حوار/ عبد الرحمان عاجي: العمل النقابي بالمغرب يعيش أزمة خانقة وهذه مقترحات حلول.

   – ملفات تادلة 24 – 

نشرنا في النسخة الورقية لجريدة ملفات تادلة الذي صادف تخليد ذكرى فاتح ماي لهذه السنة، حوار مع عبد الرحمان عاجي، الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية بجهة بني ملال خنيفرة،  في إطار ملف أعددناه حول العمل النقابي بالمغرب والأفاق المستقبلية.


في هذا الحوار يحاول عاجي تشخيص واقع وجوانب أزمة العمل النقابي في بلادنا مع تقديم مقترحات حلول للخروج منها.

حاوره: محمد تغروت

  • بالنسبة لكم ومن موقع مسؤولياتكم بالمركزية النقابية الاتحاد المغربي للشغل، قطاع الجماعات الترابية، كيف تقيمون واقع الحركة النقابية بالمغرب؟ ومن تم هل الحركة النقابية المغربية بخير؟

شكرا لجريدة ملفات تادلة على دعوتها الكريمة، بداية لا بد من التأكيد على أن مشاركتي هاته جاءت نزولا عند رغبتكم ودعوتكم لي شخصيا بالرغم من كوني- وإن كنت مسؤولا نقابيا وطنيا في قطاع الجماعات الترابية – لست المسؤول الأول بجهة بني ملال خنيفرة أو إقليم بني ملال بالنسبة لمركزيتنا النقابية الاتحاد المغربي للشغل، ولهذا فمشاركتي ستكون في حدود مسؤوليتي عضوا باللجنة الإدارية الوطنية والمجلس الوطني للجامعة الوطنية لعمال وموظفي الجماعات المحلية العضو بالاتحاد المغربي للشغل وكذا كوني الكاتب العام  الجهوي لنفس الجامعة.
وعليه فمن موقع مسؤوليتي هذا سأحاول قدر المستطاع الإجابة على أسئلتكم بخصوص واقع وآفاق الحركة النقابية من منظوري كناشط نقابي منتمي للاتحاد المغربي للشغل، علني أتوفق في تبيان رؤية مركزيتنا النقابية للموضوع المطروح.
وجوابا على سؤالكم، هل العمل النقابي بالمغرب بخير؟
أرى أن العمل النقابي بالمغرب يعيش أزمة خانقة لا تخطؤها العين، هذه الأزمة تنقسم إلى شقين موضوعي وذاتي، وقبل الشروع في هذا التشخيص أود التنبيه إلى أن إثارة أعطاب وأمراض الحركة النقابية بالمغرب وبالصراحة اللازمة، لا يسعى إلى التيئيس أو التحامل على النضالات العمالية وتبخيس دورها في الصراع الذي تخوضه من موقعها دفاعا عن مصالح العمال والمأجورين والمقهورين.
بل يهدف أول ما يهدف إلى محاولة تصحيح مسارها حتى تضطلع بأدوارها التاريخية ( أي الحركة النقابية) التي من أجلها قامت، والمتمثلة أساسا في القضاء على الاستغلال والاستبداد والقهر والفقر الذي ترزح تحت نيره الطبقة العاملة المغربية وعموم الكادحين.
وبالرجوع إلى تشخيص أعطاب الحركة النقابية الموضوعية منها والذاتية نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
العوامل الموضوعية وفي هذا الباب، تجدر الإشارة إلى أن أي محاولة لتشخيص العوامل والأعطاب الموضوعية لأزمة الحركة النقابية المغربية المتمثلة أساسا في التضييق والقمع الممنهجين المسلط من طرف النظام القائم واعتماده سياسة « فرق تسد» لتشتيت الحركة النقابية شيعا وقبائل والدفع في اتجاه التفييء، بسن ترسانة قانونية لذلك، وكذلك انحصار وتقلص القاعدة النقابية للنقابات (إذ أن نسبة التنقيب تنخفض سنة بعد أخرى…). فأي محاولة للتشخيص إذن ينبغي أن تستحضر أهم التغيرات التي تعرفها الرأسمالية وانعكاسات ذلك على الحركة النقابية بشكل عام، حيث نجد أنه، لا الدولة باتت بنفس حمولة وصلاحيات الأمس (منظمة التجارة العالمية، اتفاقيات التبادل الحر، صندوق النقد الدولي، البنك العالمي، البنك الأوروبي للإنماء…) ولا العلاقات الشغلية ظلت على ما كانت عليه بالأمس، وبالتالي فإن هذه التحولات التي يجري على أرضيتها النضال والفعل النقابي اليوم تستدعي الحاجة إلى تجديد آليات وأدوات وأشكال النضال النقابي، وإلا فإن مصير الحركة النقابية سيكون لا محالة هو الشلل وفقدان القواعد للثقة في العمل النقابي الكلاسيكي، ونخشى أن تكون بوادر ذلك قد بدأت تلوح في الأفق.
