محمد نجيب الحجام.. الرحّالة الذي أبى أن يموت إلاّ على سفر

   – ملفات تادلة 24- محمد لغريب

قبل عام تلقت أسرة ملفات تادلة مكالمة قصيرة لكنها موجعة، الأستاذ والمؤسس لفظ أنفاسه الأخيرة داخل المحطة الطرقية للمسافرين ببني ملال، محمد نجيب الحجام الذي قضى حياته رحالة بين الأماكن والسجون والتجارب والأفكار، يغادر وهو يستعد لرحلة أخرى، كأنه أبى ألا تأخذه الموت إلا على الحال الذي عرفناه فيه، وكأنه أبى إلا أن يغادر شاهقا وملتزما، مضى في رحلته الأخيرة مخلفا وصية وأثرا.

الخطوات الأولى في الحياة وفي السياسة

ولد محمد نجيب الحجام في 16 من دجنبر من سنة 1956 بأحد أحياء بني ملال الشعبية بالمدينة القديمة، وسط أسرة فقيرة من والده المعلم الكبير المعروف بالشوري الذي كان يمتهن مهنة الحلاقة، ومن والدته شريفة بنت عمر حيث عاش الطفل محمد إلى جانب إخوته الثمانية (خمسة ذكور وثلاث بنات) تحت كنف عائلة « أيت الشوري».
قاد الوعي السياسي والحس الوطني المعلم الكبير، والد محمد الحجام إلى الانخراط في حزب الشورى والاستقلال، وعين مسؤولا جهويا عن الحزب مما عرضه إلى الاعتقال عدة مرات والنفي من طرف سلطات الاحتلال الفرنسي إلى منطقة «أنركي» بإقليم أزيلال مدة سنتين من سنة 1952 إلى سنة 1954، حيث أن انتماء المعلم الكبير لحزب الشورى والاستقلال جلب له الكثير من المضايقات، خاصة أن الفترة عرفت صراعا محموما بين حزب الاستقلال بزعامة علال الفاسي، وحزب الشورى والاستقلال بزعامة محمد حسن الوزاني.
اختار المعلم الكبير اسم محمد نجيب لابنه، تيمنا بأول رئيس للجمهورية المصرية، بعد أن تمت الإطاحة بالملك فاروق خلال الانقلاب الذي قاده الضباط الأحرار سنة 1952، ومن تم بقي محمد الحجام معروف باسم نجيب وسط أصدقائه ورفاقه إلى إن اكتشف لاحقا أن اسمه فعلا مركب من اسمين هما محمد ونجيب.
ولج الطفل محمد الحجام المدرسة الابتدائية سنة 1962، حيث حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة باب فتوح سنة 1966 والتحق بثانوية الحسن الثاني ببني ملال، ليطرد منها خلال الموسم الموالي سنة 1967 بعد تزعمه إضرابا للتلاميذ، ليظل محمد نجيب بدون دراسة إلى غاية 1975 ثم عاد للدراسة مجددا بعد افتتاح أول مدرسة حرة بالمدينة، وهي مدرسة أبي بكر الصديق التي أسسها العلمي، وكان ذلك على نفقته الخاصة، لأن الطفل محمد الحجام ابتلي بممارسة التجارة وهو صغير السن، إذ فتح عينيه على زنقة «الهريا» المركز التجاري المهم والمتواجد بقلب المدينة، والذي كانت تقصده ساكنة المدينة لاقتناء حاجياتها، لكن التلميذ محمد الحجام لم ينجح في نيل شهادة الباكالوريا بعد الدراسة في المدرسة الخاصة.
بعد رحيل الوالد المعلم الكبير سنة 1976، وجد الطفل محمد الحجام نفسه أمام خيار الكفاح من أجل تحصيل القوت اليومي ومساعدة أسرته على مواجهة تكاليف الحياة، لذلك امتهن التجارة وجال بالأسواق الأسبوعية بالمنطقة، ثم غادر إلى الدار البيضاء واشتغل بالميناء ليعود من جديد إلى بني ملال وإلى مهنته المفضلة، وهي ممارسة التجارة دون أن يتخلى عن طموحه في التحصيل العلمي والتكوين السياسي.
كان لتواجد مقرات الأحزاب السياسية والنقابية بمقربة من سكن محمد الحجام بقلب المدينة القديمة، وتحديدا حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال والاتحاد المغربي للشغل تأثير بالغ على تكوين وعيه السياسي بالقضايا التي كانت تشغل بال أجيال ما بعد الاستقلال، فتشرب لغة السياسة والنضال مبكرا مدفوعا بالواقع اليومي وتاريخ والده النضالي بالمدينة، وبواقع الصراع الطبقي المرير، لذلك بدأ منذ بداية السبعينات من القرن الماضي مواكبة وحضور مختلف الأنشطة النضالية والتكوينية التي كان ينظمها حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ببني ملال.
وبعد المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي سنة 1975 سينخرط محمد الحجام بقوة في مختلف المعارك النضالية التي كانت تقررها أجهزة الحزب، وسيصبح كاتبا إقليميا للشبيبة الاتحادية سنة 1976، حيث كانت بني ملال في تلك المرحلة قلعة اتحادية مهمة في المغرب.

