مرايا الذاكرة..أوالسرد المختلف.. بقلم ذ.التهامي ياسين

* ذ أومليل كما عرفته محاضرا في الجامعة.
في تلك القاعة الصغيرة المعروفة بالكلية بجامعة محمد الخامس، والتي كانت تتسع لعددنا المحدود كطلبة. كنا نلتقي بالأستاذ علي أومليل أستاذا محاضرا..يشرح لنا بنبرته المتميزة دون الحاجة إلى مكبر الصوت الآلي، هذا المكبر الصوتي كان يحجب عنا نبرات بعض أصوات الأساتذة الآخرين الحقيقية، يحلل ذ علي أومليل مفهوم ومنهجية الكتابة التاريخية عند ابن خلدون في مادة فلسفة التاريخ مقارنة مع الطبري وغيره من الرواة السابقين في رواية التاريخ وكتابة أحداثه .دروس أومليل وقتئذ كان يبدو فيها وهو يحاضر أن هاجسه المعرفي والمنهجي ينصب على التمحيص والمساءلة.. يتأمل النصوص التي وصلتنا من الماضي بعمق وبأسئلة دائمة وولع شديد بالمعرفة، كان دقيقا للغاية في مفاهيمه..كنا نتساءل باستمرار ما إذا كان أومليل يمكن اعتباره أستاذا يعلم السوسيولوجيا أوأنه فيلسوف التاريخ..فهو يؤلف ويجمع بين الوقائع التاريخية والاجتماعية ،ويتخذ مسافة معها للتأمل فيها وللمساءلة والتحليل النقدي..الزمان الذي نتحدث عنه هو بداية السبعينات من القرن الماضي. في نفس تلك الفترة ذات الخصوصية المعروفة في تاريخ المغرب السياسي، أيضا كنا نشعر أننا ونحن نتابع دروس أومليل أمام رجل سياسة، حقوقي أنواري وملتزم.. فيعتبره المرء دون تردد حين يمعن في انتقاداته وكتاباته وأفكاره ومواقفه من الأحداث، ماضيها وحاضرها، يعتبره مفكرا يساريا.. كذلك يلحظ في نفس الوقت تميز الرجل واختلافه مع الراحل المفكر الجابري وآخرين.. نذكر كتابه المتميز «الدولة الوطنية والإصلاحية الوطنية» الصادر سنة 1982.فأن يكون المرء فيلسوفا وأستاذا في الوقت ذاته، يعني أن يعطي للبحث التاريخي الفكري والفلسفي شكل عرض متراص متنام، لابد أن تتمخض عنه نتائج هامة. والمتأمل لأحوال ووضعيات المشتغل بقضايا الفكر والبحث والثقافة عموما.. يمكن أن يتفق مع الباحث الفرنسي «موريس بلانشو» Maurice Blanchot الذي يرى
أن الإمكانيات الشكلية المتاحة أمام رجل البحث يمكن أن تتحدد في أربع :
1 – فهو إما أستاذ يعلم ،2 – أو رجل معرفة ، وهذه المعرفة مرتبطة دوما بالأشكال الجماعية للبحث المتخصص (التحليل النفسي – علم اللاعلم ،العلوم الإنسانية ،الأبحاث العلمية الأساسية.3 – أو أنه يربط البحث العلمي الذي يزاوله بالممارسة السياسية .4 – أو أنه يكتب أي يمتهن حرفة كاتب. ومن ثمة فنحن أمام إمكانيات أربع: الأستاذ، رجل المخبر، رجل الممارسة، الكاتب.. والحقيقة أنه يمكن أن نعثر على هذه الكيفيات الأربع من الوجود.. في شخص ذ علي أومليل، ليس وحده من تجتمع فيه تلك المميزات، هناك أسماء أخرى كذلك لكنها رحلت. أذكر أن أطروحة أومليل كانت في ابن خلدون وكانت متميزة، ولم تساير الأطروحات المتداولة المعروفة، تلك الأطروحات التي كانت تذهب إلى أن ابن