سوق الساعات الإضافية ببني ملال.. التجارة في الأحلام

   – ملفات تادلة 24- عبد اللطيف مرتضى

يحتشد تلميذات وتلاميذ من أعمار متفاوتة أمام أحد مراكز الدعم والتقوية على شارع الحسن الثاني بمدينة بني ملال، بوجوه شاحبة بأثر الصيام وعيون كلها أمل في اجتياز عقبة هذا العام الدراسي الذي جاء مختلفا عن سابقيه بسبب جائحة كورونا، ينتظرون الالتحاق بالمركز للحصول على حصص دعم في المواد الأساسية خاصة العلمية منها. ومع اقتراب نهاية العام الدراسي تسابق الأسر المغربية الزمن لتدرك نجاح أبنائها عبر ضخ أموال ضخمة في جيوب أصحاب مراكز الدعم أنهكت الآباء والأمهات.

أمل النجاح

أنس (اسم مستعار) تلميذ يتابع دراسته في السنة الثانية باكالوريا بالثانوية التأهيلية الحسن الثاني، في تصريح لجريدة ملفات تادلة قال إنه لجأ لحصص الدعم بهدف تعزيز مكتسباته الدراسية في القسم نظرا لضعف جودة التعليم داخل الصف، مرجحا ذلك لمجموعة من الاعتبارات  على حد قوله.

ويعتبر أنس أن الساعات الإضافية أصبحت ضرورة لابد منها، لكن البعض الآخر يكون مجبرا عليها بسبب إلحاح بعض الأساتذة. مضيفا “أنا شخصيا يدرسني أستاذ في مادة الفيزياء يفرض علينا تأدية مبلغ 300 درهم شهريا (ثمن الساعات الإضافية) مقابل نقط جيدة في الفروض. وأضاف قائلا “الساعات الإضافية عند أستاذ غير أستاذ قسمك، يعتبرها هذا الأخير حيفا في حقه وبالتالي تولد حزازات داخل القسم.”

حال أنس لا يختلف كثيرا عن “جوهرة” وهي أيضا تلميذة في نفس الصف، قالت إنها مجبرة على الساعات الإضافية في ظل غياب أجواء ملائمة داخل القسم، بسبب كثرة التلاميذ داخل القسم والتي تفوق أحيانا الأربعين تلميذا. بالإضافة إلى التفاوتات الموجودة بينهم في قدرة الفهم، فضلا عن الحيز الزمني المخصص للدروس خاصة العلمية منها التي تحتاج الى تركيز كبير.

وحسب جوهرة فإن “مواد الرياضيات والفيزياء وعلوم الحياة الأرض، هي من المواد الأساسية التي تستوجب الساعات الإضافية، لكل تلميذ يرغب في الحصول على معدلات مرتفعة، بالنظر إلى المعامل المرتفع لها والذي يؤثر بشكل كبير في المعدل العام للسنة. هذا الأخير نراهن عليه من أجل التسجيل في كليات الطب والصيدلة ومدارس الاقتصاد والتيسير التي تتطلب معدلات مرتفعة تصل أحيانا إلى 20/18”.

’’مهنة‘‘ الدعم الدراسي

في اعتقاد “مراد” وهو شاب في الثلاثينيات حاصل عل الإجازة من كلية العلوم، أن الساعات الإضافية جد مهمة للتلاميذ خاصة في ظل ظروف هذه الجائحة التي زادت الوضع صعوبة وأصبح الزمن المدرسي جد محدود بسبب النظام المعتمد الجديد للتعليم بالتناوب أو عن بعد في الكثير من الأحيان.

ومن خلال الساعات الإضافية أيضا يعزز التلميذ مكتسباته، ليحظى معظم التلاميذ بفرصة التطرق لبعض المحاور التي لم يستوعبها بشكل كبير داخل الفصل، كما تتيح له الفرصة أمام التلميذ لمراجعة دروسه وتثبيت معلوماته.

وحسب ذات المتحدث فإن التلاميذ أمام نارين: مشكل الجائحة ونظامها التعليمي الجديد من جهة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الألعاب التي تسرق أو تضيع الكثير من الزمن المدرسي من جهة ثانية. فلا يبقى أمام التلاميذ سوى اللجوء إلى حضن الساعات الإضافية لمواكبة المقرر واجتياز امتحاناتهم بنجاح.

الساعات الإضافية.. المنقذ من الفشل؟ !

يعتبر هشام، وهو أستاذ للتعليم الثانوي بسوق السبت، أن انتشار ظاهرة الساعات الإضافية راجع لعدة أسباب من بينها المستوى الضعيف للتلاميذ خاصة في المواد العلمية وهي نتيجة للفشل الذي راكموه طيلة مسارهم الدراسي، مما يدفع الآباء لدفع أموال كثيرة لإنقاذ أبنائهم من الفشل خاصة في المستويات الإشهادية.

ويضيف هشام أن الظاهرة انتشرت مؤخرا حتى في صفوف تلاميذ المستويات الابتدائية سواء الذين يتابعون دراستهم بالمدارس العمومية أو الخاصة، وهذا ما يطرح علامة استفهام كبيرة حول دور المدرسة والزمن المدرسي والأطر التعليمية والأسر في هذا الصدد.

سبب آخر لانتشار هذه الظاهرة حسب هشام، هو لجوء بعض الأساتذة للعمل في هذه الساعات خارج أوقات عملهم طبعا. مما فتح المجال أمام الجميع لامتهان ساعات الدعم والتقوية، لنصبح أمام سوق تجاري للساعات الإضافية بأثمنة خيالية، والمتضرر في هذا الاحتكار هو الأسر التي لا حول لها ولا قوة أمام هذا الجشع على حد قوله.

