ملاعب القرب ببني ملال.. إبعاد للأطفال وتكريس للفوارق الاجتماعية

إعداد: ع.اللطيف مرتضى

      تصوير: حمزة المتاقي

أطفال على حافة الخطر:
لايزال مألوفا مشهد أطفال يلعبون كرة القدم في الشارع أو في المساحات المحاذية للشارع ببني ملال، أطفال من أعمار مختلفة يتسابقون خلف الكرة ويحاولون إظهار مهاراتهم، وقد يذهب بهم الحماس إلى عدم الانتباه إلى الخطر الذي قد يأتي من سيارة مسرعة أو سائق متهور أو غير منتبه.
«معدناش باش نخلصو العساس»، هكذا عبر طه (15سنة)، عن تذمره من عدم قدرته على ممارسة لعبته في ملاعب القرب بحي الكعيشية وهو أحد الأحياء الكبيرة بمدينة بني ملال. لا يجد هذا الطفل وباقي أقرانه فرصة للاستفادة من خدمات ملاعب القرب المصطفة على طول شارع محمد السادس بالمدينة، بسبب عدم توفرهم على المبلغ المالي الذي قد يعطيهم مساحة لممارسة رياضتهم المفضلة، ليجدوا ضالتهم بأحد مواقف السيارات بجانب هذه الملاعب.
واستبشر الشباب المغربي عامة والملالي خاصة خيرا بعدما أعطى الملك محمد السادس تعليماته للجهات المسؤولة لإحداث فضاءات رياضية، لتكون متنفسا ترفيهيا للشباب الذي وجد نفسه بدون ملاعب بسبب الاكتساح الإسمنتي والعمراني للشركات العقارية، حيث أتاحت ملاعب القرب فرصة أمام الشباب لممارسة كرة القدم وللجمعيات الرياضية لتنظيم أنشطتها، وتربية الأطفال وصقل مواهبهم وتكوين لاعبين قادرين على تقديم الإضافة للأندية الوطنية.

’’خوصصة‘‘ الحق في اللعب:

هاشتاغ «لا لخوصصة المشاريع الملكية»، هو وسم أطلقه نشطاء التواصل الاجتماعي مطلع العام المنصرم ينددون فيه بما أسموه خوصصة المرافق العمومية، وذلك بسبب استخلاص مبالغ مالية تتراوح بين 80و90 درهم، مقابل الاستفادة من ملاعب القرب لساعة واحدة فقط، وذلك من قبل أشخاص يعتبرون مسؤولين عن تدبير تلك المرافق الرياضية.
يقول يوسف وهو من شباب حي الأمل ببني ملال، أنهم هناك مجبرون على أداء مبالغ مالية «للعساس» وهو القائم على الملعب، وذلك من أجل الاستفادة من خدمات الملعب. وبما أنهم لا يستطيعون توفير هذا المبلغ يضطرون إلى البحث عن مكان آخر للعب، وغالبا ما يكون عبارة عن مساحات خاصة بالتجزئات السكنية، تجعلهم عرضة لمجموعة من الأخطار.
يضطر الأطفال للعب في مواقف السيارات والتجزئات السكنية والمساحات المحاذية للطريق أو حتى في الشوارع، لأن ’’ جميع الأوقات المناسبة للعب مخصصة للموظفين والمستخدمين القادرين على دفع المقابل المالي لحراس ملاعب القرب المنتشرة في غالبية أحياء المدينة. ولا تتاح الفرصة لهؤلاء الأطفال سوى في الفترات غير المرغوب فيها، كأوقات الظهيرة التي تعرف فيها المدينة حرارة مفرطة خاصة في فصل الصيف‘‘، يضيف يوسف.
اللعب بالمجان، ولكن..
وكانت وزارة الشباب والرياضة، في عهد الطالبي العلمي، قد أصدرت مذكرة جرى تعميمها على المدراء الجهويين والإقليميين للوزارة، بولايات وعمالات المملكة، بخصوص الاستفادة من خدمات المراكز الرياضية والملاعب السوسيو رياضية للقرب، بما فيها المسابح المغطاة التابعة لها، مؤكدة على مجّانيتها.
واعتبر الفاعل الجمعوي محمد قدوري أن الحل هو تفعيل الشراكة المبرمة بين الجماعة وجمعية قدماء رجاء بني ملال وشروع الجمعية في مهامها، لتنظيف الأجواء و قطع أي وسيلة الاسترزاق من ملاعب القرب المجانية مطالبا في الوقت ذاته السلطات بالتدخل للحد من هدا التسيب. كما شدد على ضرروة حماية الأشخاص المشرفين على هذه الملاعب الذين لا يتلقون أي تعويض مادي من طرف الجماعة، بالإضافة إلى تعرضهم لمجموعة من المضايقات من طرف المرتفقين خاصة فيما يخص تنظيم المواعيد.
ووفق مذكرة وزارة الشباب والرياضة، التي اطلعت جريدة ملفات تادلة على نسخة منها، فإن «ولوج مراكز الرياضة وملاعب القرب التابعة للوزارة الوصية أصبح مجانيا، ولم يعد مسموحا استخلاص الواجبات المنصوص عليها في القرار السابق، وذلك تحت طائلة المساءلة القانونية». وحسب المصدر ذاته، فإن هذا القرار يأتي «في إطار استراتيجية الوزارة الهادفة إلى توسيع قاعدة الممارسين ودمقرطة الولوج إلى الخدمات التي تقدمها المؤسسات الرياضية التابعة لوزارة الشباب والرياضة بمختلف العمالات والأقاليم».


