2020 سنة المكاسب للديبلوماسية المغربية…. بقلم عبدالله أطويل

قد يختلف أهل الاختلاف ولفيف العارفين به، في أمور عدة ومناحي متعددة، ومهما تعالت شظايا أفكارهم المتضاربة، إلا أنهم يكادون الاتفاق حد الإجماع عند الخوض في تقييم ما اتسمت به السنة المنقضية من مصائب كوفيدية وما تبعها من تبعات وتناسل من تناسلات عطلت، فرملت، وقَّفت، وأسقطت ثم هلم جرا من أفعال الهدم بماضيها ومضارعها. على نقيض مرادفات الهدم والتعطيل، قد يتفق المتفقون عن بكرة أبيهم مختارين الحديث بلغة تعج بمفردات النجاح والتميز والمغانم وما إلى ذلك، في تقييمهم لسنة 2020 على مستوى ما تحقق من لدن الديبلوماسية المغربية الخارجية حيال القضية الوطنية الأولى.

فحسب النقاد والعارفين بالأمور، بل من منظور الراسخين في علم التحليل السياسي، وفطاحلة تأويل المواقف الديبلوماسية. سيحق لنا القول، إن ملف الصحراء المغربية حقق في عام واحد، ما لم يحققه على امتداد العقود التي تلت المسيرة الخضراء، باعتبارها من أبرز الأحداث، والذي أعقبه الانسحاب النهائي للطرف الإسباني من الصحراء المغربية. فما الحديث عن فتح القنصليات والتمثيليات الديبلوماسية الواحدة تلو الأخرى، إلا دليل قاطع وبرهان ساطع، بل تجل من تجليات المكاسب المحققة في هذا الشأن. في أواخر أيام السنة المنقضية عدد قنصليات الدول التي تم فتحها في مدينتي العيون والداخلة تجاوز العشرين، لدول عربية وإفريقية وأمريكية وازنة. وقيل بأن دول أخرى لها كلمتها عازمة على فتح تمثيليات لها في الصحراء المغربية.

 

فتح القنصليات والتمثيليات الديبلوماسية مثنى وثلاث ورباع، إلى جانب تحرير المعبر الحدودي للكركرات من طرف القوات المغربية في نونبر الماضي، بعد تعطيل انسيابية الحركة على الصعيدين التجاري والسياحي لأسابيع، بين المغرب وموريتانيا ومنها إلى باقي العمق الإفريقي. رد الفعل المغربي المشروع، قابله تعاط إيجابي وبالاجماع من دول أجنبية عربية وغير عربية، أشادت بالتدخل المغربي السلس، لحفظ حدوده والدفاع عن ترابه من دون تجاوزات. كل هذا وذاك كان بمثابة ضربات موجعة تنهال على الجارة الشرقية الجزائر باختيارها التشبت بل الدعم المستمر لعصابات وهمية، والانحياز للجري وراء خيط من دخان، في ترديد متآكل لاسطوانة مشروخة عنوانها دعم الحركات الانفصالية. ازداد وقع الطعنات على الجزائر وحكامها حين انكشفت عورتهم وسقطت عنهم ورقة التوت ليجدوا أنفسهم يغردون خارج السرب، بعد توالي الاعترافات الدولية بسيادة المغرب على صحرائه، وآخرون ممن كان سعيهم في دهاليز السياسة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ثم سحبوا اعترافهم بالأطروحة الانفصالية، معترفين بمغربية الصحراء بعد أن استفاقوا من نوم حالم، ليعلموا أنهم كانوا في غي يعمهون. فلم يتبق أمام من يبكي شجواه على دعم هذا الطرح، إلا تريد مقولة “ودِّع حبيبك وانس هواه”، ولك أن تذكرهم أن اليأس إحدى الراحتين.

