إسرائيل تدمر وتقتل وتخرس الصحافيين

-ملفات تادلة 24_ محمد لغريب

” يقال إن الحرب بدون تليفزيون ليست حربا، الحرب بدون تلفزيون حدث مجرد ” هذا توصيف بليغ لما يجري على الأراضي الفلسطينية، فبقدر ما كانت الحرب والعمليات العسكرية ساخنة على الأرض والقصف متواصلا على غزة وفصائل المقاومة ترد، بقدر ما اشتدت سخونتها على المستوى الإعلامي وعلى مستوى مواقع التواصل الاجتماعي.

هكذا سعت إسرائيل منذ الوهلة الأولى من انطلاق الانتفاضة الفلسطينية من القدس المحتلة، جراء طرد الاحتلال الفلسطيني أهالي حي الشيخ الجراح من منازلهم، سعت إلى إظهار الفلسطينيين بمظهر الإرهابيين وتجريم الانتفاضة من خلال خلق مئات الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لهذه الاتهامات، وتحاول تسويق صورة مفادها أن الفلسطينيين هم المعتدين على الإسرائيليين، وأن إسرائيل دولة تنشد الأمن والسلام، للتغطية على واحدة من أبشع الجرائم التي ترتكبها الدولة العنصرية الصهيونية ضد شعب أعزل بنسائه وأطفاله وشيوخه أمام مرأى ومسمع المنتظم الدولي.

فقد هبت الآلة الإسرائيلية إلى تروج أكاذيب ومعلومات خاطئة لتضليل الرأي العام الدولي واستدرار عطفه، وخلق البلبلة بهدف نسف الثقة في نفوس الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة سواء بالضفة الغربية أو غزة أو داخل أراضي 1948، وكسر كل ما من شأنه أن يكشف عن جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، أو يدفع في تصليب عود المقاومة وتغيير معادلة الصراع على الأرض.

إعلام يزيف الحقيقة

كتب محسن الإفرانجي الصحفي والإعلامي الفلسطيني موجها نداءه للصحافيين الفلسطينيين “الرواية الإعلامية الفلسطينية في دائرة الاستهداف بصورة غير مسبوقة، لذا فإننا بحاجة لتوجيه هذه الرواية بكل مهنية منطلقين من الحقائق والوقائع الميدانية معتمدين على قاعدة مهمة في العمل الإعلامي وهي: “دع الحقائق تتحدث عن نفسها”.

وأشار الإفرنجي في تدوينة له على حسابه بالفيس بوك “ما أود التنويه إليه هنا – وكلكم بارع في أداء رسالته وتقديم روايته- أن نربط باستمرار في رسائلنا الإخبارية خاصة باللغات غير العربية بين: بنك الأهداف الإسرائيلية المعلن وفق تصريحات قيادات الاحتلال وبين نتائج العدوان المتمثل في قتل الأطفال والنساء وتدمير المباني والشقق والأبراج السكنية وتدمير كل مقومات الحياة والبنية التحتية للفلسطينيين”.

وأضاف الإفرنجي قائلا ” هذا الربط الدائم بصور متنوعة ومختلفة ينسف زيف رواية الاحتلال، ويثبت أن إسرائيل تقتل لأجل القتل وليس لديها أي بنك أهداف تتمكن من تحقيقه “.

وهكذا فقد اتجه جزء كبير من الإعلام الدولي الذي يقع تحت تأثير وتوجيه اللوبيات الصهيونية المتحكمة في المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى تسويق رواية الجيش الإسرائيلي وترويج المغالطات الإسرائيلية، والمفاهيم والمصطلحات التي تدين المقاومة وتصفها بالمعتدي على أمن دولة “إسرائيل”، وتصف الحق المشروع في المقاومة ب “الإرهاب ” وتنشر صورا خادعة عكس ما يجري على الأرض، لحشد المزيد من الدعم والتعاطف مع هذا الكيان الغاصب للأرض والقاتل للأطفال والنساء وبالتالي التغطية على جرائم الاحتلال.

والواقع أن جزء كبيرا من هذا الإعلام سقط مرة أخرى في امتحان المهنية ومنه العربي، كلما تعلق الأمر بالقضية الفلسطينية باعتبارها واحدة من أعدل القضايا عبر التاريخ، من خلال الانحياز للرواية الإسرائيلية المضللة دون الرواية الفلسطينية، وبالتالي جعل الضحية والجلاد في كفة واحدة، وهذا أمر طبيعي لان للكيان الصهيوني إرثا ضخما في السياسة الدعائية لتزييف الحقائق وقلبها من خلال السيطرة على منابع الإعلام الدولي وتوجيهها (وكالات أنباء، فضائيا، صحف… ) وكذا التأثير في جزء كبير من الإعلام العربي، هذا التأثير الذي تعاظم بشكل لافت مع بداية مسلسل التطبيع العلني مع مجموعة من الدول العربية.

