هل جف ضرع تادلة؟… فلاحو جهة بني ملال خنيفرة أسرى الانتظار

-محمد لغريب-

وضع مقلق

تزايدت التحذيرات خلال العقود الأخير من قبل المنظمات الحكومية، وغير الحكومية حول الخطر الذي يهدد الأمن المائي بالمغرب، ودعت العديد من الدراسات إلى ضرورة التحرك العاجل لتطويق هذا المشكل، وتقديم أجوبة سياسية عاجلة للحفاظ على الموارد المالية وتدبيرها على الوجه الأفضل، في ظل التغيرات المناخية التي يعرفها العالم في السنوات الأخيرة، والتي وسعت من رقعة الدول التي تعرضت لقساوة الجفاف وما يرتبط به من ظواهر كان لها بالغ الأثر على الإنسان والمجال ومنها المغرب.

وتشير بعض الدراسات حول هذا الموضوع إلـى أن تغيـر المنـاخ يمكـن أن يـؤدي إلـى فقـدان 80 فـي المائـة مـن المـوارد المائيـة المتوفـرة فـي بالمغرب خلال السنوات 25 القليلة المقبلة، وهي مؤشرات تدل على أن الأمن المائي في المغرب أصبح يدعو إلى التفكير قبل أي وقت مضى في مستقبل هذه المادة الحيوية، وفي الانعكاسات التي يمكن أن تتركها مستقبلا على حياة الإنسان.

وهكذا تستمر الزيادة في الطلب على المياه بشكل متزايد في العديد من البلدان، ما يشكل ضغطا على الموارد المحدودة، ومنها المغرب الذي تتواجد به فرشة مائية مهمة تتعرض للاستنزاف باستمرار، مما يؤشر على أن الوضع أصبح يدعو على القلق، اعتبـارا أن مـوارده المائيـة تقـدر حاليـا بأقل من 650 متـرا مكعبا للفرد الواحد سنويا، مقابـل 2500 متـر مكعـب سـنة 1960، ومـن المتوقـع أن تقـل هـذه الكميـة عـن 500 متـر مكعـب بحلـول سـنة 2030 بحسب ما ورد في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وكالة الحوض المائي لأم الربيع بدورها، اعتبرت في أحد تقاريرها أن الموارد المائية على مستوى الحوض تواجه عدة إكراهات مرتبطة أساسا بثلاثة عوامل رئيسية: وهي ضياع كميات مهمة من المياه نتيجة طرق الري التقليدية المستعملة، وكذا ندرة الموارد المائية المرتبطة بظاهرة تغير المناخ، وتدهور جودة الموارد المائية بسبب أشكال التلوث المختلفة: المنزلية والصناعية والزراعية، بالإضافة إلى الإفراط في استغلال المياه الجوفية.

وحسب تقرير للوكالة، فقد بلغت نسبة ملء سد بين الويدان الذي يشكل المغذي الرئيسي للجهة بالمياه والكهرباء، حوالي 26,3 في المائة متم شهر فبراير المنصرم مقابل 37,1 في المائة من نفس الفترة من السنة الماضية، مما يطرح العديد من الأسئلة حول كيفية استغلال هذه الكمية من المياه وتحسين تدبيرها لمواجهة نتائج سنوات الجفاف التي شهدتها جهة بني ملال خنيفرة التي تتوفر على مدار سقوي يقدر بحوالي 200 ألف هكتار، أي حوالي 14 في المائة من المساحة الوطنية المسقية، خاصة مع تزايد أصوات الفلاحين بسهل تادلة، والداعية إلى ضرورة تزويدهم بمياه السقي لإنقاذ زراعتهم من التلف هذا الموسم، بعد أن بدأت المخاوف تساورهم خلال الأشهر الماضية، حيث ضعفت آمالهم في موسم فلاحي جيد.

فلاحون غاضبون

” لولا التساقطات المطرية التي عرفتها المنطقة لضاع كل شيء، وأصبحت الحقول جرداء” ” قطعوا عنا مياه السد (بين الويدان) منذ منتصف شهر نونبر من السنة الماضية، ووجد الفلاحون أنفسهم يواجهون شبح الجفاف دون التفاف المسؤولين إلى معاناتهم “. هكذا لخص عبد الله، وهو فلاح شاب من جماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح الوضع، وهو يتحدث لملفات تادلة.