 

إذا ما استحضرنا الجانب التاريخي، ومنه فترة الضغوط الاستعمارية الايبيرية على دول شمال إفريقيا، والمساعدات التي قدمها المغرب لدولة الجزائر، حفظا منه لأواصر العروبة وميثاق الجوار، وكيف تقاسمت المقاومة المغربية القليل مما ملكت يمينها آنذاك مع الأمير عبد القادر الجزائري، والمساعدات المادية والمعنوية التي تلقتها الجزائر من المغرب في مقاومتها للاحتلال الفرنسي، رغم حاجة المقاومة المغربية إذ ذاك لأقل لوجستيك، كل هذا يتناساه الطرف الجزائري بل ينفيه بالجملة والتفصيل. ففي هذا الباب، الحال يغني عن المقال كما يقال، وإن شئت القول بمقولة “اتق شر من أحسنت إليه”. أو لمن شاء ترديد مقولة شعرية لأبو الطيب المتنبي حول إكرام الكريم وإكرام اللئيم.

 

توِّجَت المكاسب الديبلوماسية في ملف الصحراء المغربية، بالاعتراف التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء في دجنبر 2020، وفتح قنصلية بمدينة الداخلة بدأ العمل بها افتراضيا، إلى جانب تقديم سفير الولايات المتحدة الأمريكية لخريطة المغرب المعتمدة من لدن الإدارة المغربية، زد على ذلك إشارته لاستثمارات أمريكية مغربية واعدة في المنطقة. القرار الأمريكي شكل ضربة موجعة تحت الحزام أفقدت مناصري الانفصال توازنهم، فلم يجد حكام الجزائر بُدًّا غير الصمت إبان الصدمة، حتى يقال، ليس لهم بعد سهم في الأمر. بعد الاستفاقة من الصدمة لم يجدوا مانعا في شحن الإعلام الجزائري بالترّهات والهرطقات وصناعة الأراجيف والترويج لها، بل تكويرها وتقديمها للشعب الجزائري على شكل جرعات تخديرية. سابقا، حين أعلنت دولة الكوت ديفوار فتح قنصلية لها بمدينة العيون، استدعت الجزائر سفير ساحل العاج بالجزائر مستفسرة إياه عن الموضوع. فلماذا لم تُقدِم على فعل الأمر ذاته مع سفير الولايات المتحدة الأمريكية لذات الموضوع غداة قرار الإدارة الأمريكية فتح قنصليتها بالداخلة؟ أم أن الأول، فقل عنه إلى حيث ألقت رحلها أم خشعم كما يقال، والثاني حد حديد وركن شديد؟.

 

صحيح، بل يقين أن المكاسب التي غنمتها الديبلوماسية المغربية في قضية الصحراء المغربية شيء مهم، إلا أن القادم يظل أهم، وهنا نتحدث عن البناء والتأهيل واستغلال الظرفية لتأسيس أرضية ومناخ استثماريين يعودان بالنفع والرخاء على البلاد والعباد. فكما يدعوا الفكر الفلسفي الماركسي، الذي يرى أن الإصلاح يتم بشكل تحتي بنيوي من القاعدة نحو القمة، والقاعدة هنا هي الاستمرار في الإقلاع الإقتصادي لمدن الأقاليم الصحراوية باعتبارها بوابة، منها وعليها ينفتح المغرب على امتداده وجذوره الإفريقية، وقناة ربط بدول افريقية خصبة من حيث الاسثتمارات. بصيغة أخرى، إننا بصدد الحديث عن الجهاد الأكبر كما قال الراحل محمد الخامس، بُعيد حصول المغرب على استقلاله.

 

أما بالحديث عن باقي الأطراف في المنطقة، فخير لمصلحتها ومصلحة المغرب العربي الكبير، بات على حكام الجزائر اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن يتسموا بقليل من الحكمة، عوض أن يظلوا يخندقون بلادهم وعبادهم في خندق العزلة وعرقلة سير عجلة المغرب العربي، رغم أنه اتحاد ولد ميتا. فالجانب المغربي عبر في أكثر من مرة عبر خطابات ملكية، نية المغرب وعزمه دعم المغرب العربي، كاتحاد جغرافي وسياسي قوي على جميع المستويات والأصعدة. فمتى سنرى المغرب العربي بذلك الاتحاد القوي والتكتل الإقليمي الذي له الكلام وقت الحديث وله فعله وقت الفعل؟ أم أن الأمر حلم يقظة ليس غير ذلك.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...