المرأة.. مشروع تحرري لم يكتمل بعد … بقلم محمد جباري(*)

كلما حل يوم 8 مارس من كل عام، يعود موضوع المرأة للواجهة، للوقوف وقفة تأمل في المحصلة ومنسوب التقدم الذي حققته النساء في مسارهن الكفاحي، ولطرح المزيد من الأسئلة حول واقعها في المجتمع العربي، الذي لم يسمح لها بعد بالارتقاء إلى مراكز القرار والقيادة السياسية بخاصة. لاختبار وتجريب التجربة النسوية في هذا المضمار، لعلها تبرهن عن نتائج وحصيلة مشجعة، لم يسفر عنها الفعل الذكوري منذ الاستقلال.

وبهذه المناسبة سنحاول إلقاء إطلالة خاطفة، والقيام ببعض الوقفات البانورامية على المسار التحرري والحقوقي للمرأة. فحسب الدراسات التاريخية والأنتربولوجية والإثنوغرافية، يمكن تقسيم تاريخ المرأة إلى ثلاث مراحل كبرى: مرحلة السيادة في الحضارات القديمة، حيث تعددت أدوار المرأة في الإنتاج والسياسة والدين والعائلة. ومن هنا صاغ جاكوب باخوفن ثلاثية المرأة: الأم – الأرض- الأصل. فقد كانت المرأة تتمتع بإباحية جنسية لا تقيدها علاقات زواج منظمة، كما مارست هيمنة أسرية، حيث كانت تنسب إليها أبنائها وتورثهم ثروتها، وهو ما سماه روبير غريفز ب “ثورة النساء”. وعندما تحولت المجتمعات من نظام القطف والصيد، إلى نظام الزراعة، كانت المرأة الرمز الأكثر تعبير وتمثيلا للأرض والخصوبة والإنتاج…الخ. أما المرحلة الثانية، فتتمثل في انتقال المجتمع العشائري من المشاعية الجماعية للأرض، إلى الملكية الفردية والسكن في المدن، حيث ستنبثق لأول مرة القوانين لتنظيم العلاقات الاجتماعية في إطار الدولة. إذ ستقيد المرأة بالزواج الأحادي، وستفتقد كل السلط والحريات التي تمتعت بها سابقا في ظل النظام العائلي، في مقابل خضوعها لسلطة النظام الأبوي/ البطريركي الجديد، الذي سيفرض عليها مهام محددة، تنحصر في وظيفة الإنجاب والتربية وأشغال البيت وطاعة الرجل. وهكذا نلاحظ أن المرأة تحولت من “الأصل إلى التبعية، من الحرية والاستقلال إلى الخضوع والانصياع.”

هذا النظام الجديد/ البطريركي، سيحمل معه مجموعة من القيم والتمثلات والكليشيهات حول المرأة. والغريب هنا أن هذه القيم سيتبناها ويجاهر بها كبار الفلاسفة والمفكرين ممن يحسبون عادة رواد التنوير والعقلانية والحقوق. في هذا الصدد يرى الفيلسوف الإغريقي أفلاطون أن المرأة عاجزة عن تحقيق صفة “التطهير”، الذي يعد شرطا لبلوغ الكمال. ولهذا فالعلاقة بين الرجل والمرأة غير متكافئة، فالأول أذكى وأقوى وأقدر على التحرر من فتنة وسلطة الجسد. وقد حذا حذوه تلميذه أرسطو، الذي اعترف بعدم المساواة بين الرجل والمرأة.

