21 فبراير: اليوم الضائع بقلم خالد البكاري

تحل هذه الأيام الذكرى العاشرة لانطلاق حركة 20 فبراير، ولأن مرور عقد على هذا الحدث يرافقه الرقم 10، فإن كتابات استذكارية ونقدية وتأملية ستتناسل، مع العلم أنه خارج الإيحاءات الاستعارية لذلك الرقم، فكونها الذكرى العاشرة لن تغير كثيرا مما سيقال حين كانت الذكرى التاسعة أو الثامنة.
السؤال الذي ستجعله بعض المنابر عنوانا لملفاتها هو: ماذا يفعل نشطاء الحركة اليوم؟
قد يكون هذا الموضوع مغريا من باب إشباع الفضول، لكن لا يكتسب في الحالة المغربية أي جدوى.
فلم تكن الحركة متجانسة، حتى يكون مفيدا معرفة مآلات من شاركوا فيها، ربما قد تكون هي نفسها التي هم عليها اليوم، حتى ولو لم يمروا من هذه التجربة.
على العموم، هناك من قدم من تجارب حزبية شبيبية، واستمر فيها، وهناك من كانت الحركة بوابته للانتماء الحزبي، وهي حالات معدودة، انتهت بالفشل في أغلبها، فالبنيات الحزبية كلاسيكية، غير مؤهلة لاستقطاب شبيبة قادمة من أفق احتجاجي رافض.
بعض هؤلاء شقوا لأنفسهم مسارات أكاديمية بعيدا عن السياسة، وبعضهم انحرف من اليسار نحو اليمين، ولكن دون بهارات ليبيرالية، بل بنزوعات تقليدانية تبرر أوضاعا طبقية ومهنية جديدة، ليست بعيدة عما يمكن اعتباره ” انتهازية” الطبقة الوسطى، الانتهازية بالمعنى السوسيولوجي وليس الأخلاقي.
البعض الأخر خصوصا ممن انخرطوا في الحركة من موقع الهامش بنوعيه الطبقي والمجالي، استمروا في تغذية الأفق الاحتجاجي، فاللافت أن احتجاجات الريف وجرادة وزاكورة والفنيدق والأساتذة المتعاقدين عرفت حضور بعض من عاشوا أيام عشرين في فبراير احتجاجاتها بمدن ومناطق الهامش.
عموما، ظهرت غير متجانسة، وانتهت مآلات المشاركين فيها إلى مسارات غير متجانسة.
لا تشبه لحظة 20 فيراير مثلا لحظة انتفاضة الطلاب بفرنسا في ماي 1968، كانت حركة الطلاب شبه متجانسة مدفوعة برياح مقاومة السائد، لا على المستوى الإيتيقي والقيمي، ولا على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولذلك ناصرها من المثقفين أمثال بورديو وسارتر وفوكو، فيما اتخذت هي مواقف أقرب للعداء من المثقفين الذين كانت تعتبرهم على يمينها مثل بول ريكور.
بخلاف حركة 20 فبراير وباقي التعبيرات الشبابية المماثلة لها في دول منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث ساندها مثقفون وكتاب وفنانون من كافة الأطياف اليسارية والإسلامية والليبيرالية، كما وقف ضدها يساريون ويمينيون وقوميون،
كما لا تشبه 20 فبراير ومثيلاتها في المنطقة الاحتجاجات التي كانت تطالب بالديموقراطية أواسط سبعينيات القرن الماضي بجنوب أوروبا ( البرتغال، إسبانيا، اليونان،،)، ذلك أن هذه الدول التي كانت تنتمي لشمال البحر الأبيض المتوسط، ورغم أنها كانت تعيش في ظل أنظمة ديكتاتورية (فرانكو بإسبانيا، سالازار ثم إستادو نوفو بالبرتغال ، الجنرال بابادوبولوس باليونان)، فإن المحيط الجغرافي الذي تنتمي له ( جنوب أوروبا وغربها) كان متقدما ديموقراطيا، وكان من مصلحة دوله الكبرى مثل فرنسا وألمانيا وإنجلترا دعم هذه الموجة الديموقراطية، بخلاف ما حدث قبل عشر سنوات بمنطقتنا، حيث المناخ الإقليمي غارق في السلطوية والانقسامات المذهبية والإثنية والقبلية، مما جعل كل الأنظمة التي لم تصلها رياح الاحتجاجات بمثابة الخط الخلفي للثورات المضادة، وكيفما كانت درجة العداء بين الأنظمة، فإن أي نظام لا يدعم حركة احتجاجية عند جاره، إذا كان من شأنها أن تؤدي إلى بناء دولة ديموقراطية قريبا من حدوده، فقد تجد الأنظمة المتصارعة سبلا للتعايش مع العسكرتاريا، ومع أنظمة المشيخة، ومع الأنظمة البوليسية مهما بلغت درجة العداء وتنافر المصالح، لكنها تكون أكثر تخوفا من قيام بوادر نظام ديموقراطي بالمنطقة، وخصوصا في دول كبيرة أو ذات موقع استراتيجي.
