مواقف.. ومواقف.. التهامي ياسين

استهلال

هل الكتابة لا تنضج إلا بنضج حياة الكاتب ومغامراته ومعاناته وصراعاته وتأملاته والتزاماته…؟ ثم لماذا يختار البعض الكتابة من البداية كنهج في حياته يسلكه، وتصبح الكتابة ملاذه الدائم.. وضالته المنشودة.. يمارسها في كل لحظة فتغذو الهواء الذي يستنشقه، ويعكس بها تصوراته وآراءه ومواقفه الفكرية.. بينما يعزف البعض الآخر عنها.. ويمتنع أو يمانع.. و”يبخل” على نفسه بها وعلى الآخرين.. مقتنعا فقط بأهمية التواصل والاتصال الحي المباشر والممارسة كما يختارها دون “وسيط” أو “حجاب” مع الناس والواقع والتأثير الفاعل فيه ، موظفا ومفعلا آلية الحوار والجدل.. كما جسدها سقراط مع محاوريه السوفسطائيين ؟.

الفلسفة موقف، والكتابة حياة .. :

حين كنا نتسلم موضوعات الإنشاء، التي كانت موضوعات تنصب على تحليل ومناقشة أقوال الفلاسفة، وتحليل مفاهيم وإشكالات فلسفية وظواهر اجتماعية نفسية.. كإشكالية الفكر والواقع واللغة والمعرفة العلمية والشخصية والشغل والحرية والالتزام والتخلف…الخ كان الأستاذ مصطفى العمري وهو واحد من مؤلفي الكتاب المدرسي إلى جانب ذ.السطاتي وذ.الجابري يعيد لنا الأوراق مصحوبة بملاحظات.. فهو يبدأ بالأوراق التي يعتبرها “عادية أو متوسطة” في لغتها ومضمونها.. ثم يرتقي صعودا إلى الكتابات الأكثر – في نظره – تميزا وقدرة على مناقشة الموضوع نسبيا.. أذكر أنه كان يريد من تلامذته التحليل وبناء موقف شخصي مدعم بالأساس.. يقول دائما إن الأسلوب هو الشخصية.. “أسلوبك في الحياة هو شخصيتك”. وبناء الموقف هنا يقتضي كل العمليات من فهم وتحليل ووعي وقراءة.. الخ .لم يكن مثل غيره من الأساتذة ،كان يتأمل كثيرا في شروحاته وانتقاداته.. ويصر في كل حصصه على ضرورة أن نبني أفكارنا باستقلالية لمناقشة وتقييم رأي أو موقف معين وارد في الكتاب المدرسي والذي كتب هو نفسه كثيرا من فصوله ،ويحرص على أن نعلن عن مواقفنا بوضوح ..ربما كان يزعج ذلك بعض أصدقائي الذين يحرصون على “رد البضاعة” له كما هي ..بينما يبدو لبعض زملائي الآخرين “اليقظين” أن أستاذنا كان “شبيها” داخل القسم بسقراط، ليس في شكل وتقاسيم وجهه.. إذ أن سقراط لم يكن وسيما كما يذكر مؤرخو الفلسفة اليونانية ، ولكن في نهجه لطريقة سقراط وفي تأملاته وأسئلته المتناسلة وفي توليده للأفكار، واستدراجنا بلغة سلسة منظمة منطقية لبناء وإعادة التفكير في بداهاتنا ويقينياتنا التي نحملها في رؤوسنا ..دون أن يعتبر من اختلف معه في الرأي خصما أو عدوا.. كان يرفض كل سلطة غير سلطة العقل. و يبدو لنا وهو يشرح محاورات أفلاطون، وكأنه يجوب شوارع أثينا محاورا عامة الناس، ليدفع بهم إلى التفكير في بداهاتهم ومفاهيمهم..، هذه الأجواء التربوية الخاصة داخل الفصل، وهذا الأسلوب البيداغوجي التنويري من جانب الأستاذ رسخ  في أذهاننا ودون رجعة قاعدة فكرية ذهبية أن “حياة  إنسانية” بلا حوارات ودون مناقشات أو مراجعات للحقائق التي تبدو “ثابتة”، ليست جديرة بأن تعاش. فاختياره للحوار طريقة للحياة وأسلوبا للتفلسف، هو ما يفسر لماذا لم يكتب سقراط شيئا، ويفسر رفضه المستمر والواعي لتدوين ما علمه، نجد ذلك في محاورة “فيدر”Phèdre  أفلاطون ، حيث يؤكد سقراط فيها أن عملا مكتوبا، أبعد من أن ينتج حوارا في الحقيقة ويقوم مقامه، بل يشكل عائقا أمام التواصل الإنساني الحقيقي.. هكذا