إملشيل.. قرى أيت عبدي تتجرع مرارة العزلة والتهميش

-محمد لغريب-

إلى وقت قريب، كان الكثير منا يعتقد أن الستار أسدل عن معاناة هذا الجزء المنسي من الوطن، لكن المشاهد تتكرر كل مرة بشكل مأساوي، وكأن عقارب الزمن توقفت إلى الأبد، وبقيت دون حراك في عناد مع التاريخ. صور البؤس بادية على ملامح أناس تشبثوا بأرض أجدادهم، وعشقوها أيما عشق، ولم ينتهزوا فرصة عابرة للجوء.

إملشيل بين جمال الأسطورة وقسوة الواقع:

في إملشيل وقراها، وتحديدا بأيت عبدي، لا شيء بالمطلق يغري بالعيش في هذا الجزء من البلاد، عزلة تامة، التضاريس وعرة، والمناخ قاس جدا، حيث تشتد وطأة قر الشتاء والثلوج التي تكسو جبال الأطلس الكبير بالمغرب الشرقي، وتتجدد معاناة الناس، ويسود الصمت في كيان المنطقة كلها. صمت، لا يكسره سوى خرير مياه وادي أسيف ملول، الشاهد على قسوة طبيعة المنطقة وعلى معاناة الناس، وعلى أحداث مؤلمة جرت بهذه البقاع.

حول إملشيل وقراها، ترسخت في الأذهان صور جميلة، مثل موسم الخطوبة، والسياحة، وجمال بحيرتي إيسلي وتسليت، والأسطورة المرتبطة بهما، وجمال نساء قبائل أيت حديدو، وتقاليدها الضاربة في عمق التاريخ، وقصورها الطينية ذات اللون المائل للصفرة، وخلف هذه الصورة الجميلة، ووراء قمم الجبال تتشكل لوحة من البؤس، وتروى قصص صراع من أجل الحياة يصعب تصديقها.

أحلام بسيطة..

بدواوير ” تيزي نوانو”، ” تيميشا “، ” أنرغو تيدرت ” تمزاغرت” و” إغالن ” لا زالت أحلام الناس بسيطة بساطة عيشهم، فهي لم تتعد طريقا معبدة أو مسلكا أو قنطرة أو دار ولادة أو عمود كهرباء يضيء عتمة التهميش والنسيان الذي طال المنطقة عن سبق إصرار وترصد. فالجميع هنا يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة، شيوخ ونساء وأطفال، رافضين الاستسلام والرحيل عن أرض سرى في وجدانهم حبها.

تعيش قبائل أيت عبدي بأعالي جبال الأطلس الكبير، حيث أصبح قسط منها تابعا لإقليم أزيلال بعد أن كان تابعا لإقليم بني ملال، وقسم آخر رمته الحسابات السياسية لذوي القرار إلى إقليم ميدلت، ليبقى القاسم المشترك بين قبائل أيت عبدي هو الفقر والعزلة والصراع من أجل الحياة، وحب أرض الأجداد والتمرد على هذه الأوضاع، حيث تتشكل ملامح البؤس بكل تجلياتها، وتظهر صورها على كل مظاهر الحياة هناك.

تعتمد أغلب قبائل أيت عبدي التي تنتمي لإقليم ميدلت، في نشاطها اليومي على تربية الماشية والرعي، بعد أن استقر جزء كبير منها في سفوح جبال الأطلس الكبير، وخاصة بالجنوب الشرقي، فهي تتميز بوعورة التضاريس والمناخ، حيث يتجاوز ارتفاعها عن سطح البحر أحيانا 2000 متر، كما أن درجة الحرارة قد تنخفض خلال فصل الشتاء لتصل أحيانا إلى 10 درجة تحت الصفر، مما يعمق من عزلة العديد من الدواوير ويجعلها تعيش وضعا صعبا، بسبب غياب المسالك الطرقية، وقلة المساعدات، وغياب المرافق الصحية، فيصبح الشتاء بقرى أيت عبدي أشبه بكابوس يخيم على ساكنة لا تملك أي وسيلة للمواجهة سوى الصبر والإرادة.

