كوثر بوبكار: صرخة ضد الابتذال والجرائم في العالم الرقمي

-كوثر بوبكار *

حين نتجول في العالم الافتراضي يلفت انتباهنا كمية الملفات الشخصية والتدوينات التي تتضمن عبارات من قبيل: “مثقف، دارس، حقوقي، كاتب…” يبتهج الصدر للتطور الظاهر في المستوى المعرفي والحس الإنساني لدى المستعملين، ويترقب منهم إسقاطا له من خلال إنتاجاتهم وتفاعلاتهم؛ لكننا قد نصدم أحيانا حالما ننزل لأرض الواقع أو نتجول على صفحاتهم فنجد جاهلا يزايد على جاهل بعلمه، أو فقيرا يزايد على فقير بماله وإنفاقه، أو متسلطا يزايد على متسلط بتسامحه وديمقراطيته، أو ظالما يزايد على ظالم بعدله ونضاله الحقوقي، بل وأحيانا مجرما يزايد على مجرم بأخلاقه وقيمه.

متى سنخرج من ثقافة المزايدة المعرفية النابعة من الاستعمال السريع لمواقع مثل غوغل وويكيبديا لنتعلم بالفعل؟ متى سنخرج من ظاهرة “دونين كرودر” التي تعكس جهلا مركبا يتوغل في مجتمعنا؟

متى سنعي ونقنع أنفسنا أن المعرفة تكتسب بالعمل والمثابرة، وأن إمكانية الوصول للمعلومة لا تعني المعرفة بتاتا، فهذه الأخيرة تعني إمكانية تفكيك وتحليل المعلومة بشكل نقدي موضوعي، واستنباط نتائج منها، ودون هذه الميكانيزمات فلا قيمة للمعلومة، خاصة مع انتشار الأخبار الزائفة.

متى نتوقف عن التدليس على مفكرين وفلاسفة وأدباء كبار، ونسب أقوال لهم لم ينطقوها يوما، فقط كي نزكي موقفنا الحجاجي أو كي نبدو مثقفين؟ ولعل نيتشه ودوستويفسكي أكثر من نسبت لهم أقوال ليست فقط خارج إنتاجهم، بل أحيانا كثيرة تتناقض تماما ومشروعهم الفكري.

متى نستوعب أن القيمة الفكرية لمنشور لا تحدد بعدد نقرات الإعجاب؟ وأن العلم يحصل في الكتب والمدارس وليس في تدوينات مدعي المعرفة في العالم الافتراضي الذين غالبا ما لا يهتمون بجودة ما ينشرون قدر اهتمامهم بنقرات التأييد من متابعيهم التي أدمنوا عليها، أو بالدخل المادي الذي قد تدره عليهم؟

عجبت لحالك يا وطني، حين يصبح الجاهل عن سذاجة، أو عن قصد، يحاضر في من يُرتَجى أن يكونوا أمل المستقبل، وهو لا يزال يخلط بين المفاهيم، وإن حاول أحدهم الاعتراض يسكته في تبجح و يشهر الحسد من نجاحه الافتراضي كدافع لمن يعترضون على تهريجه.

يقول نيتشه في كتابه إنساني مفرط في الانسانية الجزء الثاني: “يخلط الجمهور بسهولة بين من يصطاد في الماء العكر ومن يَغتَرف في الأعماق”

فكرت مليا فيما أنتجه مجتمعنا في العالم الافتراضي، وتساءلت؟ هل هي مسؤولية الأشخاص الذين ينشرون ويعتبرون أنفسهم مؤثرين؟ أم هي مسؤولية المتابعين سواء منهم المساندون أو المعارضون بل وحتى الصامتون؟ أم هي نتيجة تراجع المستوى التعليمي والتفكك الأخلاقي؟ أم أننا كنا دوما بهذه الأخلاق وهذا المستوى التواصلي؟ فقط عرت وسائل التواصل عن سوءاتنا وأبرزتها للعالم؟

أغمضت عيناي لوهلة، وتصورت شخصا يهاجم آخر بالسب والقذف أو بسلاح ما في الشارع العام، أكيد أن الحضور سيستنكرون الفعل، وقد يساعدون المعتدى عليه، ويحمونه، والبعض قد يبلغ الشرطة أو ينتصب شاهدا في الحادث؛ ألا يعاقب القانون على جريمة عدم التبليغ، وعدم مساعدة شخص في حالة الخطر؟ وبالتأكيد أن جزءا من هذا الحضور، غالبا ما سينقل استنكاره للأمر إلى صفحات التواصل الاجتماعي، وقد يحلل مسبباته ويرجعها لتراجع القيم والوعي، وما إلى ذلك. لكن يصعب كثيرا تصور وجود من سيقف ليصفق للمعتدي في الشارع، وينوه بفعله الشنيع.