خلدون قد نظر إلى التاريخ نظرة مادية.. وأن ابن خلدون قد درس التاريخ الاجتماعي، وألح على مسألة الصراع والتناقض في الحركة التاريخية للبشر إلى غير ذلك من هذه المسائل المغرية.. ففي كتابه «الخطاب التاريخي» لا يسأل أومليل عن حقيقة فكر ابن خلدون.. وهو أيضا لا يسأل النص الخلدوني من حيث هو حامل للحقيقة. لذا فهو لا يحاول استنطاقه للإجابة عن أسئلة اليوم أو استثماره كما فعل البعض فيما يعنينا من قضايا. لذا لا تكمن جدة تدخل الأستاذ أومليل في أنه يغني الخزانة الخلدونية بتأويل آخر لفكر ابن خلدون، ويضيف إلى التواريخ التي كتبت عن ابن خلدون – وما أكثرها- كتابا آخر. إن الجدة هنا – كما يؤكد على ذلك – ذ عبد السلام بنعبد العالي – جدة استراتيجية لا تريد أن تضع تأويلا آخر بقدر ما تحاول رسم حدود التأويل الممكن. فكل أفكار ومفاهيم ابن خلدون ونظرياته مثلا في الدولة تتحدد بالحقل التاريخي، ولذا فالدولة الخلدونية مرتبطة بحقل جغرافي – تاريخي. و»هي دولة ذات أساس قبلي، ليست دولة المجتمع القبلي، بل هي الدولة التي يؤسسها الرحل وسكان الجبل». إن أومليل وهو يبحث طيلة مساره المهني يؤكد على تجنب التأويلات المتسرعة والإسقاطات والانزلاقات النظرية التي يقع فيها الباحث أيا كانت خلفيته (سلفيا أو ماركسيا او ليبراليا.. الخ) خاصة في تعامله مع المفاهيم السياسية في التداول العربي المعاصر. فالماضي في نظره مازال بعبئه حاضرا بقوة، والمشكل هو أن حضوره ليس واضحا لأنه لابد وأن يختلط بأشياء آنية: في المعيش، في الأفكار، وغير ذلك، أي أن حضوره فوضوي، ليس فقط في مستوى الحياة اليومية، وإنما في أذهاننا، وإعادة الصياغة هذه مهمة لكي لا يختلط الحاضر في الماضي مسألة منهجية دقيقة تجنبنا التيه والاستلاب والخلط بين الأزمنة وعدم احترام منطق التطور.. لكن ونحن نقرأ كتابه «مرايا الذاكرة» الصادر سنة 2016 لم يخطر ببال المهتم بفكر أومليل الفلسفي أن هذا الأخير يخفي ولعا شديدا بالسرد والرواية والحكي.. لكن بطريقته التي تحضر فيها تلك الملاحظات المنهجية، وتلك الصعوبات الخاصة الخاصة بالاستعمال المنهجي للمفاهيم في فهم التاريخ والمجتمع والتراث المشار إليها. ربما لم نكن ننتبه لأسلوبه الذي يختزن العمق الشديد وكثافة الصورة، لغة الوجدانية حيث يتكلم الباحث لغة وكلاما آخر، ربما أن المقام لم يكن يسمح له بذلك. في سيرته هاته يخفي غضبا داخليا، وعاصفة وبلاغة أخرى، وسردا مختلفا ومغايرا..، يكسر فيه السرد الخطي الذي اعتدناه عند البعض.. ويتحف فيه قراءه ويمتع طلابه القدامى بصور ومفارقات بسخرية مبطنة.. تجعل القارئ يستحضر تواريخ وأزمنة وأمكنة في المغرب وأحداثا كونية وحكايات.. يستعرض أومليل رحلته الخاصة من سوس جذور منطقته الأولى، ويبرز طريقة تفكير أهلها وكيف أنهم كانوا لا يعرفون شيئا خارج بلدتهم.. ثم تننشئته الاجتماعية بالقنيطرة، ورحلاته الى المشرق(القاهرة) لمتابعة الدراسة ،وهو في ذلك يطوف بالقارئ مستعرضا ومحللا أحوال البلدان التي زارها ومفارقات اليساريين والشيوعيين والقوميين والليبراليين الغربيين والحداثيين ،والهزائم والانتصارات والإخفاقات التي عرفها المجتمع العربي. ووضعية المغرب ومعتقل تازمامارت وحقوق الإنسان وحكاية الربيع العربي.. وتحولات الصين.. الخ .