 

ضرر سنوات الرصاص الذي لم يجبر بعد..

ورغم أن المنطقة من المناطق التي أوصت هيئة الإنصاف والمصالحة بأن يشملها جبر الضرر الجماعي، بعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إبان ما يسمى بسنوات الجمر والرصاص، وتحديدا أحداث مارس 1973، حيث شهدت المنطقة اعتقالات وتعذيبا واختطافات مروعة، فإن هذه الربوع لا زالت على حالها، ولا زالت تنتظر التفاتة حقيقية لرد الاعتبار لأبنائها.

حين تقودك الرحلة إلى قرى أيت عبدي (تيميشا، انارغو…وغيرها)، يستقبلك السكون الموحش، والبرد القارس، وقساوة الطبيعة ،وأناس بسطاء تصبغ الابتسامة شفاههم رغم قلة ذات اليد، وتمتد أمام بصرك بيوت متواضعة ومتناثرة هنا وهناك، بيوت تخفي وراء حيطانها المبنية بالحجر والطوب والقش، حكايات من الألم والمعاناة، معاناة تشتد كلما حل فصل الشتاء وتراكمت الثلوج على أسقف البيوت وجنباتها، وتزداد الحاجة والفقر، وتتوالى الصراخات ونداءات الاستغاثة من كل الاتجاهات، لعلها توقظ الضمائر، لترف جفون المسؤولين لحال الساكنة كلما حل الثلج ضيفا عليها.

يموتون قبل الأجل..

” نحن نموت في هذه الأرض قبل أن يحل أجلنا ” هكذا لخص لنا سعيد تينموس معاناة ساكنة قبائل أيت عبدي، وهو يعبر عن غضبه بعد أن حاصرت القوات العمومية مسيرة الأهالي على مشارف مركز إملشيل، كانت في طريقها إلى عمالة ميدلت.

” لم يعد لنا من أحلام على هذه الأرض سوى أن نعيش ما تبقى من عمرنا بكرامة نحن وأطفالنا ” يضيف سعيد، وهو يسرد معاناة أجيال من أبناء المنطقة مع التهميش والإقصاء منذ السبعينات من القرن الماضي.

أما موحى وحمو انارغو أحد المحتجين الذي قضى عمره بين هذه الجبال فقال بصوت تعلوه نبرة أسف ” أنا الآن بلغت 61 سنة من عمري ولم أر شيئا تغير في هذه المنطقة، نحن فقراء ونحتاج ليد المساعدة لرفع المعاناة عن ساكنة دواوير أيت عبدي، نطلب من المسؤولين أن ينظروا لحالنا، نحن نعاني هنا “.

ربع قرن في انتظار الطريق..

يشكل بناء طريق يجمع بين قرى أيت عبدي، أحد المطالب الأساسية التي ظلت ترفعها الساكنة باستمرار. فالدواوير، تعيش عزلة تامة عن العالم الخارجي بسبب غياب طرق ومسالك معبدة تربطها بمركز إملشيل. ونتيجة لقسوة المناخ ووعورة التضاريس التي تشكل عائقا أمام تنقل الأهالي لقضاء حاجاتهم اليومية، تضطر الساكنة إلى قطع حوالي 45 كلم للوصول إلى إملشيل أو 65 كلم إلى بوزمو. وقد تستغرق الرحلة أزيد من 7 ساعات متواصلة، تستعين فيها بالدواب، حيث تسلك مسالك ضيقة ووعرة ومحفوفة بالمخاطر، بل هناك من يضطر للمبيت بإملشيل إذا أدركه الليل، وينتظر حلول الصباح للعودة إلى الدوار.

خاضت ساكنة قرى أيت عبدي بجماعة إملشيل سلسلة من المسيرات والأشكال الاحتجاجية طالبت خلالها بربط دواوير ” تيزي نوانو”، ” تيميشا “، ” أنرغو تيدرت ” تمزاغرت” و” إغالن ” ، بالطريق الرابطة بين إملشيل وقصر أوديدي، على مسافة 45 كلم.

