عبد السلام العزيز في حوار مع ملفات تادلة: لجنة النموذج التنموي لم تكن لها الشجاعة والجرأة الضروريتين لتشخيص عميق للواقع الاقتصادي والاجتماعي

  – ملفات تادلة 24- 

 

حوار                                                                               حاوره: خالد أبورقية

 

 

أصدرت لجنة النموذج التنموي الجديد تقريرا حول أشغالها، رغم الجدل الذي رافق تشكيلها ومنهجية اشتغالها، هل تجاوزتم في المؤتمر الوطني الاتحادي الجدل السياسي والدستوري المرتبط بتشكيلها؟
إن مسألة تعيين لجنة للتقرير في النموذج التنموي لبلادنا للسنوات المقبلة طرح بقوة من طرف العديد من الفاعلين والمهتمين ببلادنا بالنظر لافتقادها للشرعية الديمقراطية و المؤسساتية وكنا نقول أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وهو هيئة دستورية استشارية من صميم مهامه بإنجاز مثل هذ التقارير
الآن اللجنة قامت بإنجاز تقريرها بعد أكثر من 18 شهرا على تنصيبها. المطروح اليوم فتح حوار وطني واسع حول هذا التقرير في مختلف جوانبه المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية وغيرها.

صدرت عدد من التقارير التي حاولت مقاربة وضع التنمية في المغرب عن مؤسسات دستورية وعن لجان موازية تم تشكيلها، من بينها تقرير الخمسينية، أين تضعون تقرير لجنة بنموسى ضمن التقارير التي سبقته؟
بالفعل يمكن اعتبار أن بلادنا تعرف اليوم إنجاز العديد من التقارير والتي تغطي جل مناحي الحياة العامة والكثير من هذه التقارير تقوم بتشخيص دقيق وموضوعي لوضعنا الوطني في مجالاته المختلفة كما تقترح بعض الحلول والبدائل وهو ما يمكن اعتباره بالشيء الإيجابي لأنه يقرب الفاعلين والمهتمين وكذا الباحثين والاكاديميين من حقيقة الأوضاع وهو الشيء الذي لم يكن متاحا في الماضي وكنا مضطرين للجوء لتقارير المؤسسات الأجنبية للتعرف على واقع بلادنا.
بالنسبة لتقرير لجنة النموذج التنموي فهو يأتي في سياق خاص سياق أسميناه في حزب المؤتمر الوطني الاتحادي منذ أكثر من سنتين بحالة الانحباس الشامل الذي تعرفه بلادنا والذي عبر عنها الملك بفشل النموذج التنموي المتبع بعد الحراكات الاجتماعية التي عرفتها بلادنا في العديد من المناطق وخصوصا بالريف وجرادة، والذي أكد حالة الاختناق في العديد من المجالات وخصوصا على المستوى الاجتماعي والاقتصادي و المؤسساتي وهو الشيء الذي وجه في اعتقادنا المنهجية التي اتخذتها وكذا خلاصاتها التي تطرح هي نفسها العديد من التساؤلات.

 

هناك الكثير من المؤاخذات تم تسجيلها بعد صدور التقرير أهمها أن التقرير تحاشى الحديث عن أسباب الداء أو ما وصفه البعض بالخطوط الحمراء هل توافقون هذا الرأي؟
بالنظر لتوجيهات الملك للجنة والتي أكدت على البحث عن حقيقة الوضع الوطني ولو كانت قاسية أو مؤلمة وعلى التحلي بالشجاعة والابتكار في اقتراح الحلول من جهة، وبالنظر لما تزخر به اللجنة من كفاءات مشهود للعديد منها بالتجربة و النزاهة الفكرية من جهة أخرى، وكذا بالوقت الذي استغرقته في عملها والسياق العام الذي يعرفه وطننا والمجتمع الدولي والمتسم بتداعيات جائحة الكوفيد، لكل هذا كنا ننتظر ومعنا شرائح واسعة من الرأي العام الوطني تقريرا آخر ينفذ في تشخيصه إلى الأسباب العميقة للأزمة المتعددة الأوجه التي تعرفها بلادنا، عوض ذلك جاء الجزء المتعلق بالتشخيص محتشما بل يؤكد على مكتسبات المرحلة ويقلل من أهمية الاختلالات، فحالات الاحتجاج التي عرفتها مناطق متعددة من وطننا راجعة بالنسبة له لارتفاع سقف المطالب بسبب التقدم الملحوظ الذي عرفته البلاد، وليس لواقع التهميش وانسداد الآفاق الذي تعرفه الساكنة وخصوصا الشباب منهم. والتقرير حين يعدد «الإنجازات والمشاريع» للسنوات الأخيرة فهو لا يسائلها ويبحث عن أسباب نجاحها أو فشلها بل يقوم فقط بسردها : الاستراتيجيات القطاعية ، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الرميد ، الطاقة المتجددة .
والحال أن الجميع يعرف أن العديد من هذه المشاريع عرفت وتعرف اختلالات عميقة بل هناك تقارير سابقة وقفت عند هذه الاختلالات، كما أن التقرير لا يقف كفاية عند بعض الإشكالات الكبرى والأساسية التي يعرفها اقتصادنا مثل الفساد والريع اللذان يعتبران من طرف الجميع من أهم المعيقات التي تحول دون تحقيق التنمية المنشودة فهو مثلا لا يحلل ظاهرة الريع و الفساد في علاقتهما بالحقل السياسي و علاقة المال بالسلطة، و لا يتساءل عن عدم قيام مؤسسات الضبط بأدوارها، وعلى سبيل المثال ما وقع بمجلس المنافسة في ملف المحروقات كان من الممكن أن يكون مناسبة لتعميق البحث في الظاهرة، باختصار يمكن القول أن اللجنة لم تكن لها الشجاعة والجرأة الضروريتان لتشخيص عميق للواقع الاقتصادي والاجتماعي.