هي تداعيات ذاكرة لم تبخل بشيء عاشته وعاينته، تعلن وترمز الى ما شهده العالم من ثورات وتحولات في الأفكار والإيديولوجيات … هذا السرد يسافر بك في فضاءات رحبة كانت ومازالت وتمضي أخرى سريعة.. يتكلم عنها أومليل أحيانا بضمير الأنا المتكلم السارد، وأحيانا أخرى بسارد مفترض. ينمو النص بأسئلة وجودية ذات نفس قوي وبخيال يلطف ويخفف كثيرا من وطأة تجريدها الفلسفي والأنطولوجي والتاريخي إلى أن ينتهي بخلاصة تشعر فيها بخيبة أمل صاحبها وبإخفاقات مجتمعه وإحباطات أفراده، ومكر الزمان ودورته..
* مرايا الذاكرة ..أو أومليل «كاتبا ساردا»..
ذاكرة من؟ هل هي ذاكرته.. أم ذاكرة ميلاد وتطورالمجتمع المغربي في أزمنة وأمكنة مختلفة..؟هل بالإمكان أن يعثر كل منا على نفسه فيها بشكل أو بآخر؟ كيف يكتب أومليل هذه الذاكرة وهو المؤرخ الفيلسوف المؤسس للتنظيم الحقوقي والملم بثقافة حقوق الإنسان في زمن الحرب الباردة وصراع الإيديولوجيات في المغرب وفي العالم..؟والقارئ إذ يقرأ هذا السرد يتساءل عن تلك العلاقة بين الأدب والفلسفة ؟هل هي نفس العلاقة التي نراها بين الفيزياء والكيمياء؟ أو بين الفلسفةوالرياضيات مثلا..؟كيف يمتطي أومليل صهوة جواد الرواية ليمرر أفكاره الفلسفية؟ نرى أن كاتبا/فيلسوفا مثل جاك دريدا Jacques Derrida يقول في» الهوامش» عن تلك العلاقة: « إن الفيلسوف يكتب ضد الكتابة.إنه يكتب كي لا يحيد عن الدائرة المتمركزة حول اللوغوس..». لكن ونحن نقرأ سرد علي أومليل ككاتب نستلذ ونشقى بما يسرده في نفس الآن..أليس ذلك مقصودا وعن سبق إصرار وعزم منه؟ فإذا كانت الفلسفة نوعا من الكتابة، فهي من نوع خاص، لأنها تسعى إلى محو أو إخفاء خاصيتها الكتابية.لكن مهما يكن فجاك دريدا يعتبر العلاقة بين الفلسفة والأدب ليست علاقة جر أحدهما إلى الآخر ، أو دمج أحدهما في الآخر، بل يؤكد على التفكيك، وهو في نظره إثبات هذا التباعد أو الابتعاد الذي يقرب بين الطرفين بحيث يظهر كل طرف على أنه الآخر ذاته في إرجائه. ومن هنا نقف مع أومليل على التقاطعات المشتركة والتشاركات بين الأدب والفلسفة، وليس مجرد طي أحدهما في الآخر بإنكار الحدود النوعية للخطاب الفلسفي .لقد سيطر «هوى الثنائي فلسفة/استعارة على أومليل وراح يسافر بنا في التاريخ نكتشف المفارقات والعجائب والغرائب والخيال والأسطورة في هذا التاريخ ..تاريخ الأمم والمغرب خاصة.. هي حكايات مثيرة ظاهرها سرد جميل أخاذ وممتع وباطنها صراع إيديولوجي وعقائدي واجتماعي تاريخي طويل، يسعى أومليل فيه الى أن يملأ فراغ الفلسفة بالأدب كما يقول «ميلان كونديرا» .