كان يسترسل أستاذنا مصطفى العمري، وبطريقته الخاصة المثيرة وفي كل دروسه لترسيخ طريقة الحوار والجدل والإقناع وإبداء الرأي وقبول الاختلاف وبناء الموقف وإعادة البناء.. أذكر أنه منحنا في فرض كتابي مجموعة من الأصدقاء درجة “حسنة”، لكنه أشفعها بملاحظات كعادته.. فهو لا يريد عرض وتحليل معلومات ومعطيات معرفية.. فالأهم بالنسبة له هو بناء الموقف النقدي.. ورغم أننا عبرنا عن رأينا الشخصي فذلك لم يكن كافيا بالنسبة له.. كان عدوا للتقليد والمحاكاة ويرفض “التصديق الأعمى” دون فهم.. إذ يؤكد أنه حين يكتفي المرء في الكتابة بالتلمذة والطاعة دون فهم ،فإنها تكون كتابة فاقدة لروح الحياة، كالنحت أو الرسم كما يعتبر  ذلك سقراط ..فذلك الرسام الذي ينقل أشياء الواقع كماهي دون إبداع.. تظل منتجاته ممسوخة بل وغير واقعية أو غير شرعية.. فمنتجات الرسم الذي يحاكي والنحت الطبيعي تبدو كما لو كانت صورا ناطقة؛ ولكن إذا طرحت على هذه الصور سؤالا فإنها تلزم الصمت الرهيب، فكذلك المقالات المكتوبة. ففي رواية “أوراق” للعروي والتي اعتبرها هذا المفكر “السيرة الذهنية” لمساره، اعتبر في سرده لأحداث ووقائع معينة أن قولة سقراط “اعرف نفسك بنفسك” الشهيرة يلزم أن نقرأها قراءة أخرى، وهو يتحدث باسم “ادريس” حين قرأ لديكارت منهاج المعرفة والكتاب في النفس اكتشف شيئا يسمى الموضوعية. فبجانب دعوة سقراط (أعرف نفسك بنفسك) هناك دعوة أخرى (اعرف). فالحق شيء والصدق شيء آخر. لا يكفي أن تتجاوب مع ذاتك إذا لم تتجاوب مع العالم الخارجي. أكبر الأوهام متعلقة بالنفس، أي بالمجال المشترك الذي يؤثر فيه العالم الخارجي على الذات. لكي نتحرر منها، من آثار الجسم والجماعة فيها لابد من التجرد، من الإنصات الى الطبيعة بكل عناية وتواضع. نوعا آخر إذن من الفردانية، من المعرفة ونخرج الى فلسفة الحياة والمشروع الإنساني والمادي الواقعي الحقيقي. .فلا يعود موجب للاختيار بين أبولو وديونيزيوس، وأذكر أن أستاذنا يشهد تاريخ التأليف الفلسفي المدرسي له بإسهامه التاريخي الجريء في تأليف الكتاب المدرسي كموقف يحسب له.. وفي ظروف اجتماعية وتاريخية خاصة، كما يعرف ذلك طلاب الباكلوريا في السبعينات.. وبتأطيره كذلك لجيل بكامله.. وما يجمع هذا الأستاذ بسقراط حقا هو العزوف عن الكتابة. فلا أعلم إن كانت له مؤلفات.. قال يوما لنا : إن الكتابة حوار حي ودائم مع النفس والآخرين والمجتمع ونهج حياة..”. اكتشفت بعدها وفي المرحلة الجامعية أن عددا من الأسماء المتميزة آنذاك في الحقل العلمي لم تكتب.. ظلت تراكم تجارب غنية وقوية دون أن تبلورها إلى عمل مكتوب.. فقد ظلت تلك التجارب حبيسة الجدل والحوار والعمل الميداني المتعدد والدائم.. لقد ساهم ذ محمد جسوس مثلا في تأسيس وترسيخ تقاليد البحث السوسيولوجي العلمي، وبرز كأحد أشرس المناضلين عن مشروعية وقيمة علم الاجتماع في المغرب.. وطلبته هم الذين قاموا بعد موته بجمع محاضراته في مؤلف.. فهل الكتابة ليست بالحل الأمثل لتمرير الأفكار وتغيير الأذهان أم أن الممارسة والفعل الحي أنجع من الكتابة؟؟ ربما كان هؤلاء أمثال جسوس وغيره يتمهلون، ويراكمون في دواخلهم حكاياتهم وروائعهم لتنضج أكثر .. إلى أن رحلوا عن الحياة فجأة ،ولم يدونوها.. ومن المؤكد أنهم لم يرحلوا فكريا، لأنهم بصموا في  الحياة الثقافية والسياسية للمجتمع بمواقفهم  العملية الحية.

