كورونا عمقت هشاشة وضعهم.. عمال المقاهي بين مطرقة الإغلاق وسندان التسريح

-محمد لغريب-

حين تقصد المقهى لترتشف قهوة الصباح يستقبلك شخص ببذلة أنيقة وابتسامة عريضة تعلو محياه، ويسألك عن نوعية ما تفضله من القهوة، وأحيانا يروى على مسامعك نكتة أو يبادلك الأخبار أو يسألك عن الغياب، هل فكرت يوما أن هذه القهوة وهذه الطلبات من ورائها عمال وعاملات يعانون في صمت كل صنوف الاستغلال والظلم؟

ملفات تادلة حاولت نقل معاناة هذه الفئة اليومية وتخوفاتها وما خلفه قرار الحكومة من غضب في نفوسها، واستمعت إلى ندل مدينة سوق السبت الذين ينتظمون في إطار جمعية تسمى ” جمعية اللؤلؤة لعمال وعاملات المقاهي بسوق السبت “.

رفع قرار الحكومة بحظر التنقل الليلي خلال شهر رمضان، ابتداء من الساعة الثامنة مساء إلى السادسة صباحا، من منسوب القلق والتوجس لدى عمال وعاملات المقاهي، جراء تخوفهم من حرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد، وتساءلوا عن ماذا أعدت الحكومة للإجابة على أوضاعهم بعد أن عرى وباء كورونا عن واقع هذه الفئة التي تعيش الهشاشة والفقر على جميع المستويات، خصوصا أن أغلبها غير مصرح به في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ولا يتوفر على تغطية صحية ويتقاضى أجورا زهيدة ويعيش على الهامش دون أن تلتف إليهم يوما الجهات المسؤولة.

نادل منذ الطفولة..

” قضيت أزيد من 16 سنة في هذه المهنة، أتنقل من مقهى إلى آخر، وها أنا أبلغ من العمر 30 سنة، فقد مارست المهنة وأنا طفل”. بهذه العبارات الممزوجة بالأسى استهل عبد الغاني حديثه معنا.

“أنا متزوج وأب لطفل وأتحمل مسؤولية ضمان مصاريف أسرتي التي تتكون من 7 أفراد، وما أحصل عليه من أجرة يومية متواضعة لا يتجاوز في أحسن الأحوال 35 درهم، فهل هذا المبلغ كاف كي يبني به المرء أسرة، ويتحمل أعباء الحياة؟ ” يتساءل عبد الغني.

ورغم أن عبد الغني غير مصرح به من طرف مشغله في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فهو يحب هذه المهنة التي تجمعه بزبناء لطفاء حيث استطاع أن ينسج علاقات جيدة معهم طيلة مساره المهني لذلك جاء اختياره على حساب حقوقه.

يحكي عبد الغني قصته بتأثر كبير، وعيونه تتطلع إلى ما قد تحمله قرارات الحكومة من التفاتة لهذه الفئة التي تضررت هي الأخرى من جراء تداعيات تفشي وباء كورونا، وكشف في حديثه إلينا أنه لم يستفد من منحة كوفيد 19 التي خصصتها الحكومة للتخفيف من أثار الجائحة.

32 سنة من العمل بدون ضمانات

كشف عبد الكبير ذو 61 سنة عن معاناة حقيقية يعيشها هو ورفاقه في العمل، فهم “معرضون في أي لحظة للطرد” يقول المتحدث وهو يروي قصته منذ حصوله على شهادة الباكالوريا سنة 1987 وقضائه سنتين بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

“أنا متزوج ولدي 4 أبناء، قضيت أزيد من 32 سنة في العمل كنادل بمختلف مقاهي المدينة، نحن متخوفون من أن يستغل أرباب المقاهي، قرار الحكومة خلال شهر الإغلاق للتخلص منا” يقول عبد الكبير.

تجربة عبد الكبير الطويلة في هذه المهنة جعلته غير مطمئن لما قد يحمله المستقبل له ولزملائه من الندل، ولمختلف العاملين بالمقاهي، خاصة أن أغلبهم غير مصرح به في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ويعيش ظروفا اجتماعية جد مزرية، بسبب ارتفاع مصاريف الكراء والماء والكهرباء وباقي متطلبات الحياة اليومية.

“نحن نواجه مستقبلا غامضا، إذا لم تتدخل الحكومة لإنصافنا في أقرب وقت وإجبار أرباب المقاهي على احترام قانون الشغل، وخاصة تطبيق الحد الأدنى للأجور”. كيف يمكنني العيش بعد هذا العمر إذا تم توقيفي عن العمل؟ يتساءل عبد الكبير الذي تنتظر ابنه عملية جراحية عاجلة بحر هذا الأسبوع.

فئة تعيش على ” البوربوار”

تشتغل فئات الندل حسب ما أدلوا به لنا من تصريحات، أزيد من 10 ساعات في اليوم، وخاصة خلال فصل الصيف، حيث يشرعون في العمل ابتداء من الخامسة صباحا إلى الثانية بعد الزوال، ثم يحل فريق آخر لتعويض المجموعة الأولى من الثانية بعد الزوال إلى الثانية عشرة مساء.