وقال هشام إن المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود والتي تتطلب معدلات مرتفعة لا دخل لها في الأمر، لأن المعدلات أيضا لا علاقة لها بالساعات الإضافية في نظره. وأضاف هشام “لكي لا نفقد المدرسة العمومية جوهرها فهناك تلاميذ وتلميذات متفرقون بمعدلات مرتفعة بدون ساعات إضافية، المسألة في نظري نفسية واجتماعية لأن أغلب الأسر التي تتبنى الساعات الإضافية لم تكن متابعة لأبنائها منذ السنوات الأولى ولم تواكب هؤلاء التلاميذ حتى وصلوا لمستويات إشهادية وهم مطالبون بالحصول على معدلات عالية، تلجأ هذه الأسر إلى الساعات الإضافية كوسيلة لإنقاذ أبنائها من الفشل”.

كما نوه هشام بالدور الكبير الذي تلعبه الأطر التعليمية وإن كان هناك بعض التراخي من البعض، فإن أغلب الأساتذة يقدمون حصص للدعم لتلامذتهم مع اقتراب الامتحانات، في إطار برنامج للدعم تسطره الوزارة الوصية مع اقتراب نهاية كل موسم دراسي بمذكرات وزارية، وهناك من الأطر التعلمية من يقدمها خارج أوقات عمله أيضا.

وحسب هشام فإن الحل في نظره هو تقنين هذه الساعات الإضافية والضرب بيد من حديد على كل من يتاجر بآمال وأحلام الأسر المغربية وبالمزايدات المالية كأننا في سوق لبيع السلع وليس لطلب العلم، خاصة مع تزامن هذا الموسم الدراسي مع مخلفات جائحة كورونا والتي مازالت تنهك جيوب الأسر المغربية، فما بالك بمطالبتها بتوفير مبالغ شهرية لساعات الدعم قد تتعدى مدخولها الشهري.

سوق المضاربات

ويشهد سوق الساعات الإضافية مع اقتراب اختبارات نهاية السنة ارتفاعا في العرض والطلب، خاصة في المستويات الإشهادية، كما تختلف الأثمنة من أستاذ إلى أخر، منهم من يختار الآداء شهريا ومنهم من يطالب “زبناءه” بالآداء في كل حصة.  حيث  تتراوح بين 300 درهم إلى 500 درهم شهريا للمادة بالنسبة للأفواج.

ويختلف الأمر بالنسبة للساعات الفردية التي تكون غالبا في منزل التلميذ، حيث تصل إلى 1500 درهم لكل مادة وبمعدل 8 حصص في كل شهر

.

وهذا حسب ما استقته جريدة ملفات تادلة من التلاميذ والقائمين على هذه الساعات بمختلف أحياء المدينة.

ويجمع غالبية الآباء على أن ما يتلقاه أبناءهم داخل الفصل الدراسي غير كافٍ بالنظر إلى الوتيرة السريعة التي لا تتناسب مع مستويات فهم أبنائهم للدروس المقدمة داخل الفصول الدراسية، إضافة إلى عامل الوقت والاكتظاظ اللذان يؤثران سلبا على فهم وتركيز التلميذ، حيث أكدت “رشيدة” وهي أم لتلميذ يتابع دراسته بالثانوي التأهيلي، أنها أرغمت ابنها على ارتياد مدرسة خاصة للدعم كي يعزز مكتسباته ويطور قدراته التعليمية عندما لاحظت تدنيا في معدلاته في الدورة الأولى.

ويعتقد أغلب الآباء من مختلف الشرائح الاجتماعية، أن الساعات الإضافية لأبنائهم باتت ضرورة ملحة في الوقت الراهن، من أجل تحقيق النجاح بمعدل مرتفع لضمان مقعد داخل المؤسسات العليا، مع اعتماد عتبة الانتقاء كشرط أساسي لولوج المعاهد العليا وكليات الطب والهندسة وغيرها من المؤسسات التعليمية ذات الاستقطاب المحدود.

 

 

تقنين الوزارة

وكانت الوزارة الوصية في فترة الوزير السابق “محمد حصاد” قد قررت،  في ماي  سنة 2017، الترخيص لأطر هيئة التدريس بإنجاز ساعات عمل إضافية بمؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي، وذلك حتى يتسنى للقطاع توفير حاجياته من الأطر التربوية المؤهلة من أجل سد خصاصه خاصة في سلكي التعليم الإعدادي والثانوي التأهيلي.

واعتبرت الوزارة آنذاك ، أن هذا الترخيص سيمنح فقط للأساتذة الذين يقومون بإنجاز ساعاتهم الكاملة في مؤسسات التعليم العمومي، مشيرة إلى أن هذا القرار جاء تطبيقا لمقتضيات المادة 13 من القانون 06.00 والتي تنص على أن “مؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي يجب أن يكون لها هيئة دائمة للتدريس بنسبة لا تقل عن 80 % غير أنه يجوز لهذه المؤسسات، في حالات استثنائية مبررة أن تستعين بمكونين أو مدرسين يعملون بمؤسسات التكوين أو التعليم العمومي أو الخصوصي بعد الحصول على إذن فردي من الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين المعنية، وذلك برسم كل سنة دراسية ولمدة زمنية محددة”

 

وسجلت الوزارة أن  القرار جاء حرصا من الوزارة على ضمان الحق في التمدرس لجميع التلميذات والتلاميذ ومراعاة لمبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، وانسجاما مع توصيات الرافعة الثامنة من الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...