  الوصل والفصل ..أو كيف يمكن الجمع بين “رأي الحكيمين”؟

درست أجيال على يد الحابري .. علمها التفكير بشكل منهجي ورياضي بل وأكسيوماتيكي في قضايا الفكر والتراث والمجتمع.. فقد كان طالبا هو نفسه في مرحلة الباكلوريا في شعبة الرياضيات.. لكنه اختار الفلسفة ،واختار ميدان الحوار المؤسس على العقل في كل مجالاته الفكرية والسياسية.. هل كانت الفلسفة في نظره كتابة وموقفا في نفس الوقت هي «النهج الأفضل” لحل معضلات العصر ؟ قد لا يوافق على ذلك كثير من الوضعيين والتقنويين والبرجماتيين وغيرهم من دعاة المنطق والتحليل التجريبي وتحصيل النتائج وتحقيق المصالح.. لكن يبدو  في زمننا الآن قد تعرف القيم الإنسانية أزمات حادة، اجتماعيا وأخلاقيا وحضاريا ،وبلغت مستويات من التدهور ..أصوات كثيرة تنادي بأنسنة الاختيارات الاقتصادية والسياسية وتخليق الحياة العامة؟. فهل عادت الفلسفة إلى الحياة وعاد الموقف الفلسفي الذي يمكن أن يقدم واقعا بديلا جديدا ، وكتابة مغايرة وحياة أخرى ،و إنسانا جديدا ومجتمعا آخر جديد، أكثر إنسانية.. تتحقق فيه كرامة الإنسان وحريته الحقيقية.. في مشهدنا الفلسفي المغربي “قامتان فكريتان”  قدما بدائل وآليات عمل لإعادة بناء المجتمع المغربي، واختلفا في مواقفهما.. اشتغلا على بنية هذا المجتمع الفكرية ونظمه المعرفية وتاريخه وتنظيماته ومؤسسساته المختلفة.. وفي اللقاءات التي كانت تجمع بين الرجلين ومن خلال استنطاق نصوصهما نجد أن” الدين والسياسة “و”الخصوصية والعالمية” و”الأنا والآخر” و”العقل واللاعقل” و”الأصالة والمعاصرة” و”التحديث والتقليد” و”العولمة والتقنية” .. الخ كلها مفاهيم وقضايا وإشكالات .. أخذت من اهتمامهما الجهد المضني والوقت الكثير.. وبالطبع فتنوع المقاربات الفكرية وتفاوتها في قيمة المعطيات التي تقدم والنتائج والمواقف التي تقرر .. كل ذلك يعكس صعوبة الإشكالات التي يواجهها أي باحث أو مفكر.. لكن فضاء الفكر الجامع بينهما وثقل الموروث التاريخي الضاغط على حاضرهما، يمكن أن يبرر من هذا الجفاء، وذلك بحكم الاختلاف الحاصل بينهما في بعض المنطلقات والتصورات، وبحكم بنيات التكوين الشخصية المختلفة. وإذا كانت صورة الجابري في مرآة العروي “تكرارية توفيقية”، وصورة العروي في مرآة الجابري “لا تاريخية نخبوية” ،وهو ما يبدو لنا أو نتصوره ونحن نتأمل مرآة كل منهما ،وهي تعكس صورة الآخر ،ألا يمكن كما يقول الباحث ذ كمال عبد اللطيف أن نجد في الواقع التاريخي الإطار القادر على احتضان الصورتين معا؟..

بقي أن نقول في موضوع التوفيق أو الجمع والتأليف والتحاب بين هذين “الحكيمين”، أن الجابري لم يكتب ولو نصا روائيا واحدا..! لكنه اهتم بالتراث أكثر ومكونات العقل العربي الإسلامي، وتحمل مسؤوليته وموقفه داخل حزبه مدة ليست باليسيرة.. في حين كتب ذ العروي بالإضافة الى مؤلفاته الفكرية الصارمة نصوصا سردية مستقلة تروم استكمال تطلعه إلى الإمساك بالتجربة الذاتية والجماعية التي عاشها، من زوايا ومداخل متعددة، متباينة، لأن أسئلة الحياة لا تقتصر على ما هو عقلاني محض، ولا على ما هو وجداني و “عرفاني” خالص.. كتب العروي أكثر من خمس روايات باللغة العربية علها يستعيد فيها ذاكرته ويكشف عن ذلك المجهول في النفس ودروبها الملتوية. إنها مواقف.. ومواقف.

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...