خالد البكاري يكتب … زعزاع : الطريق قبل الرفيق..

 -خالد البكاري- 

فجر الثلاثاء 11 ماي 2021 يغادرنا عبد الله زعزاع إلى الأبدية،، كنت عائدا من القصر الكبير بعد أن شاركت في مهرجان تضامني مع الصحافيين سليمان الريسوني وعمر الراضي، عائدا بكثير من الأمل الذي عادة ما تمنحه لنا المدن الصغيرة وبلدات الهامش، نحن المصابين بلوثة المركز.

وفي طريق العودة، وباكرا جدا وصلني الخبر الحزين لرحيل عبد الله،، لم يكن عبد الله بالنسبة لنا ـ نحن الذين لسنا من مجايليه ـ ذاكرة لليسار الجديد السبعيني فقط، كما كثيرون، بل كان واحدا يشبهنا، لكنه أكثر منا قدرة على التقاط الآتي.

كان زعزاع مخلصا لسؤال: ما العمل؟ أكثر من انشغاله بسؤال: ماذا حدث؟

مرة سألته عن سر عدم انخراطه في النقاشات حول التأريخ لسيرة اليسار السبعيني، وحكايات الزمن المسمى ” جمرا ورصاصا”، إلا إذا كان جوابا عن أسئلة صحافية، فكان جوابه أنه سيكتب شهادته التي تحكي ما حدث من موقعه كذات فردية، لا تدعي إطلاقية، ولا تنخرط في خصومات الذاكرات، لأن ذلك حق الأجيال القادمة عليه فقط، وليس لغاية أخرى، وفي انتظار ذلك “فإن هناك الكثير مما يجب فعله، قبل أن تأتي اللحظة التي لا يستطيع فيها الذهن والجسد الاستجابة لما يجب فعله”.

Le combat d’un homme de gauche كان هذا اسم الكتاب الذي ضمنه سرديته لما حدث، وقد ترجم عديدون العنوان ب” معركة رجل من اليسار”، لكني بعد الانتهاء من قراءة هذه الشهادة، قلت إنها “معركة إنسان يساري” وليست “معركة رجل من اليسار”.

كان للفقيد قدرة كبيرة على التجاوز حين يظهر له أن الأمور لم تسر كما ينبغي، أو لنقل إن النوستالجيا عنده كانت تتجه للأمام، ولا تعود للخلف. وكأن حنينه للقادم وليس للماضي.

وهذا ما يفسر أمرين بالغي الدلالة في سيرته:

كان الأقرب إلى الشباب من بين كل جيله.

وكان الأسرع في التقاط التحولات، وترجمة تفاعله معها ميدانيا، فعبد الله يلزم أن نقرأه في الحركة، لا في الثبات، في الميدان، لا في التنظير.

حين خرج من السجن، لم يرتكن لاستراحة محارب، هي حق له على أي حال، بل انخرط في محاولات تجميع اليسار الجذري بتعبيراته المختلفة، وإخراج صوت إعلامي يصاحب هذه الدينامية ( جريدة المواطن، ثم حرية المواطن بعد توقيف المولود الأول)، لكنه لم يبق في محطة مطاردة حلم توحيد يسار استسلم لقدرية انشقاقاته، وانعطف بكل قناعاته اليسارية في تجارب داخل حقل المجتمع المدني قائمة على الاقتراب من المواطنين، قبل حتى أن ينتشر مصطلح “سياسة القرب” ذو الحمولة المحايدة التقنية.

جرب الانطلاق من القاعدة: جمعية الحي (الميتر بوشنتوف)، ثم المشاركة في الانتخابات المحلية، ولكن بعيدا عن أوهام التغيير من داخل المؤسسات، فكأنه ـ وهو يصرح بقناعاته الجمهورية والعلمانية في ذروة الحملة الانتخابية ـ، يخوض الانتخابات بأفق المقاطعة لا المشاركة.

مقاطعة نسق سياسي وقيمي ومؤسساتي، ومقاطعة للمرجعيات التأسيسية والشرعية للسلطة/ النظام.

ويبقى السؤال: كيف استطاع أن ينتزع مقعدا، ويكسب أصوات قاعدة يفترض أنها محافظة بخطابه الصادم سياسيا وإيديولوجيا؟

لعل في الأمر جانبا آخر، إنه الصدق الذي لمسه من صوتوا له.

في جنازته حكت إحدى النساء التي شاركت في حملته الانتخابية، وقد وثقت به من خلال عملها معه في جمعية الحي، أنه كان يصر على أن ترافقه في جولاته بين البيوت، لأنه يريد أن يفتح نقاشا مباشرا مع النساء، لمعرفته بأعراف حي كبر بين أسره. وكان يقول: إن جزء كبيرا من مشروع التغيير يمر من قناة مساعدة النساء على أخذ زمام أمورهن بأنفسهن.

اقترب من الحركة الوطنية، ومال للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وانخرط مبكرا في اليسار الجديد الجذري، ثم المجتمع المدني، فالحركات الاجتماعية.

انخرط في دينامية 20 فبراير من موقع المشاركة الميدانية دون أي شكل من أشكال الوصاية الأبوية، وبالمثل ناصر حراك الريف فعلا لا قولا وبيانات.

حضر في مسيرة 20 يوليوز بالحسيمة، ثم في جنازة الشهيد عماد العتابي، وظل بيته مفتوحا لأسر معتقلي الحراك الشعبي بالريف بالأيام والشهور المتتابعة، وكأنه يكمل ما بدأه من تضامن سابق حين كان من أوائل المتواجدين بالحسيمة خلال زلزال 2004.

ولأن الذاكرة لا تشتغل بتتابع كرونولوجي، أذكر أن أول لقاء لي به، بعد أن كنت أسمع عنه الكثير، لم يحصل سوى في 1998 إذا لم تخني الذاكرة، ويومها طلب مني أن نتبادل البريد الاليكتروني.

لم أكن أتوفر حينذاك على إيمايل، ولا أفقه في تكنولوجيا المعلوميات والاتصال إلا النزر القليل (ولا زلت)، وأنا شاب في بداية مشواره المهني، وبالكاد حصلت على دبلوم الدراسات المعمقة، فيما ” الشيخ” العصامي المنتصب أمامي تجاوزني في التفاعل مع أدوات العصر الحديثة.. أختم بهذه الواقعة التي تؤكد أن عبد الله زعزاع هو الطريق الذي كان يسبق الرفيق.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...