عمر أربيب يكتب..سبع سنوات من الحصار والمنع والتضييق الممنهج على الجمعية والحريات، وانتهاك القانون

عمر أربيب*

بحلول يوم 14 يوليوز تكون قد مرت 7سنوات على تصريح وزير الداخلية الأسبق امام البرلمان ، المناوئ للحركة الحقوقية بنعتها بدون حجة بخدمة اجندات غير حقوقية وتلقي تمويلات خارجية. هذا التصريح الذي لم يبن على اي اساس مادي او حجج قائمة، مر امام المؤسسة التشريعية يوم 14يوليوز 2014 دون ان يبدي البرلمانيون أي اعتراض او يطالبو الوزير المعني  بمعطيات تعزز تصريحاته، مما يعطي الانطباع بان البرلمان متواطئ  او لم يهتم بتصريح خطير كهذا ،له ما بعده على مجال الحريات العامة وخاصة تلك المتعلقة بعمل الجمعيات العاملة في مجال حقوق الإنسان.

وفور التصريح المشؤوم امعنت الدولة في فرض حصار جائر على الحركة الديمقراطية نالت الجمعية المغربية لحقوق الانسان النصيب الاوفر منه ، ان لم نقل بانها كانت الهدف الرئيسي وربما الوحيد داخل الجسم الحقوقي لنيران وزير الداخلية الأسبق والتي اصبحت قاعدة لممارسات استراتيجية   لكل مؤسسات الدولة.

لقد بدأ حصار الجمعية والتضييق عليها بمنع انشطتها وتجميد الشراكات التي تربطها بوزارة الشباب حول المخيمات الصيفية الموجهة للشباب واليافعين، والشراكة مع وزارة التربية الوطنية بخصوص التربية على حقوق الانسان بالوسط التعليمي، واستمر التضييق بسحب وزارة التربية الوطنية للمتفرغين الموضوعين رهن اشارة الجمعية ، وانتقال التضييق الى المنع من استغلال الفضاءات والقاعات العمومية بل وحتى الخاصةلتنظيم الدورات التكوينية والجامعات ذات الصلة بحقوق الإنسان،  وتنفيذ الشراكات التي كانت تجمع الجمعية مع بعض الجهات بما فيها  الحكومية او مؤسسات مدنية او سفارات لدول  خارجية . واستمر التضييق بما سمي اعذارات موجهة من طرف وزارة الداخلية عبر والي الرباط. ولم يقف الوضع عند هذا الحد حيث طالب الامانة العامة للحكومة بتقارير الجمعية المالية عن عدة سنوات قبل 2014 ، علما انها كانت تتوصل بها في حينها ، بل وهي تعلم علم اليقين انها كانت تتوصل بكل تصريح ولو بمبلغ بسيط تلقته الجمعية في إطار شراكاتها، بل ان الامانة العامة طالبت الجمعية بتقارير  مالية  طالها القادم ، في خرق للقانون ،ورغم ذلك استجابت الجمعية لذلك مذكرة الامانة العامة الساهر الامين على صياغة وإصدار مشاريع القوانين انها خرقت القانون . وحين تبث للامانة العامة للحكومة ومديرية الضرائب التابعة لوزارة المالية نقاء وصفاء الذمة المالية للجمعية التي تشهد بها  المؤسسات التي ربطتها بها شراكات ، وكذا الخبرات المحاسباتية المنجزة  من طرف مكاتب محاساباتية مختصة ومحلفة، قامت الدولة في سابقة من نوعها بإرسال قضاة المجلس الأعلى للحسابات لافتحاص مالية الجمعية ليتبين للمجلس عدم وجود أي تجاوز مالي.

وقد اعترفت الامانة العامة للحكومة بأن 95% من الجمعيات لاتصرح بتقاريرها المالية للامانة للحكومة   لكنها تكثمت بشكل مقصود على الخمسة في المائة والتي من ضمنهم الجمعية(Amdh) لترك الباب مشرعا لاساليب اخرى من التضييق تقوم بها جهات بالوكالة، كما ان تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول افتحاصه لمالية الجمعية لم يشر لاي تجاوز او سوء تدبير، والحقيقة فقد احس قضاة المجلس وهم يزورون مقر الجمعية ووضع كل ما يطلبون وما لم يطلبوا أمام أنظارهم ،بالحرج نظرا للشفافية المفرطة لمالية الجمعية ، وايضا بدعوة الجمعية للصحافة ولكل من يرغب في الاطلاع على البيانات والوثائق الخاصة بمالية الجمعية واعتبرته مرحبا به ، رغم ان تدبير مالية الجمعية والمصادقة والاطلاع عليها هو شأن داخلي لأعضائها وهياكلها.  إن انفتاح الجمعية بهذا وإلى هذا الحد ليس الهدف منه تبرئة ذمتها  لأنها مؤكدة ، ولكنه انفتاح سديد لتبيان ان بعض مؤسسات الدولة توزع الاتهامات وتحاول النيل من الجمعية وتشويه سمعتها ، كما ان هذا الانفتاح يندرج ضمن حرص الجمعية ليس فقط على الشفافية وإنما إشراك الرأي العام ليتبين حجم مناورات التغليط والتشهير بالجمعية من طرف من يفترض فيهم انفاذ القانون.

