقشة أحمد التوفيق لأطروحته للسلك الثالث، وهذه الأطروحة ستغير مسار البحث بشكل كامل، حيث سينتعش بعدها مجال المونوغرافيات.

 -ذكرتم في مقدمة الكتاب أن إصدار هذا الكتاب الفقيد محمد عابد الجابري يرجع لأهميته في مسار سلسلة أعماله، فأين تكمن هذه الأهمية ؟

تكمن أهمية هذه الرسالة باعتبارها أول عمل أكاديمي له، كما أنها تمثل أول حصيلة تقويمية لما أنجز في تلك الفترة على مستوى الكتابة التاريخية، وهذا في حد ذاته أمر مهم جدا، فهو يعبر عن وعي حقيقي بالتاريخ لديه وبأهمية التقويم لتطوير المعرفة التاريخية، فقد جعل من المؤرخين والكتابة التاريخية موضوعا لبحثه، وهذا التقليد لم يكن معهودا آنذاك في الجامعة المغربية، وهو أن ينظر المؤرخون لأنفسهم من خلال المرآة، وعليه يمكن عده أول حصيلة نقدية.

إن انفتاح الجابري على حقل التاريخ يأتي في إطار الانسجام مع روح البحث العلمي، ذلك أن الفلسفة التي ستكون ميدانه بعد ذلك لا تستطيع أن تتقوقع على ذاتها، فقد اقترنت على الدوام بالعلوم الأخرى، وخصوصا العلوم الانسانية، ولأن الجابري في مشروع نقده للعقل العربي تعامل مع المصادر التراثية ومنها بدرجة كبيرة الأعمال التاريخية بأصنافها المتعددة، فالحضارة الإسلامية هي -بمعنى من المعاني- حضارة تاريخ، بل إن مختلف العلوم والفنون تطورت من خلال الاهتمام بالماضي، كما أن الثقافة التاريخية مهمة جدا لفهم أحداث القرون السابقة، وهذه الثقافة التاريخية هي التي تعامل معها الجابري باستمرار، وفي غالبية أعماله.

لا يجب أن يفهم الكلام السابق بشكل خاطئ، فالفلسفة والتاريخ ميدانان مختلفان تماما ويشتغلان بطرق مختلفة، فليس المطلوب أن يكون المؤرخ فيلسوفا ولا العكس، وإن كان الجابري في كتابه ربط بين النظرة الفلسفية للمؤرخ وعملية التركيب والإنشاء. فبدون هذه النظرة، وبدون فكر فلسفي لا يستطيع  المؤرخ بعث الماضي وإحيائه وتقديم صورة عنه، غنية بدلالتها، وخصبة بمعانيها.

إن مُهمة المؤرخ –في نظر الجابري-تتعدى كثيرا مجرد قراءة الكتب القديمة والاقتباس منها، وهي شمولية، ومُقدرة على الإحاطة والربط والتركيب حتى يتجنب الضياع في الجزئيات، وهذا كله لابد فيه من الفلسفة.

-إلى أي حد سيساعد الكتاب المؤرخين و الباحثين على الاقتراب من واقع أو حقيقة الجابري؟

هذا الكتاب يجعلنا نقترب من البدايات الأولى لهذا المفكر والفيلسوف، لقد كان قريبا جدا من حنطة المؤرخين، يبدو ذلك من خلال هذا البحث الذي ينتمي الى حقل التاريخ بدون شك سواء من خلال عنوانه الرئيسي أو من خلال فهرسة مواضيعه، وقد قسم بحثه لقسمين رئيسيين: القسم الأول نظري عن التاريخ ومهمة المؤرخ والقسم الثاني عن العمل التاريخي في المغرب المعاصر ، وكما سبق وأن أشرنا فأطروحته عن ابن خلدون بدورها تقترب من هذا الحقل ونقصد حقل التاريخ، ولا ننسى أن الجابري انتقد خلال هذه الفترة المؤرخ عبد الله العروي ونشر أربع مقالات طويلة ومهمة في مجلة المحرر والتحرير، كما حاور في مقالات أخرى الأستاذ زنيبر. ربما لم يجد ذاته في هذا الوسط باعتباره أستاذا للفلسفة فاستكمل في هذا المجال وتفوق فيه، بل أسس مشروعا ومدرسة.

