عبدالله أطويل يكتب..ميداليات مبللة (عن “حريك الرياضيين)

 

طفت على صفحة “أنستغرام” إحدى فرق كرة اليد بعصبة الشمال، صورة للاعبه عدنان، بعد وصوله سبتة السليبة سباحة من الفنيدق. انهالت أسفل الصورة جملة تعاليق من لاعبي الفريق ومسؤوليه. عزا أحد مسؤولي الفريق، رحلة هذا الشاب لحالة عائلته المزرية، متمنيا له الاحتراف هناك والعودة لتمثيل منتخب بلاده في يوم ما، بينما ربط مدرب الفريق نجاح عدنان في السباحة على القهر، بالتداريب الشاقة التي تلاقاها بحضرته في تقوية عضلات ساعديه، على الأقل وإن لم تنجح في رمي كرات محشوة بالهواء نحو مرمى الخصوم، فإنها نجحت في ترويض الأمواج. ترددت الحكايات وتطاير شظايا ال”إيموجات” والاعجابات والقلوب تعليقا على مشجب الواقعة، انضم رئيس الفريق للمغردين، وعلق بلازمة “فبلادي ظلموني”، بعد أن أزال ربطة العنق، لأنها وهذه الأغنية لا يستقيمان. وقيل في رواية أخرى أن عدنان لا يزال يرابط على جنبات ملاعب سبتة، أملا في اقتناص فرصة سانحة لاحتراف يختصر عليه الركض وراء قطعة رغيف.

 

قبل عدنان، كان علي حبابا عميد فريق أمل أولمبيك اسفي لكرة القدم، انتقل على سبيل “الحريك”، أملا في انتقال حر، وما أن داب القارب بين عنان الأمواج بمعية زملائه حتى رمى بشارة العمادة، في بطن البحر. ولأن عقيدة الرياضة لا تصح إلا بتبني القدوة والمثال الحسن، فإن مريم بوعيد لاعبة منتخب النساء للكرة، اختارت لاعبين “حراكة” قدوة لها وسراجا منيرا. ورياضيون آخرون، على غرارها، ألقوا بميدالياتهم في غياهب البحر، وهم على مرمى رمية تماس من دخول الجزيرة الخضراء فاتحين.

 

طفت على أسطح وشرفات الموقع الأزرق، صورة نشرها أستاذ معتزل، كان في زمنه بعد من الراسخين في علم التاريخ والجغرافيا، حل ببلاد البرتقيز سائحا، فتحرشت به نوستالجيا المجد الأموي، وتراقصت بين تلافيف ذاكرته لازمة “البحر وراءكم والعدو أمامكم”، نشر صورة لخريطة الموحدين في أحد “السطوريات” مرفوقة بمقطع “مهمومة هذ الدنيا مهمومة”، رَمَّد تأشيرة السياحة وطال مقامه، ولسان حاله يردد أغنية الشاب خالد “سي لا بي”.

 

شاهد عيان من جيل الجالية، من الذين آمنوا بضرورة تغيير المنكر باللسان، أدلى بدلوه فور عودته من وراء البحر، حين جالس نفرا من أبناء دربه، ممن “يعصرون” عادة على قهوة “نص نص”، في أحد المقاهي الشعبية. تركزت نحوه الأنظار، وهو يقسم بأغلظ اليمين أنه شاهد بكلتا مقلتيه نادلا تركه هناك يمرر فناجين القهوة للزبناء، ويسدد ابتسامات مجاملة لآخرين، بعد أن كان بالأمس لاعبا ضمن أحد فرق تطوان يسدد القذائف نحو مرمى الخصم، ويمرر لمهاجمين يفتقدون لذخيرة حية.

محطة إعلامية من الصنف الذي يلهث خلف “البوز”، سلطت فلاشاتها على أحدهم ويدعى “سيمو”. بعد أن وصلت أحد مقاطعه لنصاب “الطوندونس”، في “لايف” فيسبوكي تحدث عن هجرته سباحة، يقول أنه يتوفر على دبلوم تدريب من الاتحاد الافريقي. “سيمو” يطرد الملل بتدريب المهاجرين، وتلقينهم مبادئ التوغل في معترك عمليات الأنصار، لتفادي الوقوع في مصيدة التسلل وترحيل العودة.

 

اللجان الأولمبية والجهات و”الزوايا” المسؤولة عن تكوين الرياضيين الأولمبيين، عادة ما تصرف ميزانيات محشوة بكثرة الأصفار بعد الرقم تسعة. ثم تجتمع تلك الأصفار كحصيلة عند عد الميداليات، حين تتهدم خيام الأولمبياد، وتختتم المسابقات بمداد قابل للتبخر.

المسؤول عن “التنقيب”، يعد مصابا بعوز النظر، حين يصرف أنظاره عن “حراكة”، يجيدون السباحة، والقفز بالزنى، وركوب الأمواج، والنط على الجدران، وتخطي الأسلاك الشائكة. قد تلازمهم صفة “رياضي”، لكن مع وقف التنفيذ، حيثما غاب وكيل أعمال، أو منقب معتمد يزيل عنهم نقاب البؤس والقهر.

لا نحتاج لمنقبين ووكلاء يبحثون في سجلات وتواريخ الرياضيين لتمثيل المغرب، ولكن نحتاج لمسؤولين يستوعبون مغزى “هب فتاك لب نداك”. لا نحتاج لمعطر جو نرشه عندما تزكمنا روائح الفضائح، وإنما نحتاج لتعقيم أكبر، ونشر الجيوب تحت شمس الوطن الحبيب.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...