وبعد عدم ايجاد اي ثغرة في المعاملات المالية للجمعية باحترامها الشديد لكل المساطر والتدابير القانونية ، واعتماد الشفافية والنزاهة ، لجأت الدولة إلى اسلوب الدعاية والتشهير  وتوظيف إعلامها وتسخيره لشن حملة عشواء لشيطنة الجمعية وتأليب الرأي العام ضدها. كما مارست الدولة ضغطها على شركاء الجمعية لوقف اي تعامل معها والا لن تنعم بالعمل في المغرب .

لقد كانت حملة الدولة على الجمعية شاملة ومتعددة الجوانب ، بالموازاة مع المنع والتضييق المالي ، والحرمان من الحق في التنظيم برفض تسليم وصولات إيداع ملفات التجديد والتأسيس للفروع والتجمع ، واستهداف المناضلات والمناضلين بالتشهير او المتابعات القضائية او التهديد بالاعتقال، باشرت الدولة شبه حظر قانوني على فروع الجمعية من خلال رفض تسلم ملفات التجديد او عدم تسليم وصولات الإيداع بما فيها المؤقت ، مما دفع الجمعية للجوء الى القضاء حيث اصدرت المحاكم الادارية العشرات من الاحكام لصالح الجمعية لكنها لم تنفذ.

وبعد سبع سنوات من الهجوم المخزني على الجمعية المغربية لحقوق الانسان ، نسجل الحرمان التام من استعمال القاعات العمومية، وجود ما يزيد عن 70 فرعا للجمعية بدون وصل ايداع سواء مؤقت او نهائي في خرق سافر للمنظومة الدولية المتعلقة بحق تأسيس الجمعيات وتعطيل سلطة القانون خاصة ظهير  1958   في شقه المتعلق بالحق في تأسيس الجمعيات والحق في التجمع ، اضافة الى إلغاء الشراكات بين الجمعية وزارتي الشباب والتعليم دون الإعلان عن ذلك ، منع اية شراكة مع السفارات او المؤسسات الاجنبية لإنجاز مشاريع مشتركة متعلقة بحقوق الانسان …

إنها بعض مميزات دخول ممارسة الحظر التقني والعملي على الجمعية.

إن حصار الجمعية لم يكن حلقة معزولة بل فقط عنوان صارخ لامعان الدولة في بسط هيمنتها وسيطرتها  على مجال الحريات والحقوق ، وتقوية تسلطها  باحكام قبضتها  على الفضاء العام والفضاء الرقمي ، وتسليط قمعها ومصادرتها للحق في التظاهر وحرية الرأي والتعبير والحق في التجمع، وما حجم الوقفات والاحتجاجات الممنوعة او التي استعملت فيها الدولة التدخل باستعمال القوة وفي الغالب غير المتناسبة  ، وحجم المتابعات القضائية وخاصة بتهم المس بالمقدسات التي اعتقدنا انها ولت، والتضييق على الصحافيين وكل المعارضين والمنتقدين للدولة وتقديم بعضهم للمحاكمات ، كل هذا وغيره يؤكد ان الدولة ماضية في قضم  المسافات واسترجاع ما اعتبرته تنازلا مؤقتا عن هيمنتها وهيبتها بعد حراك 20 فبراير والنضالات الشعبية الاخرى.

بعد سبع سنوات من تصريح حصاد وزير الداخلية ،يظهر ان الدولة عازمة على تقوية الحصار والمنع والعصف بسلطة القانون، وان تصريح وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والمجتمع المدني الذي اعتبر ان هناك جهات تعرقل تأسيس الجمعيات،  لا يعفيه  والحكومة السابقة والحالية  من مسؤولية الاجهاز على الحقوق والحريات ، والردة الحقوقية التي كنا قد اعتقدنا ان بعض مميزاتها لم تعد محط منازعة منذ حوالي ما يقارب 30 سنة ،ونعني الحق في تأسيس الجمعيات والانضمام اليها والحق في التجمع.

اكيد نحن مقبلون على انتخابات وربما تعديلات في القوانين المنظمة لحق تأسيس الجمعيات،  وبعدها الحق في التجمع والتظاهر وغيرها من القوانين المتعلقة بمجال الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والصحافة والنشر بما فيه على وسائل التواصل الاجتماعي، وان كنا نناضل ونرنو الى توسيع هامش الحريات وضمانها ، فإننا في ظل الوضع الحقوقي التراجعي نخشى ان الا تساير التعديلات طموحات المواطنات والمواطنين ، او الا تكرس التراكمات والمكتسبات المحققة بفضل نضالات الشعب المغربي وقواه الحية خاصة فيما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية التي تتطلب رفع الدولة يدها عنها بدل التدخل لخنقها، حقوق لا تتطلب اية تكلفة مالية نضير اختها في المجال الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي ، بقد ما تتطلب الارادة والشجاعة السياسية والتدبير الديمقراطي ونبذ السلطوية واعمال دولة الحق لتحقيق ذلك ،بضمانات طبعا دستورية وقانونية ومؤسساتية .

 

 

*مدافع عن حقوق الانسان عضو AMDH

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...