بين أيدي الجلادين وفي ظلمة الزنازين

ترأس محمد الحجام، في سنة 1976، بعثة الشبيبة الاتحادية إلى العراق في إطار التبادل الثقافي بين حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب البعث العربي الاشتراكي بالعراق الحاكم في تلك المرحلة، وحصل على منحة لمتابعة الدراسة هناك، كما حصل على شهادة الباكالوريا شعبة الآداب بعد سنة من الدراسة هناك، ولم يكن نيل هذه الشهادة أمرا سهلا بالنسبة إليه، لأن نظام التعليم بالعراق كان مختلفا تماما عما هو قائم بالمغرب.
شكل تواجد محمد الحجام بالعراق أحد أبرز العوامل التي ساهمت في بلورة مساره السياسي، ورسخت في وعيه ضرورة النضال من أجل تجسيد الأفكار التي كان يؤمن بها، وبالتالي تحقيق الحلم الذي راوده منذ أن انخرط يافعا في صفوف الشبيبة الاتحادية، فكان لا يتردد طيلة السنة التي قضاها ببلاد الرافدين في الحضور للحلقات التثقيفية والمحاضرات التي كان ينظمها حزب البعث العربي الاشتراكي بالعراق، وخاصة المحاضرات التي كان يلقيها مشيل عفلق وصدام حسين وغيرهم، غير أن تكوين محمد الحجام السياسي وحماسه وشغفه بالسجالات الفكرية والسياسية وطموحاته كانت تتعارض مع طروحات حزب البعث العراقي، الشيء الذي جعل السلطات العراقية تدعوه لمغادرة العراق بعد سنة قضاها ببلاد الرافدين.
وفي هذا الصدد قال الراحل محمد الحجام حول هذه القضية في برنامج سقط القناع الذي استضافته فيه الصحفية عائشة التازي على أمواج الإذاعة الوطنية «كنت أرى في الانتماء لحزب البعث خيانة لانتمائي لحزب الاتحاد الاشتراكي، كنت أقاوم في البداية حزب البعث الاشتراكي في ندوات من منطلق ماركسي… أخبرت بعد حصولي على الباكالوريا بأني غير مسموح لي بمتابعة الدراسة هناك، وأنه رهن إشارتي تذكرة الطائرة للسفر لأي بلد في العالم «.
اختار محمد الحجام العودة إلى المغرب والتحق بكلية الآداب ظهر المهراز بفاس بشعبة الفلسفة، وانخرط في نضالات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وخاض مختلف الصراعات والسجالات السياسية والتنظيمية والفكرية التي كانت الجامعة ساحة لها، مما مكنه من اكتساب تجربة كبيرة زادت من شعبيته وسط الحركة الطلابية بموقع فاس وباقي المواقع الأخرى، لذلك اندفع ورفاقه للدفاع عن أطروحات حزب الاتحاد الاشتراكي، والمرافعة عن القضايا الأساسية للشعب المغربي وسط الجماهير الطلابية، خلال حلقيات النقاش التي كانت تشهدها الجامعة عبر التأطير المستمر والحضور المتواصل في نقاش القضايا التي تفرزها الساحة الجامعية.
وقال رفيقه سليمان بنعدي في شهادة له حول نضال محمد الحجام بجامعة فاس «كان الفقيد (محمد الحجام) فارس الحلقيات بدون منازع عبر التحليل الرصين، احترام أدبيات النقاش، احترام الرأي والرأي الآخر، الاسترسا

ل في التحليل، لم يكن يوقفه إلا علامات العياء فيأخذ الكلمة رفيقه أيمن، والذي لم يكن أقل حنكة منه ولباقة وإشعاعا، كانت الحلقية تنتهي عادة عندما يأخذ التعب منا مأخذه، أو بسبب تدخل خارجي».
مكنت التجربة السياسية والفكرية التي اكتسبها محمد الحجام خلال مسار