ولوضع اليد على هذه الأعطاب بتركيز سنسوق ما يلي:
-سعي النظام الحثيث والدائم للتحكم وتلجيم الحركة النقابية والتضييق على المناضلين الصادقين (الفصل 288 المشؤوم من القانون الجنائي) وزرعه لبدور التشتت والتفرقة من أجل تكسير وحدة الطبقة العاملة وحلفائها الموضوعيين وتحويل دفعة الصراع إلى تطاحنات بين التنظيمات النقابية. ويحدث هذا منذ النشأة الأولى لأول نقابة بالمغرب وليس وليد اللحظة (كان ذلك سنة 1955) ومن سنة 1955 إلى سنة 1960، ولم تكن بالمغرب إلا نقابة واحدة هي الاتحاد المغربي للشغل وقد وصل عدد منخرطيها حوالي 650 ألف عضو، وقد وصلنا حاليا إلى ست مركزيات نقابية والعديد من النقابات الوطنية.
-نفور الشغيلة من العمل النقابي وتقلص قاعدة المنخرطين بالنقابات جراء توظيف النظام لكل طاقته السياسية والإديولوجية والإعلامية …حتى يظل هو الفاعل الأساسي المتحكم في أوضاع الطبقة العاملة وعموم المقهورين والمستغلين (بفتح الغين)
-تفكيك قانون الوظيفة العمومية بسن قوانين خاصة بكل فئة على حدى داخل قطاعات مختلفة بهدف تشتيت العمل النقابي داخل قطاع، بل وداخل كل فئة كذلك (الهيئات المشتركة بين الوزارات…) وكذا فصل القطاعين العام والخاص عن بعضهما بإصدار قوانين ومراسيم لهذه الغاية.
-خلق منظمات مهنية موازية للنقابات للحد من العمل النقابي وكذلك في كل المجالات والمهن والقطاعات (جمعيات منتجي كذا وكذا، جمعيات الفئة كذا وكذا…) وبالتالي توقيف “عدوى” انتقال العمل النقابي إلى الفلاحين الصغار والمنتجين والعمال الزراعيين والمهنيين والحرفيين والقطاع غير المهيكل ونفس الشيء لقطاع الخدمات (عمال المقاهي والفنادق والسائقين…)
– خلق ما يسمى زورا “المنتخبون المستقلون” في اللجان الثنائية ومندوبي المأجورين ودعمهم بكل الوسائل الملتوية من أجل سحب بساط تمثيلية النقابات للعمال والمأجورين وإظهار النقابات بمظهر الوهن والضعف حتى يتسنى للنظام التحكم في مصير العمال والموظفين والمأجورين.
– خلق العمل بالعقدة وشرعنته، حتى داخل القطاعات العمومية الواقعة تحت مسؤولية الدولة، وذلك بهدف ضرب الحق في الاستقرار الوظيفي والمهني، خدمة للرأسمال المحلي والأجنبي، ومن أجل جني المزيد من الأرباح، مقابل تكثيف الاستغلال (المياومون وعمال النظافة والحراسة والطبخ والبستنة وجمع الأزبال.. في قطاعات عمومية كالصحة والتعليم والعدل والجماعات الترابية).
تشجيع قيم الفردانية والريع النقابي والامتيازات … في أوساط الموظفين والعمال بهدف تبخيس العمل النقابي والتشكيك في جدواه، وفي القيم النقابية الإنسانية، التي يدافع عنها النقابيون المخلصون لقضايا الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية، بل وتلفيق تهم جنائية (الفصل 288 من القانون الجنائي) للنقابيين والنقابيات من أجل النيل منهم وتركيعهم، لتسهيل المزيد من استغلال الطبقة العاملة.
-عدم فك الارتباط بين المركزيات النقابية ومؤسسات النظام، وتأثير ذلك على استقلالية القرار النقابي، قرار المصادقة على مخططات النظام في مجلس المستشارين…)
– تغذي أزمة الحركة النقابية من أزمة الحركة السياسية وأعطابها، التي تجترها هي الأخرى منذ نشأتها الأولى.