كيف إذا نجد في العالم الافتراضي أن تدوينات التنمر، والسب، والقذف، والعنف النفسي بمختلف اشكاله تجذب أعدادا كبيرة من نقرات الإعجاب؟ أليس الفعل هو نفسه؟ أم أن غياب احتمال الخطر الجسدي الآني يجعله كافيا ليسقط على الهجوم اللفظي طبيعته الجرمية؟ أليس عدد الشاهدين على هذا الفعل في المواقع الرقمية أكثر، بل واستمرارية الفعل دائمة دوام نشر التدوينة -ما قد يعني سنينا-، وتتجدد كلما تفاعل معها الآخرون؟ كيف نجد من يهلل لتدوينات الحقد والغضب والشر، التي قد تصل حد التهديد بالقتل، على مرآى من المتابعين المصفقين، بل قد تجد من يعلق “أبدعت أستاذنا”، “أنت محق سيدي أو سيدتي” “جزاك الله خيرا افحمته” “فلان أو علان سيمضي اسوء اسبوع في حياته واصل استاذي/تي” …

هل الخوف من القانون ما يحول دون فعل كهذا في الشارع، ويسمح به في الفضاء الافتراضي؟ أم هو انفصام سلوكي يفصل بين أثر الفعل في الشارع، وأثره على وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتبرها أفعالا افتراضية فقط؟

لا وألف لا، التنمر ليس افتراضيا، والسب، الشتيمة، التحقير، الابتزاز، أفعال واقعية، وإن ارتكبت في العالم الرقمي، وضحاياها أناس من لحم ودم، إذ هناك من غرق في الاكتئاب أو الاحباط بسببها، ومن وضع حدا لحياته لأنه لم يعد يطيقها.

كم من ضحية يلزمنا كي نستيقظ، ونعي أننا قد نساهم في خلق وحوش بشرية على صفحات التواصل، سواء لإننا نهلل لما تنتجه من خطاب كراهية ضد فلان أو علان، أو لأننا نغض الطرف ونصمت عليها، لتجنب هجمة مماثلة علينا، إننا بعدم اكثراتنا نزيد فقط احتمالات التنمر علينا أو على شخص من محيطنا لاحقا؟

متى نميز جيدا بين المؤثرين الذين يحملون خطابا يحترم القانون وأخلاقيات النشر والمجرمين المسترزقين منهم؟

لا وألف لا، السب ليس حرية تعبير، والتشهير ليس حرية تعبير، القدف ليس حرية تعبير، والابتزاز ليس حرية تعبير، وإفشاء معطيات خاصة عن أشخاص دون إذنهم ليس حرية تعبير، بل هي أفعال إجرامية تقع تحت طائلة القانون، ويجب التبليغ عنها، ومعاقبة من اقترفها. ولكل من سيقول إنها الطريقة التي وجدها البعض لفضح الفساد سأجيب، لا يمكن محاربة الفساد بفساد آخر! من يريد أن يبلغ عن خلل هناك مساطر قانونية يجب اتباعها، ومحامون قادرون على رفع القضية، بل وصحفيون يحترمون أخلاقيات المهنة لإنجاز تحقيق صحفي يحفظ حق الرد للطرف الآخر على أقل تقدير.

متى سنعي أن من يبارك العنف على صفحات التواصل، إنما يساهم في القتل النفسي والمعنوي لأشخاص حقيقيين، وأن الخلافات بين الأشخاص تحل في الفضاء الشخصي، أو أمام القانون، والهيئات المتخصصة. صفحات التواصل لا يمكن أن تكون محاكم عادلة، هي أحيانا مجرد مقاصل قد يستعملها البعض من غير المتوازنين أو غير الناضجين أو الانتهازيين أو المجرمين وأحيانا الحاسدين دون سبب أو…… بشكل مقيت للقتل المعنوي لضحاياهم وأعدائهم.

يقول نيتشه في كتابه هكذا تحدث زرادشت “إحذروا كل من له حس عقابي كبير”.

متى يأتي الوقت الذي نجتمع فيه على مشروع يوحدنا بعيدا عن خطابات العنثريات والشعبوية المخونة والمهينة وأحيانا المكفرة لمخاليفيها؟

* باحثة مغربية في مجال النانو تكنولوجيا

 

.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...