ه النضالي من احتلال مواقع قيادية بجامعة فاس فتحمل المسؤوليات بتعاضديات ومجالس القاطنين بكليات ومعاهد العاصمة العلمية، ثم مساهما في تأسيس تيار رفاق الشهداء (المهدي، عمر، كرينة) بعد الصراع بين أجنحة حزب الاتحاد الاشتراكي المكتب السياسي من جهة واللجنة الإدارية الوطنية من جهة ثانية، والذي انتقل أيضا إلى الجامعات المغربية، ليتم اقتراحه لرئا

سة المؤتمر الوطني السابع عشر للاتحاد الوطني

لطلبة المغرب سنة 1981 – تم إفشاله دون أن ينهي أشغاله- بناء على الأدوار التي ظل يطلع بها هناك سياسيا وتنظيميا.

من الولاء للحزب إلى الولاء لصاحبة الجلالة

في خريف 1991 اجتمع ثلة من المناضلين والمثقفين في سطح بيت محمد الحجام بزنقة أمغالة وعلى رأسهم محمد البرهومي والمصطفى عربوش وعبد القادر لوطفي ومحمد صالحي ومحمد أبحار ومحمد حميمش ومحمد فاضيل والمقاوم سعيد بونعيلات وغيرهم، وكان هوسهم هو تأسيس منبر إعلامي جهوي يملأ الفراغ الذي تعيشه المدينة على أكثر من صعيد، وهي التي ساهم أبناؤها بشكل وافر في النضال من أجل غد مشرق.

تأسست الجريدة التي اختير لها اسم ملفات تادلة في نونبر 1991 وتولى محمد الحجام مسؤولية إدارتها وداومت على الصدور رغم الصعوبات التي واجهتها منذ التأسيس، ليتعزز موقعها مع ما كانت تنشره من ملفات وقضايا تهم جهة تادلة، حيث استطاعت أن تؤسس لنفسها مسارا خاصا لها كتجربة إعلامية جهوية فريدة هي الأولى من نوعها في المغرب، فكانت لسان حال مثقفي ومناضلي الجهة، ومنبرا يعانق نبض المجتمع بكل تناقضاته.
حرص محمد الحجام المدير المؤسس، وكذا طاقم الجريدة على أن يكبر هذا المولود ويستمر على نفس خط التأسيس وفاء للمؤسسين الأوائل وللقراء بالجهة، والتزاما بخطها التحريري الذي يروم الدفاع عن استقلالية الصحافة خدمة لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان محليا ووطنيا.
وكما استولت السياسة على وجدان محمد الحجام منذ شبابه إلى أن طلق حزب الاتحاد الاشتراكي نهائيا خلال التسعينيات من القرن الماضي، فقد أعلن ولاءه لصاحبة الجلالة، وكرس وقته كله لإنجاح تجربة جريدة ملفات تادلة، كما عمل على الانخراط في كل المبادرات والدورات التكوينية والإشعاعية التي تهدف إلى تطوير الصحافة الجهوية والوطنية عامة والدفاع عن موقعها واستقلاليتها. لذلك أدرك محمد الحجام أن ما يمكن أن يصل إليه المرء عن طريق السياسة والحزب قد يصله عن طريق إعلام حر ومستقل.
انخرط محمد الحجام في النقابة الوطنية للصحافة المغربية وانتخب عضوا في مجلسها الوطني، وكذا عضوا بالمكتب التنفيذي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف لولايتين ثم عضوا بمجلسها الوطني، كما انتخب عضوا بأول مجلس وطني للصحافة في یونیو 2018 عن فئة الناشرين، واختار عضوية لجنة المنشأة الصحافية وتأھیل القطاع بالمجلس مكلفا بالصحافة الجھویة.
وصبيحة 24 فبراير من سنة 2020 غادرنا محمد نجيب الحجام قيدوم الصحافة بالجهة، والأستاذ الذي تخرج على يديه معظم صحافيي جهة بني ملال، بعد أن باغته الموت بالمحطة الطرقية ببني ملال، وهو يتهيأ للسفر إلى الرباط لحضور اجتماع الجمعية العمومية للمجلس الوطني للصحافة، لتفقد الجهة علما من أعلامها وواحد من الذين عشقوا بني ملال بكل جوارحه.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...