  • هذا عن العوامل الموضوعية، ماذا عن العوامل الذاتية؟

يمكن إجمال العوامل الذاتية لأزمة الحركة النقابية المغربية في إحكام البيروقراطية لقبضتها على الفعل النقابي، وتغييب الديمقراطية الداخلية وانتشار قيم الفردانية والانتهازية والبحث عن الريع، وكذا إلحاقية النقابي بالسياسي والحلقية الضيقة، بالإضافة إلى استطابة واقع التشتت والتفييء من قبل الفاعلين النقابيين وتتالي هزائم النقابات أمام الباطرونا بمباركة من النظام واستبدال آلية المفاوضات مع النقيض بالاكتفاء بدور الوساطة، مضاف إلى هذا كله تشبث القيادات النقابية البيروقراطية المتنفذة بالكراسي وأود أية عملية تروم تجديد الدماء أو تشبيب القيادات محليا وجهويا ووطنيا.
وللوقوف أكثر على ما يعتري ذات الحركة النقابية بالمغرب نورد ما يلي:
-ففي الوقت الذي يتغنى فيه الكل (المركزيات النقابية)، ب”وحدة الطبقة العاملة” ووحدة آلية دفاعها (النقابة) بل ويذهب البعض، إن لم يكن الجل إلى التأكيد على ضرورة أن يكون للطبقة العاملة المغربية أداتها السياسية (حزب الطبقة العاملة)، نجد العكس في الواقع، بحيث أنه لا لغة تعلو على لغة التشتيت والتفريخ والتفييء، هذا دون أن ننسى ما للعوامل الموضوعية المذكورة آنفا من دور في تغذية هذا الداء الذي يفتك بالطبقة العاملة ويضرب وحدتها في مقتل، وتنزيلا مشوها للشعار الخالد للطبقة العاملة «يا عمال العالم اتحدوا».
-تفشي البيروقراطية وتجدرها في الممارسة النقابية، داخل كل المركزيات النقابية وإقبار كل محاولة رامية إلى تسييد مبدأ الديمقراطية الداخلية، الذي من دونه يصادر القرار النقابي للقواعد وتكسر معارك بطولية خاضتها الطبقة العاملة، وبالتالي تتالى هزائمها (وهي في الواقع هزائم البيروقراطية)، وتفقد ثقتها في سلاح النضال النقابي، الكفيل وحده بصونه المكتسبات وتحقيق الحقوق وانتزاعها.
-اغتناء القيادات النقابية وشيخوختها وتشبثها بكراسي المسؤولية إلى حدود وفاتها، ضدا على كل الأعراف والتقاليد النقابية الدولية، بل وضدا على القوانين الأساسية التي تسنها هي بنفسها، إبان المؤتمرات الوطنية، وبالتالي حرمان الكفاءات النقابية الصاعدة من تقلد زمام القيادة.
-تفشي مرض الحلقية الضيقة وإلحاقية العمل النقابي بالعمل السياسي تنظيميا، حتى بات تقريبا لكل حزب سياسي نقابته الخاصة به، بل وأن لكل انشقاق سياسي تبعاته على المستوى النقابي، وقد شكلت في نظرنا مركزية الاتحاد المغربي للشغل منذ تأسيسها إلى اليوم، استثناءً، بالنسبة للإلحاقية الحزبية، بحيث تنشط فيها تقريبا قواعد من جميع الحساسيات السياسية المتواجدة في الساحة السياسية المغربية يمينية كانت أو يسارية بل وحتى إسلاموية، فيما تنشط أطياف من جميع الحساسيات اليسارية المغربية (غير المخزنية طبعا) داخل مركزية الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.