” لقد طالبنا بإصلاح الطريق منذ نهاية التسعينات ولا زالنا نرفع نفس المطالب ونحن في سنة 2021 ” يقول محمد كريم، وهو يخاطب أحد المسؤولين الذين تدخلوا لإقناع المحتجين بالعودة من حيث أتوا، بعد قطعهم مسافة 45 كلم مشيا على الأقدام.

وأضاف كريم ” في كل مرة يتردد على مسامعنا نفس الكلام، ويتم تقديم وعود لنا بشأن تشييد الطريق، لكن لا شيء تحقق من ذلك “، “نريد حلولا بدل الوعود، نريد مشاريع تنموية بالمنطقة لفك العزلة عن دواوير أيت عبدي”.

” نحن نعيش معاناة حقيقية وعزلة تامة في هذه المنطقة، فالرحلة إلى أقرب سوق أسبوعي إلينا تستغرق يومين كاملين لجلب المواد الأساسية ” نطالب المسؤولين بالتدخل العاجل وإيجاد حلول تنتشلنا من أتون العزلة التي عاشها أجدادنا ونعيشها نحن. ” يقول الشاب مصطفى باكي، وهو يلتحف العلم الوطني في تصريح لملفات تادلة، خلال تغطيتها لمسيرة أيت عبدي اتجاه عمالة إقليم ميدلت التي تبعد عن جماعة إملشيل بحوالي 200 كلم.

مطالب الحد الأدنى اللازم للبقاء..

الطريق هنا، بقرى أيت عبدي أصبحت حلم الكبار والصغار، فهم وحدهم يدركون أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، وهم الذين عاشوا مآسي انقطاع المسالك الطرقية وانجرافها بسبب الأمطار والثلوج الكثيفة التي تتهاطل على المنطقة، وهم الذين عاينوا سيدات حوامل تم انقاذ حياتهن بمروحيات الدرك الملكي في أخر لحظة، وهن يتجرعن الموت، وهم الذين انقطعت أمامهم السبل لأيام، وأجبرتهم الثلوج على ملازمة بيوتهم أياما وأسابيع في انتظار الخلاص الذي قد يأتي أو لا يأتي.

وتزداد الحاجة بدواوير أيت عبدي إلى مركز صحي أكثر من أي وقت مضى، وإلى دار للولادة للحد من الوفيات الناجمة عن الظروف غير الصحية التي تعيشها النساء الحوامل أثناء الوضع، وإلى مركز قريب من الساكنة وتجهيزه بمختلف الأدوية لتقريب الخدمات الصحية للساكنة التي تتعرض للأمراض المرتبطة بالانخفاض الحاد في درجة الحرارة التي تعرفها المنطقة.

بدوار تمزاغرت بإحدى قرى إملشيل شيدت السلطات (مستوصفا) سنة 2010 ” لكن بقي مقفل الأبواب منذ الانتهاء من الأشغال إلى يومنا هذا، ولم يزره لا طبيب ولا ممرض، وتعرض للإهمال التام وساء حاله ” يقول عبد العزيز سخماني أحد قاطني الدوار.

“بدأت الأشغال السنة الماضية، لتشييد مركز صحي من جديد بـ ” تمزاغرت ” ، لكنها توقفت بعد مغادرة عمال البناء للورش دون أن نعرف سبب ذلك، لتبقى الساكنة مرة أخرى أسيرة الانتظار” يضيف عبد العزيز.

فمتى ستنتهي مأساة ساكنة أيت عبدي؟ ومتى سيسدل الستار عن أحد الجروح التي تنز صديدا بهذا الوطن؟ خاصة أن السلطات قدمت لهم وعودا، وعلى رأسها البحث عن موارد مالية لتمويل مشروع طريق يربط دواوير أيت عبدي بمركز إملشيل والذي سيكلف حسب مصادر مقربة من سلطات إقليم ميدلت حوالي 12 مليار سنتيم، وبعد الوعود بإحداث أقسام للتعليمين الأولي والابتدائي لتشجيع التمدرس، ومشاريع تهم قطاع الصحة والكهرباء وغيرها.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...