فالسلطات الإسرائيلية قامت بحملة إعلامية ضخمة بمحتوى نصي وبصري وانفوغرافيكس وبلغات مختلفة، لتضليل الرأي العام، والتأثير على نفسية ومعنويات الشعب الفلسطيني، وهي تدرك أن المعركة الإعلامية تلعب دورا هاما في السياسة وفي المفاوضات وفي إملاء شروط الهدنة، فكانت أولى تحركاتها هي شن حرب نفسية كبيرة على الشعب الفلسطيني وقصف وتدمير العديد من الأبراج التي تحتض مؤسسات إعلامية محلية ودولية لحجب كامل الحقيقة عن العالم.

لكن الملفت في هذا العدوان على الأراضي الفلسطينية أن المعادلة تغيرت كثيرا، وأن المقاومة الفلسطينية بما تملك من مصداقية وشرعية أدركت هي الأخرى أهمية الحرب الإعلامية ووجهت ضربات محكمة في هذا الباب للداخل الإسرائيلي، من خلال بث صور وأشرطة للعمليات العسكرية النوعية التي قامت بها في العمق الإسرائيلي رغم الفارق الكبير في حجم الإمكانيات المادية واللوجستيكية.

تدمير لإخراس الصحافيين.

لقد أدركت إسرائيل من خلال عملياتها العسكرية المتواصلة على غزة، أهمية إخراس وسائل الإعلام بهذه المدينة الصامدة حتى لا تنقل الصورة كاملة على ما يجري على الأرض للرأي العام الدولي، وبالتالي كشف جرائمها أمام العالم، وكذا التقليل من حجم ضربات المقاومة، لذلك دمرت برجي الجوهرة والجلاء ومباني كانت تضم عشرات مقرات القنوات التلفزية المحلية والوطنية ومقرات أخرى لوسائل إعلام دولية وكما قامت باعتقال مجموعة من الصحافيين بالضفة الغربية أثناء قيامهم بمهامهم، حيث أحصت نقابة الصحافيين الفلسطينيين ما لا يقل عن 27 صحفيا وعاملا إعلاميا معتقلا لدى السلطات الإسرائيلية (حصيلة مؤقتة )، كما تم قصف أكثر من 25 مؤسسة إعلامية محلية وعربية ودولية.

وفي تقاريرها اليومية عن وضع الصحفيين بالأراضي الفلسطينية، كشفت نقابة الصحافيين الفلسطينيين استهداف الجيش الإسرائيلي بشكل مباشر للصحافيين العاملين بمختلف المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية، حيث أكدت إصابة العشرات (أزيد من 50 صحافيا) منهم نتيجة تعرضهم لطلقات مباشرة بالرصاص الحي والرصاص المطاطي، وتعرض العديد منهم للضرب المبرح بأعقاب البنادق والرفس والسحل وغيرها من الاعتداءات.

وأمام هذا الوضع عبر الاتحاد الدولي للصحافيين عن تضامنه مع جميع الصحافيين الفلسطينيين والصحافيين الدوليين العاملين في فلسطين الذين تم استهدافهم، داعيا إلى تحرك دولي عاجل لمحاسبة إسرائيل على استهدافها المقصود للصحافيين والمؤسسات الإعلامية.

وأشار الاتحاد في بلاغ له، إلى أنه تم تدمير مكاتب المؤسسات الإعلامية بالكامل مثل الوكالة الوطنية للإعلام، صحيفة فلسطين، قناة العربي، قناة الاتجاه العراقية، قناة النجباء، القناة السورية، قناة الكوفية، قناة المملكة، وكالة APA، وكالة سبق 24، البوابة 24، منتدى الاعلاميين الفلسطينيين، المنتدى الفلسطيني للحوار الديمقراطي والتنمية، كما تضررت مكاتب قناة الجزيرة التي تقع في بناية مجاورة للبناية المستهدفة.

وهكذا فإن استهداف الجيش الإسرائيلي لهذه المؤسسات الإعلامية يوضح القصد الجنائي للاحتلال الصهيوني الذي يصادر الحق في الرأي والتعبير ويقتل الأطفال والنساء ويشرد الأسر، كما أنه يولد قناعة لدى كل متتبع أن إسرائيل تحاول تضليل العالم وحجب الرؤية عن الجرائم التي ارتكبها جيشها وعصاباتها بكامل فلسطين.

فالعدوان الإسرائيلي على فلسطين كشف أن الصحافيين وحرية الصحافة من أول المستهدفين في هذه الحرب، نظرا للأدوار التي تقوم بها في نقل الصور للعالم الذي يتحرك لعزلها دوليا. ولعل أصدق تعبير عن هذا الاستهداف ما جاء على لسان وليد العمري مدير مكتب الجزيرة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في تصريح لوكالة لفرانس برس بعد تدمير برج الجلاء “هذه جريمة تضاف الى الجرائم الإسرائيلية، من الواضح أن هناك قرارا (إسرائيليا) ليس فقط بنشر الدمار والقتل وإنما بإسكات الصوت الذي ينقله وهذا مستحيل “.