-تقصير المركزيات النقابية الملحوظ على مستوى تأطير العمال والعاملات والموظفين وعموم المأجورين، واستقالتها بشكل تام من تأطير المعطلين والفلاحين بدون أرض (مرتادي «الموقف»)، والمهمشين وممتهني المهن غير المهيكلة (الباعة الجائلين، ماسحي الأحذية، الحراس الليليين، حراس مواقف السيارات…)، اللهم بعض المبادرات، في هذا الاتجاه، والتي تتبقى محدودة في الزمان والمكان.
-اجتهاد القيادات النقابية في تقديم يد العون والمساعدة – حد التواطئ تارة- للباطرونا، من أجل لجم المعارك النضالية التي تخوضها الطبقة العاملة دفاعا عن حقوقها العادلة والمشروعة وصونا لمكتسباتها التاريخية (لعب دور الوساطة النقابية).
-إقدام المركزيات النقابية على نسج تنسيقات لحظية، فيما بينها، دون أفق واستراتيجية محددين، وهو ما يجعل منها تنسيقات هشة، قابلة للتفجير من طرف النقيض في أية لحظة. والأدهى من ذلك المنتسبون إلى هذ المركزيات على مستوى القطاعات ينسقون مع بعضهم البعض، كل حسب هواه، فيحدث أن تنسق مثلا إ.م.ش مع ك.د.ش وف.د.ش في قطاع الجماعات الترابية في حين ينسق كل طرف من الثلاثة مع إ.ع.ش.م، أو إ.و.ش في قطاع التعليم أو العدل أو الصحة.
-عدم ربط النضال النقابي بالنضالات الجماهيرية العامة، ذات السقف المفتوح من أجل مطالب اجتماعية وكذا الحرص الدائم على عزل الطبقة العاملة عن النضالات الشعبية (حركة 20 فبراير نموذجا)، بل والقبول برشوة تمثلت في زيادة 600 درهم للموظفين،
-تنظيم المركزيات النقابية لمؤتمرات وطنية تغيب فيها أدنى شروط الديمقراطية الداخلية، من التحضير إلى صدور البيان الختامي. والأنكى من ذلك تتم دعوة ممثلي الباطرونا لحضور هذه المؤتمرات، بل حدث إبان أحد مؤتمرات الك.د.ش أن تمت دعوة وزير الداخلية الراحل ادريس البصري (جلاد الطبقة العاملة وعدوها رقم 1 وعدو الشعب المغربي طيلة 25 سنة)، كل ذلك في انزياح تام عن وواضح عن مسؤولية الدفاع عن الطبقة العاملة ومحاولة تبشيرية لما بات يصطلح عليه ب»النقابة الموطنة» وفي تماهي تام مع الشعارات الرسمية «السلم الاجتماعي» و»تمتين الجبهة الداخلية والتخفيف من الاحتقان الاجتماعي…».
-غياب الإرادة لدى القيادات النقابية للتصدي للمخططات المدمرة التي تحاك ضد الطبقة العاملة، واكتفاؤها في المقابل بنضالات باهتة ومعزولة ضد كل مخطط مخطط (خطة إصلاح/ تدمير صناديق التقاعد نموذجا)، بحيث زايدت النقابات، على الأقل لغويا وشفاهيا، على بعضها البعض، فوصلت حد اعتبار تمريره (أي مخطط التقاعد) خطا أحمر، لكن عند ساعة الحسم، تم تقاسم الأدوار بين مصوت ضده ومنسحب ومصوت لصالحه، والشيء نفسه حدث في التعاطي مع القانون الاطار وقانون التعاقد (بالنسبة لقطاع التعليم)، ونعتقد أن الأمر لن يختلف بالنسبة للقانون التكبيلي للإضراب الذي يعد النظام العدة لتمريره.