تكريس للفوارق:

وقال رشيد وهو أحد شباب المدينة، ’’ أن المبادرة الملكية أقرت بمجانيتها، لكنني كممارس نفسي مطالبا بآداء رسوم تصل إلى 60 درهما أي 30 درهما لكل فريق من أجل مقابلة واحدة، الشيء الذي أثر على الهدف المرسوم للمشروع، وأصبحت الاستفادة حكرا فقط على الموظفين الذين يتوفرون على مدخول مالي عكس الشباب المعطل‘‘. وأضاف ’’ وجدنا أيضا قيودا أكثر تعقيدا وهي أن الاستفادة من هذه الملاعب يتطلب الانخراط في جمعية من أجل الاستفادة تحت لوائها، لكننا نحن الشباب غير مبالين بهذه الأنشطة الجمعوية، مما يغيب حق الاستفادة من هذه المرافق العمومية‘‘.
ومن جانبه، يعتبر عبد الإله أب لطفل من ساكنة حي لمسيرة، أن مافيا العقار هيمنت على البقع والأراضي التي يجب أن تقام فيها هذه الملاعب، مؤكدا على أن الملاعب المتواجدة حاليا في شارع محمد السادس شيدت فقط لأن تلك الأراضي غير صالحة للبناء. وأضاف عبد الإله، أن ’’ مسؤولية قلة ملاعب القرب ملقاة على عاتق مدبري الشأن بالجماعة الحضرية لبني ملال. هذه الأخيرة، تصرح بمجانية اللعب في ملاعب القرب، في حين أن حراس هاته الملاعب يتلقون تعويضات من قبل الموظفين، لبرمجة مقابلات في الساعات التي يريدونها في ظل عدم صرف أجور هذه الفئة‘‘.
بدورها مريم وهي أم لطفلين قالت في تصريح لملفات تادلة، إنها كلما أخذت أطفالها للعب في أحد ملاعب القرب إلا وقيل لها أنه محجوز لأحد المؤسسات. مضيفة أن هذه الملاعب تفتقد لشيء اسمه «المجانية». وتابعت المتحدثة، أن الجمعيات التي تدعي حرصها على مجانية اللعب في هذه الملاعب غائبة تماما، ولا تقوم بأي مجهود أو تنزيل لأي برنامج يخدم مصلحة الأطفال المحرومين من هذا المرفق العمومي.

من المسؤول؟

أما فيما يخص الجهة المشرفة على ملاعب القرب بالمدينة، قال عبد الجليل أزدود المشرف العام على ملاعب القرب بالمدينة في تصريح خص به جريدة ملفات تادلة، أن ملاعب القرب الجاهزة لاستقبال الراغبين في ممارسة الرياضة بمدينة بني ملال هي01 ملاعب فقط، مضيفا أن المسؤولين عن تدبير ملاعب القرب هاته هم الجماعة الحضرية للمدينة بشراكة مع جمعية قدماء رجاء بني ملال.
وأضاف أزدود، أن الملاعب التي تم تشييدها مؤخرا بشارع محمد السادس تعرف بعضا من الفوضى حيث سبق للجماعة أن توصلت بمجموعة من الشكايات، تفيد هيمنة وسيطرة بعض الأشخاص على هذه الملاعب وإجبار المرتفقين على تأدية مبالغ معينة. وأضاف قائلا أن ’’ الجماعة الحضرية لا تتحمل مسؤولية تدبير هذه الملاعب، كونها لم تتسلمها بعد من طرف الشركة التي أعطيت لها مهمة انجاز هذا المشروع‘‘.
شاهدنا في جولة لنا بعض الأطفال بلباس رياضي، متشبثين بسياج بعض الملاعب وهم يتابعون مباراة داخلها، هؤلاء الأطفال يأخذون حسرتهم ويتجهون إلى أقرب مساحة تتيح لهم اللعب بالمجان رغم المخاطر التي تحيق بهم، الأهم أن يمارسوا حقهم في اللعب وممارسة هوايتهم بينما نتابع كي يتبخر طموح طه وأقرانه في الاستفادة من هذه المرافق العمومية التي من شأنها أن تعزز مواهب الشباب وتصقل طاقاتهم وتشجع الممارسة الرياضية داخل الأحياء.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...