تامغربيت المفترى عليها … خالد البكاري

على طريقة “ويل للمصلين،” روجت بعض المواقع الإلكترونية وبعض التدوينات في مواقع التواصل الاجتماعي حديثا منسوبا للأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحدة نبيلة منيب، تقول فيه إنها لا تؤمن بتامغربيت.

ورغم أن الحقيقة هي أن نبيلة منيب قالت : “لا أومن بتامغربيت فقط، بل أومن بما هو أكثر، وهو البعد المغاربي”، لوجود مشتركات كثيرة بين شعوب منطقة شمال إفريقيا، فإن كثيرين لم يكلفوا أنفسهم عناء التثبت مما تم ترويجه، وبحسن نية أو سوئها تم التعريض بالسيدة منيب،،

لست منتميا لحزب منيب، ولكن هذه الحادثة مناسبة لفتح نقاش حول الحمولات التي يتم إلباسها قسرا لكلمة “تامغرابيت”، لتتحول من علامة على انتماء مشترك لوطن واحد، وعلى افتخار بالموروث المغربي في أبعاده القيمية والرمزية والثقافية، إلى مقصلة تنتصب في وجه كل من يجهر برأي يخالف القرارات الرسمية، في موضوعات مرتبطة باستكمال الوحدة الترابية، أو التطبيع، أو تدبير تداعيات جائحة كورونا، أو قضايا الحريات والحقوق.

 

انتقلت هذه الكلمة من حقل التداول الشفاهي الشعبي إلى حقل السياسة مع مغادرة المستشار الملكي الحالي السيد فؤاد عالي الهمة مهامه في وزارة الداخلية، ليؤسس مشروعا سياسيا منافسا للأحزاب الأخرى، وأساسا للبيجيدي.

 

آنذاك روج الهمة لكلمة تامغربيت بقوة، وأصبحت حاضرة في خطاب “حركة لكل الديموقراطيين “، ثم حزب الأصالة والمعاصرة، وأضحت مثل اللازمة في تصريحات قياديي البام، بل على لسان كثير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين الذين كانوا يبحثون عن مكان تحت شمس الحركة الجديدة، وما ترتب عنها.

 

كانت الكلمة آنذاك موجهة ضد الإسلام السياسي، الذي كان يوصم في أدبيات البام وتوابعه النخبوية والإعلامية بأنه حامل لمشروع أممي يتجاوز الرهانات القطرية، وأنه ينطلق من براديغم: الأمة قبل الوطن، ولذلك ستشيع تلك العبارة التي أصبحت مشهورة، إلى درجة أنه يتم إحياؤها في كل محاولة للبحث عن شرعنة للتطبيع مع إسرائيل: تازة قبل غزة،،، ولو أن أحوال تازة لم تتغير.

 

عاد السيد عالي الهمة إلى مكانه الطبيعي جنب الجالس على العرش، وأصبح البام أو يكاد رقما عاديا بين أرقام حزبية كثيرة، يقصفه حتى الصحافيون والسياسيون الذين كانوا يرتعدون في حضرة عرابه السابق عالي الهمة وأداته النافذة حينذاك إلياس العماري، ولكن كلمة تامغربيت عرفت ارتحالات كثيرة، حتى تحولت لما يشبه الجوكر، يوظفها كثيرون لقصف خصومهم، دون أن تعني شيئا، فلا هي مشروع سياسي، ولا هي إيديولوجيا، ولا هي تيار واضح المعالم.

 

تامغربيت مثلا في الصحافة المدافعة عن السلطة بمنطق: انصر السلطة ظالمة قبل أن تنصرها قائمة بمهامها، هي بمثابة فوهة مدفع موجه حسب سياق الأحداث للخصم المراد التعبئة ضده، قد يكون البيجيدي أو العدل والإحسان، قد يكون الحركة الحقوقية التي تنتقد ممارسات للأجهزة الأمنية والقضائية، وقد يكون مناهضو التطبيع،،

 

تامغربيت عند المدافعين عن التطبيع هي سهام توجه ضد الاتجاهات القومية والإسلامية معا، وقد تصيب حتى يساريين وليبيراليين، مسلمين ويهودا مغاربة ولادينيين يعارضون دولة إسرائيل القائمة على أساس ديني قومي متطرف.

 

تامغربيت عند مدونين ومجموعات فيسبوكية اعتراها الملل، فلم تجد من حل للتميز سوى استيراد نزعات يمينية قومية عنصرية، هي أكلات وأزياء ومبان وشخصيات تاريخية مهددة بأن يستولي عليها الجزائريون، وينسبونها لهم.

 

لقد تعرضت هذه الكلمة “تامغربيت” لغارات متعددة، أخرجتها من مدلولها الأصلي الذي يعني ببساطة: الخصوصية.

 

وكما للمغرب خصوصياته الرمزية والثقافية والمادية والبيئية والتاريخية، فللبلدان الأخرى كذلك خصوصياتها، والإرث اللامادي الكوني هو جماع الخصوصيات المحلية المختلفة، فالدول ليس بينها تراتبيات من منطلق خصوصياتها، إذ مجال الخصوصيات هو مجال الاختلاف بين الشعوب والأمم، وليس مجال التراتبية، وإلا تحولت الخصوصيات من عامل إغناء وتنوع إلى قاعدة لبناء وهم التميز، ومن ثم العنصرية.

أما التراتبية بين الدول فهي بالكسب في مجالات الاقتصاد، والصناعة، والتكنولوجيا، والرفاه، وحقوق الإنسان، والكرامة.

 

وبالإجمال، فإن تامغربيت الحقيقية هي واقع يومي نعيشه، سواء في المعمار أو اللباس أو اللغات الوطنية أو الأكل أو العادات، والأهم في العلاقات الاجتماعية داخل الأسر، وبين الجيران، وفي مقرات العمل، التي تعكس ثقافة وقيما مرتحلة من الماضي ومتفاعلة مع ثقافات أخرى، ولذلك فتامغربيت الحقيقية لا يمكن تأطيرها إلا ضمن الوحدة الوطنية في فضاء الاختلاف.

 

بمعنى أوضح هي القدرة على التعايش، وليس هي هذا العنف الذي حملوها به، عنف الإقصاء، والتخوين، وادعاء امتلاك الحقيقة الوطنية، واختزال الوطن في السلطة، واختزال النبوغ المغربي في الكسكس والرابوز والزليج، وحتى الكسكس والرابوز والزليج تكفي دراسات مقارنة سواء في الإثنولوجيا، أو الأنتروبولوجيا، أو التاريخ، أو الدراسات الثقافية المقارنة لنفهم أنها في تشكلها الأخير نتاج تلاقح المحلي مع الوافد، ونتاج إضافات لتنويعات قبلية وحضرية، ونتاج الاعتراف الضمني المتبادل بالآخر، وهذا هو المعنى الخلاق لاحترام الذات، وأكبر إساءة للذات هو الدخول في لعبة مقارنات سخيفة مع ذوات أخرى، وتوهم أننا لن نستطيع التنفس إلا إذا امتلأنا حقدا وكراهية، وخلقنا أعداء إذا لم نجدهم.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...