وأجد من المهم التذكير بأن تسمية ما حدث في المنطقة بالربيع، أو ثورة الياسمين (تونس)، أو الانتفاضات اللاعنفية، وإن كان البعض يعتبرها تكملة لما بدأته الولايات المتحدة في محاولاتها تغيير الأنظمة التي كانت محسوبة على المعسكر الشرقي، فالربيع يحيل على ربيع براغ، وتسمية الثورات بالتغيير اللاعنفي يحيل على الثورات الملونة (أوكرانيا أساسا،،)، وعلى التداريب التي تلقاها بعض النشطاء ( المصريون أساسا) بأكاديميات التغيير ( كانفاس الصربية) المقربة من الحزب الديموقراطي الأمريكي.
غير أنني أجد ارتباك أمريكا أمام ما حدث، شبيها بارتباكها أمام الاحتجاجات التي حدثت في الجنوب الأوروبي، حيث لم تدعم الولايات المتحدة أول الأمر المنتفضين ضد الجنرالات في اليونان والبرتغال وإسبانيا، خصوصا أن هؤلاء كانوا يخدمون المصالح الأمريكية ويرعون قواعدها العسكرية زمن الحرب الباردة، وأن الاحتجاجات كان فيها حضور وازن للحركات اليسارية،،
وبالمناسبة فاللاعنفية ليست إبداعا لمعهد كانفاس أو للأدبيات التي صاغها جين شارب الذي أصبح كتابه إنجيل الحركات اللاعنفية في صيغتها المدعومة أمريكيا، بل إن هذا الاختيار نجده في تجارب إنسانية محلية ، لم تكن حركة غاندي أو مانديلا بعدها إلا استثمارا شق طريقه للعالمية، وسيحتفظ التاريخ أنه في اللحظة التي وزع فيها المناضل سيليستي كاييرو أزهار القرنفل على الجنود البرتغاليين، ليتبعه آخرون في حركة أشبه بالعدوى في سائر البرتغال، جعلت كثيرا من الجنود يلتحقون بالحركة المضادة للدكتاتورية، كانت أمريكا ما زالت تدعم خفية الجنرالات.
في اعتقادي نظلم كثيرا الانتفاضات التي حدثت في المنطقة، حين نجعلها مخططا أمريكيا، نفذه عملاء محليون، في حين أن أمريكا حاولت أن تستثمر ما حدث بدعم بعدي خجول، يؤدي حسب الرؤية التي كانت وقتئذ إلى تحولات متدرجة لا تخل بالتوازنات الإقليمية، ولا بمصالح حلفائها التقليديين، ولذلك لم يكن المحيط الإقليمي والعالمي ليسمح سوى بتجربة فريدة في دولة صغيرة (تونس).
إن الأمثلة التي سقناها سابقا، هي للتدليل على أن حركة 20 فبراير ومثيلاتها ولدت في محيط إقليمي غير مساعد على مخاض ديموقراطي طبيعي، ويكفي أن نتأمل بألم أنه بعد سنوات قليلة جدا من ظهور حركات المطالبة بالديموقراطية باليونان والبرتغال وإسبانيا ،ونجاحها، عرفت هذه البلدان هجرة عكسية من المنافي نحو الوطن، أما نحن فبعد عشر سنوات نشهد أكبر موجات نزوح خارج أوطاننا، إما بفعل الحروب، أو بفعل الاعتقالات والمحاكمات والتضييق على الحريات، أو بسبب الأوضاع الاجتماعية المتردية.
كانت 20 فبراير وعدا بغد أفضل، لكن 21 فبراير غاب ولم يأت،

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...