وخلال العصور والوسطى سيزداد وضع المرأة سوءا وقتامة، حيث سينظر لها بوصفها “قن” أو “إقطاع”، فقد كان الإقطاعي يمنح لنفسه الحق في عروس قنه، حيث له حق الليلة الأولى فيما يعرف ب “حق التخفيذ” و “حق حزام العفة”. ومن جهة أخرى، كانت المرأة “وعاء الشر والسحر والشعوذة لدرجة خضوعها لمحاكم التفتيش في إيطاليا واسبانيا وألمانيا وفرنسا وحرقها في الساحات العمومية”. لقد كان الرجل أحيانا يبيع امرأته بالمزاد العمومي، وطرح اللاهوتيون تساؤلات مهينة وخسيسة حيال المرأة من قبيل: هل للمرأة نفس؟ وقالوا أن المرأة باب جهنم، ومعمل أسلحة الشياطين، وصوتها فحيح الأفاعي، وهي نبال الشياطين، وأنها سامة كالمصِّلّ، وحقودة كالتنين…الخ.

إذا انتقلنا من عصر الظلمات بمثالبه الشتى، إلى عصر التنوير بما هو تأسيس للحداثة والعقلانية والحقوق الطبيعية وتمجيد الإنسان، سنجد أن هذا العصر ورجالاته شأنه شأن سابقه، حيث لا يخلو هو الآخر من صور نمطية وأحكام مسبقة تبخس المرأة حقها الطبيعي وقدراتها الخاصة. فقد قال المفكر الفرنسي جون جاك روسو قولة مثيرة للجدل وهي ” لا توجد المرأة إلا من أجل الرجل سيدها”. كما استبعد الفيلسوف الألماني هيغل المرأة من قيادة الدولة، لأنها أكثر رقة وحساسية. وأما نيتشه فيلسوف القوة، فقد سلط مطرقته بشكل عنيف على المرأة قائلا: ” إذا كنت مع المرأة فلا تنسى أن تأخذ معك (الكرافاش) السوط”.

ولم تشد المرأة العربية عن هذا التصور “الكوزموبوليتي” الذي مس كل نساء العالم. وسيتكرس هذا المشهد، المنافي لروح الإسلام، بعد انهيار الخلافة العباسية، وانغماس العرب في سبات وانحطاط عميق، كرس دونية وحقارة وقصر المرأة، استنادا إلى التقاليد والأعراف والثقافة الشعبية الفجة، مما سيؤثر حتى على التأويل الديني والفقه في نظرته للمرأة، والذي يتسم عموما بالسلبية والإقصاء والإدانة. فقد لجأ النظام البطريركي في سبيل الحفاظ على مكاسبه ومصالحه وتكريس هامشية المرأة واستبعادها من السياسة، إلى التفسير الفقهي المغلوط للنصوص الدينية، لشرعنة الموقف الذكوري الإسلامي من المرأة. ومنها قول الصحابة “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” و “شاوروهن وخالفوهن” و “الأخذ برأيهن مفسدة” و “خالفوا النساء فإن في خلافهن بركة” وكذا “أربع مفسدة للقلوب: الخلوة مع النساء والاستماع منهن والأخذ برأيهن ومجالس الموتى”. ولعل خير من عبر عن هذا التوجه السلفي المتطرف والمناهض لحرية المرأة، التي أقرها لها الإسلام وكفلتها لها المواثيق الدولية المعاصرة، هو الشيخ الإخواني حسن البنا الذي قال: ” مهمة المرأة زوجها وأولادها، أما ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة، فنرد عليهن بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقلا ودينا”. ولعل هذا الخطاب سيتبين تهافته وفجاجته والانتقائية التي يمارسها في اقتناص النصوص الدينية للتنظير وتغليط الرأي العام، عندما نستحضر طائفة من الأقوال والشهادات الدينية، التي تدحض مزاعم الفقه السلفي المتطرف. منها “النساء شقائق الرجال”؟ ومنها أيضا مشورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأم مسلمة في صلح الحديبية، وقبوله أن تمثل أسماء بنت يزيد النساء وتنقل كلامه الشريف إليهن. إن الشواهد من هذا القبيل كثيرة، التي تنهض دليلا قاطعا على مكانة وموقف الإسلام الإيجابي والمتقدم، من المرأة ومشاركتها في المجتمع وتحمل المسؤوليات.