  • في ظل الوضع النقابي الذي وصفتموه بالمأزوم، هل لديكم مقترحات للخروج من الأزمة؟

 

أعتقد أنه لا مناص من اقتناع الفاعلين النقابيين بأن المخرج من الأزمة الحالية، والتي عمرت طويلا، هو اعتبار وحدة صف الطبقة العاملة ضرورة ملحة، أكثر من ذي قبل، وأن التشتت (التعددية المفترى عليها) الفعل النقابي واستمراره لم يعد ممكنا، ولنا أمثلة في العديد من الدول الأكثر من المغرب من حيث تعداد السكان، والأكثر عددا على مستوى العمال والمأجورين، لكن نجدهم منتظمين في مركزية نقابية واحدة ويستطيعون تمثيل الطبقة العاملة وصون مكتسباتها وتحقيق مطالبها، ويبقى النموذج الأقرب للمغرب نوعا ما هو النموذج التونسي “الاتحاد العام للشغل بتونس”.

لكن، في اعتقادنا، فإن تحقيق وحدة صف الطبقة العاملة رهينا بالتصدي للبيروقراطية، حيثما وجدت، وداخل كل المركزيات النقابية والنقابات القطاعية، من طرف المناضلين الديمقراطيين المقتنعين بشعار “خدمة الطبقة العاملة وليس استخدامها”، هذا علما بأن محاولات في هذا الاتجاه لم يكتب لها النجاح سابقا، على الأقل داخل مركزيتين اثنتين (ك.د.ش وإ.م.ش)، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يُشعِر الديمقراطيين بالإحباط واليأس، بل يفرض عليهم المزيد من الإصرار لتحقيق أهدافهم الإنسانية النبيلة، من أجل استعادة القرار النقابي المصادر من يد الطبقة العاملة.

  • ربط نضالات الطبقة العاملة بنضالات الجماهير الشعبية من جهة، وبالنضالات العمالية إقليميا ودوليا، من جهة أخرى، وتأطير الطبقة العاملة وتنمية وعيها بأهمية واجهة النضال النقابي كواجهة لممارسة الصراع الطبقي ومواجهة الرأسمالية المتوحشة والنوليبرالية الساعة إلى تشييء وتسليع الإنسان لتحقيق المزيد من الربح وامتصاص دماء المقهورين والمهمشين على وجه البسيطة.
  • خلق جسور التواصل بين المناضلين الديمقراطيين الصادقين المنتمين لمركزيات نقابية مختلفة في نفس القطاع وكذا بين القطاعات، وإطلاق ديناميات نضالية موحدة داخل القطاعات، بتسطير معارك نضالية مشتركة على أرضية مطالب موحدة ونبذ التخوين والمزايدات النقابوية بينهم.
  • توظيف الهزات التي تعرفها البيروقراطية والاستغلال الأمثل لمواقع المسؤولية التي يتبوؤها المناضلون الديمقراطيون داخل مركزياتهم النقابية، خدمة لمصالح الطبقة العاملة، ومن أجل استعادة الثقة في العمل النقابي.

إذا كان إلى حد ما يمكن القبول بالتعددية السياسية الحقيقية وليس المصطنعة، فإنه من غير المقبول منطقيا ما تعيشه الحركة النقابية المغربية من تشتت تحت مسمى التعددية النقابية، تجسيدا لشعار الطبقة العاملة الخالد “يا عمال العالم اتحدوا”، ولأن التشتت النقابي/التعددية المزيفة، حتى لو تمظهرت بمظهر شرعية الاختلاف في الرؤى والمواقف النقابية، بل والتنافس النقابي في تقديم الأفضل بالنسبة للطبقة العاملة، فهي على العكس من ذلك أصل الداء الذي ينخر وحدة صف الطبقة العاملة، ويحول دون انتصارها على النقيض، ولنا أمثلة عديدة في هذا الشأن، فالقطاعات التي تتواجد بها نقابة واحدة استطاعت تحقيق ما عجزت عن تحقيقه قطاعات مشتتة تمثيلية العاملين فيها شيعا وقبائل بين النقابات.