في نظرنا فالثقافة التاريخية التي تشبع بها محد عابد الجابري مهمة جدا في مساره، واحتكاكه بالأستاذ جرمان عياش وآخرين جعلته يتنبه لاحقا لقصور الدراسات الخلدونية، التي كانت بحاجة ماسة إلى عملية تصحيح، لأنها انساقت وراء استثنائية صاحبها وفرادة طرحه وأسبقيته لعصره، فعاد الأستاذ الجابري بالفكر الخلدوني إلى إطار الأصلي في أطروحته للدكتوراه، واحتفظ له بهويته الحقيقية. وبهذا يكون الجابري صاحب منهجية ثاقبة، إذ تفطن للمفارقات التاريخية التي طالما حذر منها في رسالته التاريخ والمؤرخون، ونعني بذلك النظر للشخصيات الماضية بعين الحاضر، فكان لابد له من إعادة ربط الفكر الاجتماعي بالعصر الذي ظهر فيه ابن خلدون، وبمشاغل أهله وزمانه. لم يتردد الكثيرون في قراءة المقدمة بعيون علم الاجتماع الدركايمي قراءة مباشرة، مقيمين بذلك تناظرا حرفيا وتطابقا بينها وبين وفروع علم الاجتماع الحديث. هذا التنميط الذي سقطت فيه الدراسات الخلدونية راجعه محمد عابد الجابري الذي تنبَّه إلى أن الفرد يفكر ضمن عالمه، والذي يعتبر جزءا منه. وهذه الروح التي اشتغل بها الجابري في أطروحته هي التي يُعبِّر عنها كبار المؤرخين اليوم بــ “جو العصر” أو “المناخ التاريخي”، فهذه الرؤية المنهجية كانت حاضرة بقوة في منهج الجابري حين تناول موضوع العصبية والدولة، وهو بهذا أوقف إمكانية التجديف بعيدا.

-المنطلق الفكري الجابري في هذا العمل هو الدراسة النقدية والتقويمية في مجال الاستوغرافيا المغربية استنادا إلى نظرية ابن خلدون و المدرسة الوضعانية. فما هي أهم النتائج التي خلص إليها؟

يصعب تلخيص نتائج الدراسة في فقرة أو فقرتين، فما سنقدمه لا يغني الباحثين من الاطلاع على الدراسة، لكن يمكننا القول أن الجابري عاب على المشتغلين بحقل التاريخ عموما عدم استيعاب المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بالتاريخ على المستوى النظري، فممارسة الكتابة التاريخية بدون هذا الاستيعاب تصبح عديمة الفائدة، ولا زال هذا اللبس قائما إلى اليوم خاصة أولئك الذين لم ينفتحوا على الإطار النظري، ولعل اطلاع الباحثين على القسم الأول من بحث الجابري مهم في هذا الإطار، فقد تمكن من تزويد الباحثين بعدة منهجية ضرورية للتعامل مع التاريخ. لينتقل بنا في القسم الثاني من دراسته لمراجعة حصيلة عشر سنوات من التأليف التاريخي، وهي التي تهم موضوع السؤال هنا، وقد حاول تطبيق ما جاء في عدته المنهجية على المؤلفات التاريخية المعاصرة، والتي هي حصيلة هزيلة ولا شك بالنظر إلى الظروف التي أحاطت بالتجربة.

