أغنية “سعيدة تيثريت” وتنوير الذاكرة الأمازيغية … بقلم: فلالي عبد الرحمان

عرفت الأغنية الأمازيغية المغربية الأطلسية في السنوات الأخيرة تطورا واضحا في إيقاعاتها ومتونها. إلى درجة أن هذا التطور يمكن أن يعبد لها الطريق نحو العالمية. كما عرفت تحولا في مجال المواضيع التي تتناولها، وهي مواضيع في الغالب نضالية تنويرية هادفة. ترمي للحفاظ على الهوية والتاريخ والعادات والتقاليد. وتعمل على إيصال رسائل للجهات المعنية قصد العناية بالمنطقة وتراثها وإنسانها. وقد برز في هذا المجال عدد من الفنانين، ومنهم الفنانة الأمازيغية “سعيدة تيثريت”، التي دخلت غمار النبش في مثل هاته المواضيع.

حاولت الفنانة “سعيدة تيثريت” أن تجتهد على قدر المستطاع، لتخرج لنا بهذه الأغنية الموسومة ب ” إيض نناير id N yenayr  “، التي عالجت من خلالها مواضيع كثيرة أهمها:

– أهمية الاحتفال برأس السنة الأمازيغية.

– الدعوة إلى تعلم الحروف الأمازيغية (تيفيناغ).

– إعادة قراءة التاريخ الحقيقي للشمال الافريقي.

– رد الاعتبار للأحداث التاريخية والرموز المقاومة للمستعمر بجميع المناطق المغربية.

– الدعوة إلى التشبت بالأصل، والتصالح مع الذات.

عنونت أغنيتها على منصة اليوتيوب ب ” إيض نناير id N yenayr  “، التي نشرت في ليلة 13 يناير 2021م. الموافق لفاتح السنة الأمازيغية أو (السنة الفلاحية) 2971.  وكان الهدف منها في الغالب تنبيه الذاكرة الأمازيغية إلى أهمية الاحتفال برأس السنة الأمازيغية التي كانت عادة مهمة لدى الأمازيغ. وفي هذا الإطار يؤكد المؤرخون على أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية؛ هو تخليد لذكرى انتصار الأمازيغ بقيادة الملك شيشناق على الفراعنة بضفاف نهر النيل، ﺳﻨﺔ 950 ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩ.

بعد ذلك انتقلت الفنانة “سعيدة تيثريت”، للحديث عن أهمية الحرف الأمازيغي”تيفيناغ”، الذي استخدمه الأمازيغ بمنطقة الشمال الافريقي في عصور ما قبل الميلاد، للكتابة والنقوش والتعبير في حياتهم. لكنه اختفى مع مر القرون، وانحسر وجوده فقط لدى شعب الطوارق بالصحراء الكبرى. وفي منتصف القرن الماضي أحياه مثقفون وفنانون جزائريون بإنشائهم “الأكاديمية الأمازيغية” في باريس سنة 1966م. وبعد ذلك  ب 15 سنة، اعتمِد حرف “تيفيناغ” لكتابة الأمازيغية في الجزائر، ثم في المغرب إثر تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية عام 2001م. وفي هذا السياق فالموسيقية “سعيدة تيثريت”، دافعت بطريقتها الفنية بدعوة للشعب الأمازيغي إلى تعلم الحروف الأمازيغية (تيفيناغ) والكتابة بهم.

تماشيا مع كرونولوجية المواضيع التي عالجتها القطعة الفنية، فقد أشارت الفنانة “سعيدة تيثريت” إلى إعادة قراءة التاريخ الأمازيغي القديم بالشمال الأفريقي، لفهم الرقعة الجغرافية التي كان يقطنها الأمازيغ، وكذلك معرفة أهم الانتصارات والحروب التي خاضوها ضد الاستعمارات المتتالية منذ الرومان إلى حدود التوسعات الامبريالية. وهذا كله؛ خوفا من نسيان الأصل والهوية والتاريخ الذي تعرض للطي والنسيان والتحريف.

شهد التاريخ الشمال الأفريقي، خلال القرنين الماضيين والمغربي خلال القرن العشرين، حروبا ضارية بكل المناطق (الريف الأطلس  الجنوب الشرقي سوس الصحراء )، خصوصا ما بين 1907 إلى حدود 1933م.، وهذه الفترة الحاسمة تحدثت عنها “تيثريت” بصفة عامة مع استحضار أهم الشخصيات البارزة والمقاومة للاستعمارين بالمغرب، وتعد هذه الأغنية بمثابة سفر إلى ذاكرة التضحيات التي قدمتها القبائل المغربية ضد التوغل الأجنبي، من أجل حرية البلاد  وإبعاد المستعمر،  ونظرا لضيق الوقت الذي تلتزم به  الأغنية الأمازيغية وأصحاب الأستوديوهات، لم تدخل “تيثريت” في التفاصيل الدقيقة للملامح التاريخية والنضالية إبان الفترة الاستعمارية .

وأخيرا؛ نحتاج إلى مثل هاته الأغاني ذات المواضيع الهامة، التي ترد الاعتبار للأحداث التاريخية والانتصارات المغربية عبر تاريخه الطويل، بالإضافة إلى تنوير الشعب الأمازيغي وتوعيته. فالفنانة “سعيدة تيثريت” تختلف طريقة احتفالها عن معظم الفنانين الأمازيغيين الأطلسيين، الذين احتفلوا بالسنة الميلادية والأمازيغية دون تمكنهم من التذكير بمزايا الشعب الأمازيغي وتاريخه، وخصوصية لغته وعاداته.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...