التشتت النقابي/التعددية المزيفة، حتى لو تمظهرت بمظهر شرعية الاختلاف في الرؤى والمواقف النقابية، بل والتنافس النقابي في تقديم الأفضل بالنسبة للطبقة العاملة، فهي على العكس من ذلك أصل الداء الذي ينخر وحدة صف الطبقة العاملة، ويحول دون انتصارها على النقيض

أيضا نجد أن التنسيقيات –على اختلاف شأنها عن النقابات- استطاعت تحقيق المطالب التي من أجلها تأسست في أحيان عدة.

على المناضلين الديمقراطيين التقدميين النقابيين ربط النضال النقابي بالصراع الطبقي العام، من أجل المساهمة في بناء حزب الطبقة العاملة.

تفعيل مبدـأ التضامن النقابي بين المناضلين النقابيين الديمقراطيين، وفرض خوض معارك نضالية قوية، كلما حاول النقيض تمرير مخطط طبقي يستهدف الطبقة العاملة، واستغلال المحافل العمالية الدولية للضغط من أجل حمل الدولة على التصديق على الاتفاقيات الدولية، ذات الصلة بالعمل النقابي واحترام الحريات النقابية، من جهة ومن جهة ثانية التقيد والالتزام بالاتفاقيات المصادق عليها، وإدماجها في القوانين الشغلية.

الضغط على البيروقراطية النقابية من أجل خوض الإضراب العام، كسلاح بيد الطبقة العاملة، باتت تستجوبه المرحلة للرد على التراجعات الخطيرة على الحقوق والمكتسبات النقابية والهجوم على القوت اليومي للطبقات المسحوقة.

تلكم بعض محاولات الإجابة على ما تعيشه الحركة النقابية بالمغرب، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هل نحن بحاجة إلى كل هذا العدد الهائل من المركزيات النقابية والجمعيات المهنية والتنسيقيات والتنظيمات الفئوية؟ في الوقت الذي تتوحد فيه الباطرونا في تنظيم واحد أوحد.