لقد أبرز الجابري أهم جوانب النقص في العمل التاريخي بالمغرب سواء النقص “المهني” الذي يتجلى في عدم إدراك بعض من تصدوا للتأليف التاريخي لحدود وأبعاد المهمة الملقاة على عاتق المؤرخ في إشارة للعدة المنهجية التي حاول التأصيل لها في القسم الأول، فالعمل التاريخي، كأي عمل علمي، له أصول وقواعد ومتطلبات. وليس من الجدية أن الخوض فيه دون معرفة أسسه وأصوله.

 أظهر الجابري في القسم الثاني من دراسته النقص الذي طبع الكتابات التاريخية الأولى، فنقد الكتابات التقليدية تم استنادا إلى نظرية ابن خلدون التي تعلي من أهمية نقد الأخبار والأخذ بعين الاعتبار طبائع العمران. أما بالنسبة للكتابات الأجنبية، ورغم المنهج الجديد الذي ميزها، فقد تحكمت فيها النوازع الامبريالية، ولذا ابتعدت عن الموضوعية، وحتى الدراسات الجادة تظل محدودة وتقدم صورة ذهنية أقرب لما شكلوه لأنفسهم عن واقع وتاريخ بلادنا. وانتقل أخيرا للوقوف على المؤلفات المعاصرة ليبين التركيب السطحي الذي ميزها، ومن ثمة الدعوة لضرورة إعادة كتابة تاريخ المغرب.

قصد الجابري بالمؤلفات التاريخية المعاصرة الكتب المدرسية ومؤلفات التحصيل والتجميع (أعطى مثلال بالمختار السوسي في المعسول وتاريخ تطوان لمحمد داود)، وكتابات عبد العزيز بن عبد الله التي اهتمت بالحضارة المغربية، و كتاب التاريخ العام الذي ألفه الفقيد إبراهيم حركات تحت عنوان المغرب عبر التاريخ، وتوقف أخيرا مع الرسائل الجامعية التي نوقشت إلى حدود تلك الفترة وهي الزاوية الدلائية للأستاذ حجي ونشأة دولة الشرفاء للأستاذ عبد كريم كريم، كما وقف عند أهم المقالات التي نشرت في المجلات الحاضنة للتاريخ يومذاك. تعامل مع هذه المؤلفات والمقالات بروح نقدية عميقة أبرزت النقائص وأشادت بالإضافات.

 كان الجابري من دعاة توسيع المؤرخين لدائرة مصادرهم، وهو أمر سيتحقق مع الجيل الثاني. كما تنبه لأهمية الاستفادة من المصنفات المختلفة المشارب، ونوه في هذا الصدد بمجهودات المنوني بما نشره من الوثائق والمخطوطات النادرة، وإلى جانب الوثائق المحلية دعا الجابري الباحثين آنذاك إلى النهل من الوثائق الأجنبية، سواء منها ما يوجد في دور المحفوظات والخزائن. وليس هذا فحسب، بل لابد –في نظره-من الرجوع إلى كتب التاريخ التي ألفها مؤرخون من الشرق العربي قديما وحديثا عن المغرب، دون نسيان التعامل مع المصادر المادية، والبحث عنها (آثار، نقود…). وهذه الأمور تحققت مع الجيل الثاني.

– من النتائج المهمة التي ينتهي إليها الجابري في هذا العمل أن ليس هناك تاريخ نموذجي، فالتاريخ من صنع المؤرخ . فما معنى أن التاريخ معروف بشخصية المؤرخ ؟

 النقطة المتعلقة بالتاريخ النموذجي تدخل ضمن الإطار النظري وضمن فلسفة التاريخ أيضا، بل وضمن الطريقة التي يتمثل بها المشتغلون بالتاريخ أعمالهم، من الخطورة بمكان الادعاء بكوننا قدمنا من خلال أبحاثنا ما وقع في الماضي، أو أننا استطعنا من خلال الوثائق استحضار الماضي كما كان، فالمؤرخ هو الذي يصنع التاريخ، هذا ما خلص إليه الجابري وهذا مفهوم أساسي، فالمؤرخ يصنع الماضي باختياره لحوادث تاريخية دون غيرها، ويصنعه بما يُبرزه في هذه الحوادث من الترابط والتكامل. وتلك مُهمة شاقة ولا شك، فحين قارن الجابري مهنه المؤرخ بالفيلسوف، جعل هذا الأخير مشيدا عالمه النظري بالتفكير والتأمل، متحررا من كل قيد خارجي، عكس المؤرخ المُقَيَّد بالواقعِ الذي يُعالجه، وبِالمواد التي يستمد منها معرفته