قبل متم شهر نونبر من السنة الماضية، لجأ المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لتادلة إلى تقليص حصص مياه الري شيئا فشيئا، وتم منح الفلاحين الذين يستعملون تقنية السقي بالتنقيط مدة 24 ساعة موزعة على مدى أربعة أيام، بمعدل 6 ساعات في اليوم، وهي المدة- الكمية التي أثارت حفيظة عدد من الفلاحين الذين استجوبتهم ملفات تادلة، واعتبروها غير كافية لأنها تبقى في نظرهم تطرح مشاكل كثيرة، خاصة أن الفلاحين يضطرون إلى السقي بفترة الليل، وما يترتب عن ذلك من مشاكل من قبيل التواء الأنابيب البلاستيكية ومشكل التناوب في عملية السقي وغيرها.

أمام هذا الوضع اضطر الكثير من الفلاحين بالجهة إلى تقليص مساحات الأراضي المزروعة بعد التأخر في توزيع مياه الري، وتخلى بعضهم عن جزء من نشاطه الزراعي بعد تأخر عملية الزرع، ومنهم من تسرب إليه اليأس وترك ما زرعه من حبوب بداية موسم الحرث لأن فترة انقطاع مياه السقي عنهم استمرت لأزيد من أربعة أشهر.

” وجد الفلاح نفسه مضطرا إلى ترك مساحات من الأراضي التي يملك فارغة، فليس له من خيار سوى اللجوء إلى هذا الأسلوب بل هناك من الفلاحين من استعاض عما زرعه من حبوب، وحولها إلى مراعي للمواشي حتى لا تتفاقم خسائره “. يقول عبد الله.

مصطفى فلاح من أولاد إيلول التابعة لجماعة أولاد ناصر قال لملفات تادلة ” لم يزرع العديد من الفلاحين أراضيهم خوفا مما قد تحمله الأيام من مفاجئات “، ” لم نعد نقدم على المغامرة وزراعة مجموعة من المزروعات وعلى رأسها الفلف الأحمر وبعض الخضر، لأنه خلال فصل الصيف المزروعات تحتاج إلى كميات مهمة من المياه وهي غير مضمونة بالنظر إلى ما يعرفه السد من تراجع لكمية المياه “.

إلى جانب النقص في مياه الري، يشتكي أيضا عدد من الفلاحين من غلاء فواتير مياه الري دون أن يعرفوا سبب هذا الغلاء ” مصطفى أسر في تصريح لملفات تادلة ” أن الفاتورة الأخيرة كانت مفاجئة له، كما لمعظم جيرانه “، ” فلمدة خمسة أشهر يقول مصطفى توصلت بفاتورة قيمتها 4750.00 درهم وأنا لا أملك سوى 6 هكتارات من أين سأسدد ديوني “.

مصطفى أشار إلى أن الفلاحين الصغار هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، ” ليست هناك مساعدة من الدولة ولا من مؤسساتها كل الفئات استفادت من الدعم المخصص للفئات المتضرر من تداعيات كورونا إلى نحن “. ” لا خيار أممنا سوى الاستفادة من حصص مياه الري، وتدخل الدولة بشكل عاجل لتقديم مساعدات للفلاحين المتضررين “.

نفس الموقف تقاسمه رحال مع مصطفى وإبراهيم وكل من التقتهم ملفات تادلة، وهي تعد هذا الملف حول إشكالية الماء بجهة بني ملال خنيفرة ومستقبل هذه المادة الحيوية بالمنطقة.

مصدر من المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بتادلة فضل عدم الإشارة إلى اسمه أكد أن مشكل التأخر في تزويد الفلاحين بمياه السقي جاء بناء على وضعية المياه بسد بين الويدان وكذلك على كمية التساقطات المطرية التي عرفتها المنطقة والتي استفادت منها المزروعات بكل أصنافها.

وأشار ذات المصدر إلى أن عملية تزويد الفلحين بمياه الري تكون بناء على تقييم حاجيات المزروعات للماء وتقارير ومعاينات ميدانية يقوم بها تقنيو المكتب، مضيفا أنه ابتداء من يوم الإثنين 29 مارس الجاري ستبدأ عملية الري وسيتوصل الفلاحون بحصصهم من الماء.