  • كيف خلدتم فاتح ماي لهذه السنة؟

مادامت المناسبة شرط، كما يقال، فإن الخوض في الشأن النقابي في هذه الفترة من السنة لابد أن يجرنا إلى الحديث عن فاتح ماي 2021، حسب منظوري، فإن ما يمكن تسجيله بخصوص فاتح ماي من كل سنة، هو أن هذه المناسبة، التي كانت تعتبر تتويجا لسنة كاملة من النضال النقابي، باتت تكتسي –للأسف- طابعا احتفاليا كرنفاليا فلكلوريا بالمعنى السلبي، بعيدا كل البعد عما كان ينبغي أن تكون عليه، إذ في الوقت الذي نجد فيه الطبقة العاملة وحلفاءها الموضوعيين في البلدان الديمقراطية، كرست عبر سيرورة تاريخية، لهذا التقليد، للتنديد بالإستغلال والقهر المسلط عليها من قبل الرأسمالية العالمية، لاتزال الدول ذات الأنظمة اللاديمقراطية واللاشعبية هي التي تتحكم في كل صغيرة وكبيرة إحياء فاتح ماي، بحيث في المغرب، نجد أن لا شيء متروك للصدفة، خلال إحياء هذه المناسبة، فكل شيءمرتب له سلفا، وفي تواطئ مكشوف مع البيروقراطيات النقابية: مسارات المظاهرات، اللافتات، الشعارات، الخطابات، …إلخ، ولا غرابة أن نجد منظمي المظاهرات يتصدون بحزم حتى للشعارات التي يرفعها المشاركون في تظاهراتهم، من أجل قمعها، لأنها ببساطة لا توجد شمن الشعارات «المصادق» عليها من طرف وزارة الداخلية، وقد حدث مرارا وتكرارا وفي مدن مغربية مختلفة أن تم طرد مشاركين في تظاهرات فاتح ماي (طلبة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، معطلي الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، وفئات أخرى لا حصر لها)، بل والتعريض بهم إلى الأجهزة المعلومة.
وقد استطاعت قوى الاستغلال والاستبداد بالنظر إلى ميزان القوى المائل لصالحها عبر عقود من الزمن، أن تفرغ مناسبة فاتح ماي من محتواها النضالي وصبغه بثقافتها الاحتفالية المائعة، خدمة لمصالحها الطبقية التي هي بالأساس مناقضة لمصالح الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية، التي من المفروض أنها تعلي صوتها، في بهذه المناسبة «بكل حرية»، تعبيرا عن واقع القهر الطبقيين المفروضين عليها من الطبقات المستغِلَّة.
أما بالنسبة لفاتح ماي لهذه السنة، فقد مر في أجواء أكثر كارثية من سابقيه في السنوات الماضية، نظرا لتزامنه مع انتشار جائحة كورونا المستشرية منذ مارس من السنة الفارطة، وما خلفته من تداعيات اقتصادية واجتماعية ونفسية على كل الفئات والشرائح الاجتماعية الفقيرة منها والمتوسطة الدخل، مقابل انتعاش ملحوظ في اغتناء الطبقات البورجوازية المسيطرة، ومضاعفة أرباحها في استغلال بشع وجشع لظروف كورونا وحالة الطوارئ الصحية/حالة الاستثناء غير المعلنة، التي سنتها الدولة دون عناء التفكير في مصير ملايين الفقراء والمهمشين الذين لا يجدون قوت يومهم.
وقد عرفت هذه السنة تسريحات جماعية للعمال والعاملات والمأجورين من عملهم، ضدا على القوانين الشغلية (المدونة..)، على علتها، وكذا تمرير قوانين مجحفة ضد العمال، ومحاولة تمرير القانون التكبيلي للإضراب (التي تم التراجع عنها إلى حين)، كما تنكرت الحكومة للاتفاقات السابقة التي أفضى إليها الحوار الاجتماعي في السنوات السابقة وتغاضت عن الدعوة إلى حوار اجتماعي هذه السنة (كتقليد سنوي يسبق فاتح ماي).
وإلى جانب تسريح العمال بالعشرات من الوحدات الإنتاجية والمعامل، عرفت الطبقة العاملة هذه السنة العديد من الفواجع راح ضحيتها العديد من العمال والعاملات (فاجعة طنجة، 28 عامل وعاملة، حوادث السير بالنسبة لنقل العمال والعاملات خلفت العديد من الضحايا باشتوكا أيت باها وأيت ملول…)، دون أن ننسى الظروف اللاإنسانية والمعاناة التي يشتغل فيها عمال المناجم وعاملات الكابلاج والتدبير المفوض في قطاع النظافة…
وفي المقابل، حققت الطبقة العاملة بعض الانتصارات على قلتها، بفضل نضالاتها البطولية وآليات الدعم الذي حضيت به، بحث بعد اعتصام بطولي لعمال أمانور، دام أكثر من سنة، تم إرجاع المطرودين إلى عملهم، ونفس الشيء بالنسبة لعمال شركة جيماكوف وكذا المعارك البطولية للتنسيقة الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، ومعارك العديد من الفئات، من مهندسين وتقنيين وحاملي الشهادات غير المدمجين في السلالم المناسبة بقطاع الجماعات الترابية … إلخ.
كلمة أخيرة:
في الختام، شكرا لكم على إتاحة هذه الفرصة لنا من أجل المساهمة في هذا الموضوع القديم الجديد، ونتمنى لمنبركم النجاح والتوفيق، ولروح فقيد ومؤسس جريدة ملفات تادلة الرفيق محمد الحجام أزكى التحيات وأحر السلام.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...