إن التاريخ لا وجود له إلا في ذهن المؤرخ، فالماضي زال وانقضى، وأخباره الموجودة في الكتب هي من صنع المؤرخ وحده، إذ يستحيل استحضار ما وقع بالتفاصيل والحيثيات، لأن الحقيقة التي حدثت في الزمن السابق اختفت إلى الأبد، وما ينتجه المؤرخون هو إعادة بناء الحدث برؤية جديدة، فالتاريخ إذن هو عملية بناء وتركيب لصيرورة الأحداث، ولذا اختلفت تصورات المؤرخين ونظرتهم للزمن التاريخي.

 إن المؤرخ يلجـأ إلى انتقاء مصادره ووثائقه، فهو يقوم بعملية اختيار، مما يطرح أسئلة عديدة حول نوعية الوثائق التي اعتمد عليها، ومدى مصداقيتها، ومن كتبها، وهل هي رسمية أم غير رسمية؟

ثم ألا يقوم المؤرخ باختيار وثائق معينة على حساب أخرى ربما فقط لتعزيز نتائجه لكي تتوافق مع فرضياته المطروحة مسبقا؟ ثم ماهي حدود الذاتية والموضوعية في الكتابة التاريخية؟

إن مثل هذه الأسئلة وغيرها تجعلنا على يقين تام من أن المؤرخ لا يمكنه أن يكتب تاريخا حقيقيا؛ فثقافة المؤرخ ومنهجيته وتوجهاته الفكرية والثقافية تلعب دورا كبيرا في صناعة الحدث التاريخي، وهكذا فالوصول إلى الحقيقة التي حدثت في الزمن السابق لن تتكرر أبدا، وبالتالي فإن المؤرخ يقوم بإعادة بناء الحدث من زاويته الخاصة به.

لا شك أن التاريخ هو نتاج عملية بناء جديدة، ولذلك تختلف الرواية السردية من مؤرخ لآخر، ومن هنا يتضح لنا جليا أنه لا يمكن، عمليا، كتابة التاريخ كما تم فعلا، وبشكل مطابق لما وقع في الماضي، ولكن كما نعتقد أنه كان. إن الأمر في نظري أشبه ما يكون بإعادة مباراة في كرة القدم بين فريقين بنفس الطريقة، وهذا شيء مستحيل، فالتاريخ لا يعيد نفسه مرتين، لأنه محدود في الزمان والمكان، ويتجه دائما إلى الأمام دون تكرار أو رجوع إلى الوراء.

وتساءل الجابري على لسان عدد من الحائرين كيف يكون تاريخ المغرب “لم يكتب بعد” وقد تغنينا بالأمجاد، وبالمآثر في المقررات المدرسية وفي عدد من المؤلفات. في نظر الجابري تاريخ المغرب لم يكتب بعد، بالنسبة إلينا نحن الذين نعيش وضعية جديدة غير الوضعية التي عشناها أمس، ويقصد وضعية الاستعمار، أو التي عاشها من قبل أبائنا وأجدادنا، وهي وضعية غارقة في التقليدانية.

إن هذه الوضعية الجديدة التي نعيشها كأمة مغربية تبعث فينا الشعور بأن تاريخنا لم يُكتب بعد، لا لأنه كذلك، بل لأن ما كتب منه، والشكل الذي كُتِبَ به، لم يعد يتفق مع اهتماماتنا الحالية، وهو يحيل هنا عن علاقة الحاضر بالماضي والتاريخ بالراهن.