وتشعر وأنت تسافر من مكان إلى مكان ومن زمان الى زمان معه دون أن يسقط في سرده في النسيان ..أو إهمال منطق التاريخ الذي تحكم في تلك الأحداث…والتذكر أو الاسترجاع هنا عنده لا يعني استرجاع وقائع مضت ولم تعد، وإنما هو تذكر متميز لتلك الوقائع ما فتئت تحضر .نتساءل ..هل كتاب «مرايا الذاكرة « هو سيرة ذاتية autobiography نوع من من أنواع الكتابة التي تستعين بتقنية المرآة في سرد تفصيلات الحياة التي مضت ،واستدعائها بكامل طزاجتها وتلقائيتها كما عاشها أفراد المجتمع وكما نعيشها الآن نحن أيضا؟ أليست هذه السيرة الذاتية وهذا السرد كما سماه هو أوهذه المقالة الفكرية كما اعتبرها البعض تدخل في مراجعة الذات لنفسها والاعتراف بإخفاقاتها ونجاحها وكبواتها وصعودها، ويمكن أن يلاحظ ذلك القارئ وأومليل يأسى ويتحسر في آخر صفحة من كتابه مرايا الذاكرة يقول بمرارة: (الانحدار فيما تبقى من وقت الانسلال شيئا فشيئا من أشياء الوقت. الأحاديث حولك كأصداء بعيدة عن أشياء لم تعد تعنيك.أحيانا تنجر إلى الحديث، ثم تصمت فجأة فالذي تخوض فيه لم يعد يعنيك، المسافة تتسع بينك وبين الأشياء والناس ،لا شيء يهزك، حتى أفول الأصحاب القدامى الواحد بعد الآخر ،حتى أحاديث السياسة وأخبار الكوارث في العالم .تسيجت الذات المتعبة داخل ذاتها فلاشيء أصبح يفاجئ .ضاقت فسحة المستقبل فلا تخطيط لما تبقى من الوقت. ترتد الآن الى الماضي أكثر مما تتطلع إلى المستقبل. تقبض على الذاكرة حتى لا تتآكل بالنسيات. تستمع في حياد وقليلا ما تتحدث. الصمت مسافة تتسع بينك وبين أشياء دنياك. الصمت ضجر وعياء فلا جديد هناك. الصمت إصغاء لخطوات قادمة، خطوات لا تدري كيف ستكون. لعبت (يقصد أنت) أدوارا كثيرة على مسرح الدنيا وقريبا سينزل الستار. ستستأنف الحياة جريانها غير آبهة بمن رحل، الى أن ينفصل جرم تائه في الفضاء فيصدم هذا الكوكب ويفجره شظايا كما تفجرت كواكب واختفت عوالم وكأنها لم تكن، آن أوان الختام.) .
وبعد،
يقرأ القارئ «مرايا الذاكرة»، وهي مرايا مختلفة الأشكال والأحجام، وهي إما أن تكون مرآة مستوية تعكس صورة حقيقية إلى حد ما أو تقديرية للشيء المرئي، أو محدبة تقوم بتكبير الأشياء، أو مقعرة تقوم بتصغيرها، وهلم جرا، لكن لنترك للقارئ لهذا السرد المترع بالحيوات (ج.حياة) الواقعية والمتخيلة أيضا. الحق في قراءة هذا النص الذي يقع في في 160 صفحة وفي إعادة قراءته ليس فقط استعادة للمعاني التي أودعها المؤلف في هذا النص المكتنز، والتي تتآلف فيه الاستعارات والوقائع التاريخية والتساؤلات ذات البعد الفلسفي.. في سرد مختلف فني لم نعهده منه، وإنما لبناء جديد؛ بناء تلك المعاني بشكل آخر مغاير، ولنقل لإنتاج وتحويل مستمر وتشكل جديد آخر لذلك النص.

بني ملال في 12/2/2021


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...