انتهى التقرير من تشخيص معيقات التنمية واعتبر أهم معيقاتها فقدان الثقة في النخب السياسية والإدارة، وبناء عليه اقترح مجموعة من الخيارات والإجراءات، هل توافقون على هذا التشخيص؟

في الواقع سجلت اللجنة أربعة معيقات تحد من مردودية النموذج التنموي منها ما هو متعلق بالمستوى المؤسساتي ومنها ما هو راجع لواقع الاقتصاد الوطني وأسباب ضعف تنافسيته ومحدودية قدرات القطاع العام وكذا الاشكال الذي يطرحه القضاء، وأغلب هذه المعيقات تم التطرق إليها في تقارير سابقة بل بعضها يعود طرحه إلى الثمانينات من القرن الماضي.
أما بالنسبة للسياق الذي تم فيه الحديث عن مشكل الثقة في النخب السياسية والاقتصادية والإدارة والفئات الميسورة فقد جاء في على لسان المواطنين الذين تم الاستماع إليهم من طرف اللجنة.

 

« المسألة أكبر وأخطر من عملية بلقنة، المسألة تتعلق بالإجهاز النهائي على العمل الحزبي والسياسي، فإذا كانت الاختيارات والبرامج خارج عملية الصراع والتنافس، وإذا كان تصور السياسات ومراقبة تنفيذها خارجة المؤسسات المنتخبة بل تقوم به لجنة معينة، فإننا نتجه مباشرة نحو الإجهاز على الهامش الديمقراطي و هيمنة التقنقراط على مستوى تصور الاستراتيجيات والبرامج وتتبع ومراقبة تنفيذها وحينها يطرح السؤال عن معنى السياسة، والانتخابات، والأغلبية والمعارضة ؟؟؟؟؟.»

 

اقترح تقرير لجنة النموذج التنموي عددا من الإجراءات تضمنت توقعات وأرقاما وجدولا زمنيا، ألا ترون في تعامله هذا مع مسألة التنمية تجاوزا لما هو بنيوي مزمن في مقابل البحث عن إجابات تقنية؟
يتضمن التقرير أهدافا ومؤشرات مرقمة لنتائج النموذج بعد خمسة عشر سنة من بداية تنفيذه، وكذا مقترحات الاختيارات الاستراتيجية الكفيلة بتحقيق الأهداف، وإن كانت عناوين هذه الاختيارات لا يمكن الاختلاف حولها مثل «نحو اقتصاد منتج ومتنوع يخلق القيمة ومناصب شغل ذات جودة « أو « نحو رأسمال بشري أقوى ….» أو «نحو فرص إدماج للجميع و تعزيز الرابط الاجتماعي»، فإن السياسات والإجراءات المقترحة للوصول لهذه الأهداف وتحقيق المحاور الاستراتيجية تبقى في أغلبيتها متواضعة ولا تخرج عن ما هو متداول، بل يمكن القول أن النموذج المقترح لا يختلف في جوهره عن الاختيارات النيو الليبرالية التي تتميز بها السياسات العمومية منذ سنوات، كما أن التقرير يؤكد على الحاجة إلى موارد إضافية لتمويل النموذج الجديد دون البحث عن مصادر جديدة للتمويل، بل بقي سجين التصورات القديمة، و في الأخير لابد من تسجيل إقرار التقرير بأهمية الاقتصاد الاجتماعي كرافعة للتنمية الشيء الذي ما فتئنا نطرحه في حزب المؤتمر الوطني الاتحادي و فيدرالية اليسار.