“نحن لا نقوم بعمل واحد ومحدد، بل نجد أنفسنا نقوم بأعمال غير الأعمال التي من المفروض القيام بها، مثل النظافة وترتيب الكراسي وغيرها. فالنادل رجل محترم وبزي خاص ويجب أن تبقى مهامه محصورة في تقديم الخدمات للزبناء”. يقول مصطفى ذو 30 ربيعا.

ثم يضيف “لا نستطيع بأجر يومي لا يتجاوز 35 درهما أن نواجه تكاليف الحياة، فلولا “البوربوار” الإكرامية التي يمن بها الزبناء، لما استطعنا الاستمرار في هذه المهنة يوما واحدا” يقول مصطفى، وكله أمل أن يكون قرار الإغلاق في صالح عمال وعاملات المقاهي.

“الكرة الآن في مرمى الحكومة، وعليها أن تتخذ إجراءات عاجلة لتعويض العمال والعاملات سواء المصرح بهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو غير المصرح بهم، لأن شهرا من الإغلاق سيزيد من متاعب هذه الفئة التي تعاني في صمت”. يقول مصطفى.

عمال بدون حماية..

منذ قرار الحكومة السماح لأرباب المقاهي بفتح أبوابها في وجه الزبناء والعمال والعاملات يعيشون وضعا كارثيا ماديا ومعنويا، فهم يحتكون بشكل يومي مع الزبناء، ومعرضون لخطر العدوى بفيروس كورونا باستمرار، كما أنه لم يتم اتخاذ أي مبادرة اتجاههم من الجهات الرسمية للقيام بالتحاليل للكشف عن الفيروس أو تلقيحهم ضده كما حصل بقطاعات أخرى.

“لم نخضع لتحاليل الكشف عن الفيروس رغم أننا أكثر عرضة للعدوى، ولم يتم تلقيحنا، ولم يتم احترام مكانتنا الاعتبارية داخل المجتمع” يقول خالد، وهو أحد الندل الذي قضى أزيد من ربع قرن ممارسا لهذه المهنة.

خالد، أشار إلى أن وضعية أزيد من 600 عامل وعاملة بالمدينة ستتفاقم جراء قرار الحكومة القاضي بإغلاق المقاهي خلال شهر رمضان، مردفا أنه إذا لم تتحرك الحكومة في الأيام القليلة المقبلة سوف تعاني هذه الفئة كثيرا التي أنهكها تفشي الوباء.

نفس الموقف عبر عنه محماد، وهو متزوج وأب لطفل، والذي قضى أزيد من 27 سنة بالمهنة ليجد نفسه في نزاع مع رب العمل بعد أن تم التخلي عنه، وتفويت المقهى لشخص آخر ليتجه للقضاء لإنصافه، زملاء محماد عبروا لنا عن تخوفهم من أن يلقوا نفس المصير.

جمعية تدق ناقوس الخطر

كشفت “جمعية اللؤلؤة لعمال وعاملات المقاهي بسوق السبت” أن الوضعية المهنية للعاملين بالمقاهي تتميز بالعشوائية وعدم استفادة أغلبيتهم من المنح التي تم صرفها لعدد من القطاعات خلال فترة الجائحة.

وأضافت الجمعية في بيان لها، صدر عقب قرار الحكومة بإغلاق المقاهي خلال شهر رمضان، أن هذه الفئة تتعرض بشكل يومي لمعاملات “حاطة من الكرامة ممثلة في السب والإهانات والتهديد بالطرد من طرف بعض أرباب المقاهي” لمعرفتهم “المسبقة بالوضعية الاجتماعية المهترئة لهذه الشريحة”.

وأوضحت الجمعية في ذات البيان، “أن أجور عمال المقاهي، لا تصل في الغالب إلى الحد الأدنى للأجور، وأنها تخضع لأهواء أرباب العمل، فضلا عن أن ظروف الاشتغال تغيب فيها شروط الصحة والسلامة، وكذا عدم استفادتهم من العطل الأسبوعية والسنوية وعطل الأعياد الوطنية والدينية”.

وأشارت جمعية اللؤلؤة، إلى أن أغلبية العمال، غير مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وحتى وإن تم فيكون بشكل انتقائي ولا يتجاوز 10 أيام في الشهر.

وطالبت الجمعية، بضرورة استفادة كافة عمال وعاملات المقاهي من منحة كوفيد 19، وإجبار أرباب العمل على تنفيذ بنود مدونة الشغل، والتعويض الكلي عن التوقف الاجباري عن العمل خلال شهر رمضان لكافة عمال وعاملات المقاهي.

ودعت الجمعية مفتشية الشغل، إلى التدقيق في “وضعية هذه الشريحة ميدانيا” من خلال الاتصال بالعمال والعاملات المعنيين، للوقوف على وضعهم المهني الهش، مهددة بالقيام بـ “مبادرات نضالية لاسترجاع جزء من كرامة العمال المهدورة”.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...