تواطؤ الفايسبوك

مواطنون مغاربة وعرب وجدوا أنفسهم مفعلين لخاصية الإعجاب لعشرات الصفحات الإسرائيلية الدعائية على التويتر والفايسبوك دون علمهم بهذا الأمر، في انتهاك خطير لخصوصيتهم ولحقوقهم، بعض هذه الصفحات تجاوزت 76 مليون متابع ومتابعة عبر العالم في شكل تضليلي واضح، وبالخصوص استهداف النشطاء عبر العالم الذين يتعاطفون مع نضالات الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة.

زاهية ناشطة حقوقية من المغرب كتبت تدوينة حين نبهها أحد أصدقها عن تواجد اسمها بصفحة بالفايسبوك وصل عدد متابعها ازيد من 77 مليون متابع ” نبهني صديق اليوم عبر المسنجر بهذه الصفحة الصهيونية (نشرت صورة للصفحة)، حيث يتواجد اسمي وصورتي ضمن المعجبين بها وزر الإعجاب مفعل “.

وأضافت زاهية ” هذه الصفحة تروج لجرائم الصهاينة وتدعو لدعمهم بمباركة ومساعدة الفايسبوك “. ” أدين هذا السلوك الجبان، وأجدد تضامني في كل لحظة وفي كل حين مع الشعب الفلسطيني وفي مقاومته اليومية ضد ظلم وجبروت الكيان الصهيوني المجرم الغاصب لأراضيهم والقاتل للأطفال والأبرياء ” .

وعبرت زاهية عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني بالقول “أجدد جهري بالرفض لما يمارسه هذا الكيان على شعب أعزل باستعمال أسلحة فتاكة أمام أنظار المنتظم الدولي وسكوته على هذه الجرائم الفظيعة التي يمارسها هذا الكيان “. ” دعمي المطلق لفلسطين ولشعبها البطل، وسأظل هكذا ما حييت مدافعة ومساندة لهذا الشعب البطل ولكافة الشعوب المظلومة أمام آلة الاستيطان والاستعمار “.

أما خالد ناشط ومدون هو الآخر وجد نفسه في مفعلا لخاصية الإعجاب لنفس الصفحة فكتب ” في سياق الحرب الإعلامية البغيضة التي يشنها الصهاينة وعملاؤهم عبر العالم، باعتبارها أداة بروباغندا لتصريف أزمات الكيان الصهيوني والتعتيم على ما يرتكبه من مذابح ومجازر في حق الشعب الفلسطيني في وطنه التاريخي من البحر إلى النهر، تفاجأت مؤخرا شخصيا شأني في ذلك شأن مجموعة كبيرة من نشطاء الفايسبوك المناضلين، الذين لهم نفس الموقف المبدئي واللامشروط الداعم والمساند للمقاومة الشعبية والكفاح المسلح الفلسطيني، بإقحامي ضمن لائحة المعجبين بصفحة على الفايسبوك تحت اسم: “Jérusalem prayer team”

وكتب خالد “أنفي شخصيا نفيا قاطعا وجازما أية علاقة لي بهذه الصفحة، وأؤكد أنه لم يسبق لي أن سجلت أي إعجاب بها وأي تفاعل لي معها وأنه لم أكن أعرف أصلا بوجود هاته الصفحة على الفايسبوك، وفي أي موقع من مواقع التواصل الاجتماعي، “.

وعبر خالد بشدة عن إدانته لهذا العمل قائلا ” أدين بشدة هذا العمل الجبان الذي يعبر عن الانحطاط الأخلاقي والسقوط المدوي للفكر الصهيوني وأبواقه الدعائية الكاذبة والخادعة للرأي العام العالمي والشعوب الحرة، وأجدد التزامي الأخلاقي والمبدئي بالثبات على مبدأ الانحياز التام والكامل للقضية الفلسطينية، باعتبارها قضية تحرر وطني للشعب الفلسطيني الباسل “.

أما محمد ناشط ومدون مغربي فككتب ” خطير.. صفحة تدعم الصهيونية من خلال قرصنة حسابات بمساعدة الفايسبوك ” مضيفا ” مجموعة من الاصدقاء تفاجأت بدعمهم لهذه الصفحة (في إشارة إلى الصفحة السابقة) حيت وصلت الى 76 مليون إعجاب والهدف هو تبيان بأن الصهاينة هم الضحية في هذه الحرب “.

“هذه فضيحة بكل المقاييس ” تقول ناشطة من فلسطين وجدت اسمها مدرجا بنفس الصفحة التي تلبس لبوسا تجارية تارة وتارة أخرى لبوسا خيرية، ولكن هدف هذه الصفحة هو الدعاية للحركة الصهيونية عبر العالم وتبيض وجهها البشع من خلال التواطؤ مع شركة فايسبوك المالكة لعدد من منصات مواقع التواصل الاجتماعي.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...