“الدار البيضاء بعيون مدارسها” بقلم الحبيب نصري

-الحبيب نصري*

من الصعب اليوم فهم وتحليل وتأويل الذاكرة الإنسانية بمعزل عن علاقتها بالمكان. المكان وحينما يمزج برائحة الزمن، يصبح فعلا هو الذاكرة إن لم نقل من خلاله، أي المكان، يتم القبض على جميع الذكريات. أنسنة المكان، وبلغة الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، يولد علاقة عشق وجمال، حد جعلنا نمارس لعبة جميلة مع هذا المكان. كيف؟. يكفي استحضار المكان الذي عشنا فيه وحتى ولو كان كوخا. فهذا الكوخ في لحظة الحاضر يكون ساخنا في الصيف وباردا في الشتاء وغير مرغوب فيه. لكن، حينما نكبر، يؤكد باشلار، أننا لا نستحضره من هذه الزاوية، بل نستحضره من زاوية أنه بارد في الصيف وساخن في الشتاء (أنسنة المكان).

أمكنتنا هي حضننا الأبدي، من خلالها نستحضر شريط الذكريات بكل حمولاتها الإنسانية والزمنية والوقائعية. من منا اليوم من لا يستحضر مكانه الدراسي؟. بمجرد ذكر إسم مدرستك تشعر ومهما كان عمرك، أن ارتعاشات عديدة تهزك في عمقك.

ما سبب هذا الكلام النابش في المكان ومن زاوية فلسفية جد مختصرة ومبسطة؟. وأنت تتجول في عوالم كل هذه التكنولوجيا الحديثة (أنترنيت وشبكة التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب، الخ)، تشعر أن العديد من مجموعات الصداقة والعمل التربوي والثقافي، الخ، توحدها تلك المدارس التي درس بها مؤسسو هذه المجموعات والمواقع. فهذه مجموعة قدامى ثانوية كذا وهذه مجموعة قدامى مدرسة كذا وهذه مجموعة قدامى كلية كذا، الخ. علاقات نسجت ومن مواقع عالمية عديدة ومدهشة.

مدينة الدار البيضاء حاضرة بقوة وفق هذا الرؤية، بل تحتل قصب السبق إذا حاولت تعداد هذه المجموعات. ذكريات جميلة تنشر وعلاقات إنسانية تؤسس ونبش في شريط الذكريات. صور مدارس وأسماء مدرسين وذكريات أقل ما يقال عنها، إنها جميلة وقوية وذات عمق وجداني. بهذه النوستالجيا تصبح لمدينة الدار البيضاء نسمة حياة أخرى، وربما غير مدركين لقيمتها ولدبلوماسيتها التربوية الجميلة. إنها مدارسها التي تصونها وتقدمها للعالم برؤية جميلة. للمدارس “بركاتها” التي لا تنضب. مهما تسلقت في سلم الحياة ونحو أي هدف كان، فلن تستطيع نسيان مدرستك التي تعلمت فيها وشبكة العلاقات البريئة التي نسجتها في زمن الدراسة والتعلم. لنحلل ومن زاوية سيكولوجية أو سيميولوجية، أو من أي زاوية منهجية أردت، حالة السامع/المتلقي لاسم المدرسة التي تعلم فيها. ابتسامات رقيقة في البداية ثم تدرج نحو القبض على شريط الذكريات فاستحضار لأسماء المديرين والإداريين والمدرسين و”شلة” القسم والعديد من الأحداث وتملك للزمن وتقديم كل مكونات المدرسة الجامدة والمتحركة من زاوية سردية إنسانية (حتى الطاولة تصبح شخصية إنسانية فاعلة في الحكي). رغبة قوية في العودة إلى زمن الماضي للاحتماء به في وجه “عنف” الزمن وهو يفعل فعله في جسم/جسد المتحدث/البطل. بوح رهيب وغريب وقول حقائق واعترافات عديدة بكل تفاصيل “الحيل” الممارسة آنذاك في حق من كان يعلم ويدير أمر تلك المدرسة. تفاصيل قول تقربنا جميعا من تفاصيل مكان/مدرسة ترسم وفق مخيال جميل وعجيب وحاضر بقوة في ذاكرة المتحدث. إنها مكان له “قدسيته” وجمالياته الحاضرة وبقوة.

هكذا هي الدار البيضاء وبعيون مدارسها في هذه العوالم التكنولوجية العديدة. لولاها ما تعرف فلان في أمريكا على فلانة بفرنسا وعلى فلان بالمغرب وفلانة بألمانيا، الخ.  يتأكد ومن خلال هذه المجموعات المتعددة طبيعة الخدمات التي قدمتها وتقدمها مدارس الدار البيضاء وكيف أنها ساهمت وبشكل كبير في تعليم وتعلم العديد من الفئات المجتمعية المنتمية لهذه المدينة. بدوري تكونت في مدرسة لازال فضلها يرخي بظلاله على جيلي. إنها المدرسة العليا للأساتذة بالدار البيضاء والتي كانت آنذاك ملتصقة بثانوية محمد الخامس (كانت جزءا منه)، وفي عوالمها نسجنا العديد من العلاقات التربوية والثقافية والإنسانية مع العديد من الثانويات التي كنا نتدرب فيها في زمن الثمانينيات، بل لولاها ما تشبعت بكتب مكتبات حي الأحباس والساعات الجميلة التي قضيناها معا في حديقة “مردوخ” المقابلة لها والاستمتاع بزمن البيضاء الذي لا ينسى. علاقات بوح هي اليوم حاضرة بقوة كلما التقينا في ندوة أو مهرجان سينمائي أو جمعتنا دروب العمل التربوي والثقافي، الخ.

صور بالأبيض والأسود ووقائع تدفعك إلى استحضار روح مدينة الدار البيضاء التربوية في زمن الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وصور أخرى من زمن الدار البيضاء التعليمي والتربوي الحالي، وعلاقات إنسانية عميقة تشم رائحتها وأنت تتابع العديد من هذه التجمعات التربوية المغربية التي لولا مدارس الدار البيضاء العمومية ما حضرت وما نسجت نهائيا.

مدارسنا حضننا إنها ذاكرتنا في الماضي والحاضر والمستقبل، فلنعمق صلتنا بها ولنفكر في تقديم العديد من الخدمات المعرفة بها ومن زاوية جميلة وجذابة ومساهمة في ترسيخ جماليات الحياة والعديد من القيم وفي مقدمتها القيم الوطنية والإنسانية ككل. منافع تربوية وإنسانية عديدة تقوم بها مدارسنا فهل نعي ذلك؟ لم لا التفكير في تعميق تقديم العديد من الخدمات وأينما كنا لفائدتها؟. إنها رأسمالنا الحقيقي والجميل والمنتج للعديد من الحدوثات الحلوة. ليست مجرد مكان للتعلم فحسب، بل هي مكان للحياة الدائمة.

* أستاذ باحث fالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...