حلول مؤقتة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه

شكل حفر الآبار في السنوات الماضية، مخرجا للفلاحين بسهول تادلة، للإجابة على مشكلة النقص الحاد في مياه الري، كلما خيم الجفاف على المنطقة التي كانت خلال فترة الستينات والسبعينات من أهم خزانات المياه بشمال إفريقيا، بالنظر إلى الفرشة المائية المهمة التي كانت تتوفر عليها، لكن مع توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية، ستتعرض هذه الفرشة للاستغلال المكثف من خلال حفر الآبار والثقب المائية واستعمال المياه في الفلاحة أو الصناعة بشكل غير معقلن، ودون احترام للقوانين والتوجيهات الصادرة من المؤسسات الحكومية حول تدبير الموارد المائية، وخاصة منها الجوفية.

فرغم التساقطات المطرية التي أحيت آمال الفلاحين بالمنطقة، تظل الحاجة إلى مياه الري ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المزروعات، وخاصة الحبوب والشمندر التي تم زرعها مبكرا، وهو ما دفع فئة من الفلاحين إلى استعمال الآبار التي يملكونها في عملية الري رغم تكاليف عملية السقي، بينما ينتظر أغلبية الفلاحين الذين لا يتوفرون على آبار بما تجود به السماء من قطرات الغيث لعلها تسهم في إنقاذ حقولهم.

وإذا كان اللجوء إلى الآبار حلا متاحا بالنسبة لبعض الفلاحين، فإن العديد منهم لم يقدم على عملية الحفر بسبب ارتفاع ثمن الحفر إذ يتراوح ما بين 120 درهم و150 درهم، وأحيانا قد يصل إلى 200 درهم في بعض المناطق، كما أن إيجاد الماء الكافي يتطلب حفر أحيانا أزيد من 80 مترا وقد يتجاوز العمق 120 متر ببعض المناطق، حسب تصريحات متطابقة لملفات تادلة، فضلا عن تعقيدات المساطر القانونية والإدارية للحصول على رخصة حفر الآبار.

قسم آخر من الفلاحين اختار استغلال المياه القليلة  ” السياح” التي تجري بالقنوات الرئيسية التي تخترق سهول المنطقة، وتثبيت محركات على جنبات هذه القنوات، التي كانت إلى وقت قريب لا تجف إلا لماما، رغم أن ذلك يدخل في خانة المخالفات التي يعاقب عليها القانون، وفي هذا الإطار صرح لنا الحضري، وهو أحد الفلاحين المتواجدة أرضه بمحاذاة القناة الرئيسية التي تفصل تراب الجماعة الترابية لسوق السبت بالجماعة الترابية لأولاد ناصر ” ليس لنا من خيار سوى استغلال هذه المياه التي تجري بالقناة لإنقاذ حقولنا من التلف ” ” نحن الآن نعاني الأمرين في انتظار السماح لنا باستعمال مياه سد بين الويدان “.

وأضاف الحضري ” إذا لم يتم سقي الحقول، وخاصة الحبوب خلال الأيام المقبلة، فإن الكل سيذهب سدى ( كلشي مشا).

وإذا كان الحظ بجانب بعض الفلاحين الذين تتواجد حقولهم بمحاذاة قنوات الري الرئيسية، فإن الكثير منهم، وخاصة الذين تتواجد حقولهم بعيدة عن هذه القنوات وجدوا أنفسهم أسيري انتظار التساقطات المطرية، وقرارات المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

عبد الكريم حرشيش، عضو النقابة الوطنية للفلاحة بأولاد عياد المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، دعا إلى ضرورة تحقيق عدالة في توزيع مياه سد بين الويدان حتى يستفيد جميع الفلاحين من هذه الثروة بالجهة وتوزيع الحصص بشكل متساوي بين الفلاحين.

وتساءل حرشيش، عن ماذا استفاد الفلاحون الصغار بالجهة في إطار المخطط الأخضر فيما يخصص السياسة المائية، مادام أن فواتير مياه السقي لم يطرأ عليها أي تغيير بل ارتفعت في الكثير من الأحيان.

وشدد على ضرورة إعفاء الفلاحين الصغار من الديون المترتبة عن عملية السقي في حدود نسب معقولة كما كان معمولا به قبل بداية برنامج مخطط المغرب الأخضر، والأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي تواجه هذه الفئة في السنوات الأخيرة بفعل توالي سنوات الجفاف وتداعيات تفشي وباء كورونا.

ودعا المسؤول النقابي الجهات المسؤولة إلى ضرورة الحوار مع النقابة والإنصات إلى الفلاحين الصغار للوقوف على الوضعية المزرية التي تعيشها هذه الفئة.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...