الحبيب نصري يكتب:أرواح الدار البيضاء الخفية.

د.الحبيب ناصري*

مدينة الدار البيضاء اليوم، تسير في خطة تغيير العديد من بنياتها التحتية في أفق تلبية حاجيات من يسكنها. بمجرد ذكر هذه المدينة تحضر العديد من الرؤى المفسرة لعلاقتنا بها. هي قلب المغرب النابض. المدينة التي تطعم المغاربة بطرق عديدة. المدينة التي بها نقيس جهود المغرب في التفكير من أجل التطوير والبحث عن الحلول الممكنة لأكبر تجمع سكاني مغربي. مدينة كانت لا تنام قبل ظهور فيروس كورونا. أكيد أنها ستعود إلى حالها بعد أن يعالج العالم من هذا الوباء الذي سنؤرخ به في حديثنا الشعبي والرسمي.

هناك اليوم من تلبس بها وأصبح هواه من هوى وأنفاس هذه المدينة، بل أصبح هو وهي في بدن واحد، لا يستطيع العيش خارجها، وهناك من لا يستطيع العيش فيها لكونه غير قادر على إيقاعاتها السريعة وتفاصيل أمكنتها وأزمنتها التي لا يقبض عليها إلا من اكتوى بعشقها.

في الغناء الشعبي نقول عنها:

كازا يا كازا اللي مشا ما جا.

كلما استحضرت هذه الكلمات، تداعت لي صورة بدر شاكر السياب الشعرية الحاضرة بقوة في قصيدة رحل النهار. فيها تنتظر المعشوقة عودة سندباد. سندباد لن يعود لأن آلهة البحار أسرته.

لا زلت أتذكر سنة جامعية تكوينية واحدة قضيتها بالمدينة، سنة 1986/1987. سنة تكوينية قضيتها بالمدرسة العليا للأساتذة حينما كانت ملتصقة بثانوية محمد الخامس. سنة استمتعت فيها بحي الأحباس ومكتباته. حي كان قريبا من هذه المدرسة العليا للأساتذة. حي سكنني منذ تلك السنة وإلى يومنا هذا. هو الركن المفضل لدي في الدار البيضاء.

لهذه المدينة أرواح جميلة تسر الناظرين فهل من الممكن الانتباه إليها؟.

كل طفل يحمل محفظته ويتوجه إلى روضه أو مدرسته، فهو روح من أرواح المدينة التي تتحرك بالقرب منا دون أن ندرك قيمة ذلك. كل تظاهرة فنية أو ثقافية، فهي أيضا روح من أرواح المدينة التي بها تتزين وتعيد نبضات قلبها إلى توهجها. كل كتاب يطبع في مطابعها هو أيضا روح من أرواح مدينة الدار البيضاء. كل لوحة تشكيلية علقت في متحف أو معرض فني، فهي أيضا تعانق المدينة لتضعها في بهاء وحضن جمالها. كل تلميذ يحصل على شهادة البكالوريا وتزغرد أمه ويجد مقعدا في التعليم العالي، فهو أيضا وردة من ورود أرواح المدينة الجميلة. كل مريض يخرج معالجا من مستشفياتها فهو أيضا ربح للمدينة ولحيه الشعبي أو الغني. حينما أسير بالقرب من مطاعمها أو مصانعها أو معاملها وأجد امرأة تشتغل بعرق جبينها لتطعم أبناءها فهذا المنظر روح جميلة تسكن البيضاء. حينما أتجول بأحيائها الشعبية وأجد ملعبا جميلا يتسابق فيه الأطفال عمن يسجل الهدف الأول وبالقرب منهم تباع كل الفواكه والخضر وصياح الباعة يكسر الأثمنة إلى أدنى حد، فهذا الصياح الذي يهز الحي على إيقاعات عيطة شعبية في الدكان الأيسر، فهو أيضا روح من أرواح المدينة التي تسكن ساكنتها.

أرواح إنسانية عديدة تسكن المدينة وعلى إيقاعات صوت “الترام” وصوت الحمام ووجوه بيضاوية تلخص المغرب الثقافي الشعبي والرسمي، وهي تحتسي ما حلا لها في ركن من أركان هذه المدينة الممتدة التي كانت تهيبني سابقا وكنت أتساءل هل هذه الوجوه سعيدة وهي تتنقل كالنحل كل صباح باكر نحو مقرات عملها؟. أدركت اليوم أن تكون مغربيا عليك أن تعيد حسابك مع هذه المدينة الأنثى والساحرة والتي إن تمكنت من فهم ألغازها أسرتك دروبها وأطعمتها وحلاوة حي الأحباس والمدينة العتيقة وهذا الهوى الذي سيسكن أضلاعك وأنت تلتفت يمينا ويسارا كلما كنت في عمق البيضاء الشعبي أو في جوانبها الاقتصادية التي تعانق السماء وكأنها قصيدة شعرية تتلاقح فيها بنيات حكي شعري قديم وآخر آت من رحم القصيدة الشعرية الحديثة. هي سمفونية شعبية إذا أصغيت لها جيدا تدرك لماذا العيطة المرصاوية (المرساوية) والغيوان ولمشاهب وتاكدة وأسماء عديدة من الشعر والسينما والمسرح والتشكيل وكرة القدم والإعلام والتلفزيون والراديو، الخ، ولدت هنا والتصقت أنفاسها بأنفاس هذه المدينة التي من دخلها وقد “طلب التسليم” لن يخرج منها أبدا بل سيصبح سفيرها العاشق لها والمفسر لأسرارها لمن لا يقدر على السير في أحشائها الليلية أو النهارية. ستدرك أيضا لماذا عشاق الطاس والرجاء والوداد جزء من هذه الروح التي تنعش البيضاء، وستفهم أيضا، أنه عشق ينعش العديد من الأبدان والأرواح والتي لابد لها لشيء تعشقه في مدينة من الصعب أن تلامسها دون أن تأسرك “الآلهة” التي أسرت سندباد في قصيدته رحل النهار وبقيت معشوقته تنتظر عودته طوال النهار وهو لن يعود لأن أمكنة البيضاء أسرته !.

* أستاذ باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...