 

تحدث التقرير عن تحفيز القطاع الخاص وإعطاء دور أكبر للقطاع الثالث، كيف ترون هذا التوجه من وجهة نظر سياسية واقتصادية؟
كما قلت سابقا يمكن اعتبار النهوض بالقطاع الثالث أهم نقطة ضوء في الاقتراحات التي يقدمها التقرير، لما يمكن أن يحمله من إمكانات تنموية و قدرة على استيعاب اليد العاملة، وفي أدبيات حزب المؤتمر الوطني الاتحادي كنا دائما نؤكد على أن بناء اقتصاد قوي يتطلب الاعتماد على قطاع خاص، قطاع عام وقطاع اجتماعي تضامني. أما تحفيز القطاع الخاص فهو ما دأبت عليه البرامج والسياسات العمومية منذ الستينات من القرن الماضي، وتم تعميق هذا التوجه مع سياسات الخوصصة وانسحاب الدولة من المجال الاقتصادي، بل حتى زمن مجالات الخدمة العمومية كالتعليم والصحة والنقل العمومي وغيره. ولعل تأكيد التقرير مرة أخرى على تحفيز ودعم القطاع الخاص يؤكد ما قلته سابقا عن التوجه العام للتقرير الذي لا يقطع مع الاختيارات التي فشلت في وضع المغرب على سكة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ينفي معدو التقرير أنهم يضعون سقفا أو برنامجا مسبقا لبرامج الأحزاب وبرامج الحكومات القادمة، ويؤكدون أن الهدف هو وضع رؤية استراتيجية. بالنظر إلى المقترحات الواردة في التقرير، إلى أي مدى تتفقون مع الرأي القائل بأن الاختباء خلف ’’الاختيارات الاستراتيجية‘‘ يفرغ العمل السياسي من مضمونه؟
يؤكد التقرير كما قلتم أن النموذج المقترح لا يمثل دليلا مرجعيا لبرنامج حكومي أو حزبي لكنه يستدرك أن النموذج يندرج ضمن الإطار الدستوري، كما يترجم بشكل عملي خصوصية النموذج المؤسساتي المغربي بالمكانة المركزية للمؤسسة الملكية الحاملة للرؤية التنموية والأوراش الاستراتيجية، من هنا يحاول التقرير أن يعطي النموذج المقترح مكانة فوق البرامج الحزبية والحكومية ويبقى للأحزاب والحكومات مهمة التنفيذ تحت مراقبة الهيأة المقترحة للتتبع والقيادة وذلك على اعتبار أن النموذج ذو صبغة استراتيجية حيث يمتد ل15 سنة.

دعا بلاغ الديوان الملكي إلى المساهمة الفعالة في تنفيذ توصيات اللجنة. الا ترون انطلاقا مما سبق أن ما سيكون معروضا على المواطنين في انتخابات 2021 سيكون مجرد تنويعات لبرنامج واحد هو خلاصات لجنة بنموسى، بمعنى أن النجاح سيكون للجنة بينما الفشل سيكون محسوبا على الأحزاب؟
كما تعلمون فالتقرير خلص إلى اقتراح آليتين للتفعيل وهما ميثاق وطني للتنمية يهدف إلى التزام ما يسميه التقرير القوى الحية وفي مقدمتها الأحزاب بطبيعة الحال بالنموذج الجديد، وهو ما يعني أن البرنامج الحكومي للحكومة المقبلة سيستمد أساسا من الميثاق وبالتالي من النموذج التنموي الجديد الذي أعدته لجنة معينة، بمعنى آخر سيكون على الاحزاب الموقعة على الميثاق اعتماد برامجها الانتخابية من هذا النموذج، مما يعني أن الأحزاب السياسية والى حدود سنة (2035) ستكون معفية من التفكير والاجتهاد والتنافس حول المشاريع والبرامج كما لن يعود للأغلبية و المعارضة معنى وبالتالي يطرح السؤال حول كيفية بناء الأغلبية وهل سيتم اللجوء إلى حكومات تجمع جميع الأحزاب. ففي ظل «الاجماع» حول النموذج/البرنامج لن يكون معنى للمعارضة المؤسساتية ولا للتعدد السياسي وهو ما قد يعمق الفراغ السياسي الذي تعرفه بلادنا وما لذلك من مخاطر قد تهدد استقرار البلاد.

 

يبدو أن توصيات اللجنة قامت بعملية تسقيف ووضع أطر محددة للعمل، هل سنكون أمام عملية بلقنة جديدة للمشهد السياسي والبرامج الحزبية؟
المسألة أكبر وأخطر من عملية بلقنة، المسألة تتعلق بالإجهاز النهائي على العمل الحزبي والسياسي، فإذا كانت الاختيارات والبرامج خارج عملية الصراع والتنافس، وإذا كان تصور السياسات ومراقبة تنفيذها خارجة المؤسسات المنتخبة بل تقوم به لجنة معينة، فإننا نتجه مباشرة نحو الإجهاز على الهامش الديمقراطي و هيمنة التقنقراط على مستوى تصور الاستراتيجيات والبرامج وتتبع ومراقبة تنفيذها وحينها يطرح السؤال عن معنى السياسة، والانتخابات، والأغلبية والمعارضة ؟؟؟؟؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...