وفي المغرب، فقد سيطر لقرون طويلة الفقه التحريمي على الضمائر والمجتمع برمته، وكانت المرأة العنصر الأكثر تضررا من هذا الموقف، حيث فرض عليها الحجر، واختزلت – عنوة – في جسدها ووظيفتها البيولوجية، فيما حرمت من حرياتها لاسيما التعليم. وفي هذا الإطار نستدعي الفقيه ابن باز، الذي يعد مثالا في التحريم. ومما حرمه ضمن فتاواه التحريمية، تحريم سفر المرأة لوحدها بدون محرم، وزيارة الطبيب الذكر، وارتداء الملابس العصرية، وتعرية الشعر والوجه، واستعمال موانع الحمل، ورفع الصوت أمام الرجل، والسلام باليد على الرجال، وقيادة السيارة، وتصوير الوجه، والاختلاط، وشهر العسل، ورؤية الخطيب، وخاتم الخطوبة، والجلوس مع الخطيب، على المنصة، والوقوف في الشرفة، والمشي وسط الطريق، والالتفات إلى الوراء، وإظهار القدم أو الظفر…الخ.

لا نحتاج لكبير عناء لاستخلاص والدلالة على قتامة وانغلاق وتطرف وظلامية هذا الموقف، الذي يتلبس اللبوس الديني. لكن الأهم هنا هو التساؤل عن المصادر والمراجع التي اعتمدها هذا الفقيه لكيل محرماته تلك؟ ولعلنا إذا ناقشنا هذه الأفكار التي جاء بها، مناقشة بسيطة، ستتضح ضحالة وهشاشة مواقفه. لنفترض أن ثمة امرأة ألم بها وباء ولا توجد طبيبة أنثى، فماذا سيكون حكم هذه المرأة، هل تؤمن بالفتوى وتستسلم وتنتظر قضاءها المحتوم؟ أم تقدم صحة بدنها وتنقذ نفسها من الهلاك، وتزور الطبيب الذكر؟ ألم يستحضر هذا الفقيه قبل صياغة فتواه، أن الدين الإسلامي قدم صحة الأبدان على الدين؟ فالجسد المريض لن يقوى على العبادة. وألم يستحضر كذلك أن حفظ النفس من بين مقاصد الشريعة؟ وأن الضرورات تبيح المحظورات. وفيما يخص تحريم موانع الحمل، ألم يتساءل صاحبنا عن مآل ومحصلة هذه الفتوى، التي تؤدي إلى تزايد عدد الأبناء على حساب حقوقهم في التغذية والتطبيب والملبس والتربية والتعليم… فكيف يمكن لأسرة معدومة، أن تستجيب لمتطلبات وحقوق أبناءها؟ علما أن الإسلام ينص على ضرورة مراعاة حقوق الطفل. ألن يكون ذلك ارتكاب لإثم في حق الطفل؟ لن نطيل في سرد ومحاججة ومناقشة تلك التحريمات التي نوجز القول فيها بأنها متهافتة. إن وضع المرأة في العالم الإسلامي قبل الاستعمار، هو ما عبر عن الشاعر ناظما:

كتب الحرب والقتال علينا         وعلى الغانيات جر الذيول

وبعد الاحتكاك الحضاري بين المسلمين وأوروبا إبان القرن 19 وبداية القرن 20، وبداية ما يسمى ب “النهضة العربية” المجهضة، ستظهر مجموعة من الكتابات ذات النزعة النهضوية والتنويرية، جعلت من المرأة قضية مركزية ضمن قضايا الإصلاح في العالم العربي. في هذا السياق دعا رفاعة الطهطاوي إلى تعليم المرأة ” لحسن معاشرة الأزواج… فإن هذا مما يزيدهن أدبا وعقلا… ويصلحن به لمشاركة الرجال في الكلام والرأي، فيعظمن في قلوبهم … وليمكن للمرأة عند اقتضاء الحال، أن تتعاطى من الأشغال والأعمال ما يتعاطاه الرجل… وهذا من شأنه أن يشغل النساء عن البطالة… (التي) إذا كانت مذمومة في حق الرجال فهي مذمة عظيمة في حق النساء…”. أما محمد عبده، فقد انتقد نظام تعدد الزوجات، وطالب من المسؤولين منعه، لقاء ما يترتب عليه من فساد وهضم لحقوق المرأة والعداوة بين الأبناء. كما ربط قاسم أمين بين انحطاط المرأة وانحطاط الأمة في علاقة جدلية عندما قال: ” فإن ارتقاء الأمم يحتاج إلى عوامل مختلفة متنوعة، من أهمها ارتقاء المرأة، وانحطاط الأمم ينشأ من عوامل مختلفة متنوعة أيضا من أهمها انحطاط المرأة. فهذا الانحطاط في مرتبة المرأة عندنا هو أهم مانع يقف في سبيلنا ليصدنا عن التقدم إلى ما فيه صلاحنا.” إن المرأة حسب قاسم أمين، مثل الرجل لا تختلف عنه في فيسيولوجية الأعضاء، ولا في الإحساس ولا في الفكر وغيرها من خصائص الإنسان، إنما تتمايز عنه فقط في النوع.

مما لاشك فيه أن المرأة المعاصرة قطعت أشواطا في مسارها التحرري وحققت مكاسب عدة، لاسترداد مكانتها الطبيعية في المجتمع. لكن تجدر الإشارة إلى أنه ليست جميع النساء يسرن في نفس الخط التصاعدي التحرري، بل هو خط يطبعه التفاوت بين نساء الشمال ونساء الجنوب أو بعبارة أدق: بين المرأة المتقدمة (الغرب)، والمرأة النامية (العالم الثالث). هذا الأمر يعزى إلى عوامل تاريخية ترتبط بسؤال التقدم والتأخر بين الذات والآخر. ويمكن أن نذهب اكثر من ذلك، ونشير أنه حتى داخل الدول المتخلفة، ثمة فروقات مجالية واجتماعية وثقافية بين النساء، بحيث تختلف وضعية المرأة الحضرية عن وضعية المرأة القروية، على جميع المستويات منها التعليم.

إن المرأة مشروع حداثي وتحرري لم يكتمل بعد في العالم العربي تحديدا، والسبب أن تحرر المرأة ليس عملا تلقائيا وميكانيكيا، يمكن أن يحصل بين عشية وضحاها، في مجتمع تقليدي لا تزال فيه الصور النمطية والأحكام المسبقة حيال المرأة، وسلطة التقاليد والأعراف راسخة ومتجذرة في المتخيل الجمعي، وفي البنيات الاجتماعية والثقافية. لهذا فإن تحرير وتحديث المرأة  مخاض عسير، لأن المسألة ليست تقنية ومادية، بل الأمر يتعلق بالنظام الفكري وبالعقليات التي لا تتغير بسهولة، والتي تبدي مقاومة مستميتة تجاه كل جديد يهدد منظومة القيم والمعتقدات والتمثلات القديمة. ولعل أخطر المقاومات التي تواجه المسألة النسائية، هي مقاومة النساء أنفسهن، وتفضيلهن عبوديتهن المختارة، واصطفافهن إلى جانب القوى الذكورية المناهضة للمرأة، والتي تجد فيهن سندا للمناورة والتعبئة والمرافعة ضد دعاة التحرير النسوي. ولتجاوز هذا العائق وربح رهان التحرر النسائي، ينبغي أن يتم توسيع دائرة الاهتمام والاشتغال الحقوقي والقانوني، ليشمل الوعي الثقافي، الذي يعد شرطا لتحقيق البعدين الحقوقي والقانوني، ذلك أن النضال النسائي، هو نضال وصراع ضد المجتمع وثقافته وقيمه وتمثلاته وأيديولوجيته. وفي كلمة قصيرة بليغة المعنى والعمق، نقول أن “المرأة مدرسة إن أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق”.

(*) أستاذ باحث في التاريخ

E-mail : jabari [email protected]


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...