ولكن؟ كيف نكتب هذا التاريخ “الحقيقي”؟

إن الجواب على هذا السؤال تُمليه طبيعة المعرفة التاريخية نفسها، وهي المعرفة التي قال عنها في القسم الأول إنها ذات جانبين، موضوعي وذاتي: جانب تحدده، المادة التاريخية التي على المؤرخ أن لا ينقطع قط عن البحث عنها في مختلف مصادرها. وجانب تُمليه الأغراض التي علينا أن نتوخاها من التاريخ.

-قدم في الخاتمة الجابري تصنيفا لأهم الاتجاهات البحثية في المغرب خلال تلك الفترة، هل ينسجم حقا مع الواقع آنذاك؟

في الخاتمة الاستشرافية صنف الجابري الاتجاهات البحثية في المغرب آنذاك إلى الاتجاه التقليدي المنغلق على نفسه، ويحمل لواءه الفقهاء والمحدثون و”المؤرخون”، وهؤلاء تلقوا ثقافتهم في المعاهد الدينية، وهم استمرار للثقافة التاريخية التي تعود للماضي السحيق، فنجدهم يتبنون التعليل الالهي للحوادث، ويرفضون اعتماد العقل. وثاني الاتجاهات هو التيار الإقليمي، وهو قسمان: قسم يُوَلِّي وجهه شطر الشرق باعتبار المغرب جزء من البلاد الاسلامية، وفريق يُريد “الانفتاح “على الغرب باعتباره أقرب إلى أوروبا، ومن ثمة يمكن الاستفادة من الغرب وتقدمه، من علمانيته وتكتيكه، إذا هو أراد أن يتقدم ويزدهر. وثالث الاتجاهات المتأثر بالقومية العربية، وهو يرى أن المغرب جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الممتد من الخليج إلى المحيط، ورابعها هو الاتجاه الماركسي الذي يرتكز في نظرته إلى التاريخ على المادية التاريخية. وميز الجابري بين جناحين: الماركسي- الغربي، والماركسي- العربي. وإلى جانب هذه التيارات التي تتفاوت قوة وضعفا، هناك جدول صغير يافع، أخذ يتلمس طريقه في خضم هذا الصراع بين مختلف الاتجاهات. إنه لم يَخُطَّ بعد لنفسه طريقا واضحا، ولكن ملامحه أخذت تتبلور: إنها مزيج من القومية العربية والفلسفة الماركسية.

ويرى الجابري أن التيار التقليدي كان قويا ومتجذرا آنذاك، بيد أنه سيتوارى ليخلفه لـ”الجديد”، واستبعد استمرارية الاتجاه الإقليمي أيضا ووجه له انتقادات عديدة، ودعا إلى اعتماد رؤية تقوم على عروبة متفتحة، ودين إنساني لا يُعارض أي طريق يستهدف العدالة الاجتماعية والازدهار والتقدم. كان الجابري في ذلك الوقت مناضلا اتحاديا، وتبنى مفاهيم القومية العربية كما هو معلوم، وبالرغم من دعوته للقطع نهائيا مع الايديولوجيات الجامدة، والتسلح بالعلم في التفكير، فإن الذاتية دائما تحضر.

-نشكرك دكتور طحطاح على هذه التوضيحات التي قربت من خلالها هذا السفر العظيم للدكتور محمد عابد الجابري و تحديد ماهيتة علاقتها بالتاريخ و رؤية النقدية للاستوغرافيا المغربية.

الشكر لكم على اهتمامكم ، وأتمنى ان أكون قد قدمت رؤية و تصور لما يختزنه الكتاب من أفكار و قضايا و منهج ، و الكشف عن جانب لم تسلط عليه الأضواء و الدراسات وهو علاقة الجابري بالتاريخ و النقد التاريخي.

*صحفي متدرب

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...