وقفة تأمل حول النضال بمريرت، على ضوء الانتكاسات الأخيرة … بقلم لحسن المرابطي

كانت حاضرة قبائل أيت سكوكو مريرت وحتى قبل ميلادها صنعت أمجادا مشرقة من تاريخ المغرب، بدء من مدينة “معدن عوام” معقل سك عملة المغرب. وقد ورد ذكر مدينة معدن عوّام في كتاب (وصف افريقيا) للرحالة الحسن الوزان الشهير باسم (ليون الافريقي) عندما زارها سنة 920هـ / 1515م فقال: هذه المدينة بناها أحد أمناء الخليفة عبد المومن الموحدي على ضفة نهر أبي رقراق، وذلك لأنه لاحظ وجود منجم حديد هناك يتردد الناس عليه كثيرا، يقول المحقق أن هذا المعدن يعرف الى اليوم في الجانب الشمالي لجبل عوام الواقع على بعد 25 كلم شمال خنيفرة وتقع على بعد 15 كلم من الأطلس، بينها وبين الجبل غابة كثيفة جدا تكثر فيها الأسود الضخمة والفهود، وقد ظلت في غاية التحضر والعمران طوال حكم أبناء مؤسسيها الموحدين، مزدانة بمنازل جميلة ومساجد وفنادق، غير أن ذلك لم يدم إلا وقتا قصيرا، لأن حروب بني مرين أدت الى خرابها، فقتل بعض السكان وأسر البعض، وفر آخرون منهم الى شالة الرباط حاليا..

صورة لتيغزى 1958

مريرت التي عُرفت منذ نشأتها ب “لالة تاحجاويت” وتعود تسميتها هكذا استنادا إلى كونها كانت مركز تجمع القوافل من أيت اسكوكو وأيت مكيلد و زيان للانطلاقة إلى حج بيت الله، قبل ظهور وسائل النقل الحديثة… هذه البلدة التي حيرت الاستعمار الفرنسي إبان معارك التحرير (بدء من واقعة ثقا ميشيعان” وكيرا ن تاحجاويت، التي اشتعلت كثاني أكبر انتفاضة بعد الدار البيضاء، في 20 غشت 1953 حيث قدمت عشرات الشهداء والضحايا، ناهيك عن مشاركة قبائلها في معركة “لهري” الشهيرة) بعد ذلك وخلال فترة الاستقلال من سبعينيات القرن الماضي اجتاحتها حملة تشميع المنازل واعتقالات بالجملة طالت حوالي ثلاثين مناضلا فيما بات يُعرف بملف “لحسن أومدّا”… هذا بالإضافة إلى معارك بطولية لعمال مناجم جبل عوام، وحفاظهم على مكتسبات الحقوق العمالية إلى حدود الثمانينات، حيث أدى ضرب الحقوق إلى إضرابات واعتصامات للعمال بباطن الأرض، وما رافقها من مظاهرات اجتماعية موازية  نالت حملة تضامن محلية ووطنية ودولية، من تنظيمات زارت المنجم معقل النضالات، وتلتها بعد ذلك انتفاضة قبيلة أيت سيدي احمد واحمد المحتجة على غور الماء وإقصاء ذوي الحقوق من الشغل…

ثم بعدها نعرج على الخميس الأسود 1991 حين انتفضت الساكنة ضد غلاء المعيشة وفرض ضريبة على البسطاء الذين يقصدون السوق لبيع محاصلهم الفلاحية، وعقب تلك الأحداث زكى البصري حينها المدينة ضمن البؤر السوداء التي كانت عليها منذ انقلاب الصخيرات (…).

مريرت التي التأمت فيها القافلة ضد الطغيان، ومسيرات ضد الظلم وأخرى ضد سرقة المواشي، ونضالات الأراضي السلالية، دون نسيان الجماهير الشعبية سواء السياسية أو الحقوقية، والجمعوية آخرها الحراك الاجتماعي الذي قادته هيئات تقدمية ومعطلون ولا منتمون ضمن حركة 20 فبراير… معارك تاريخية، قد نكون أغفلنا بعضها… ولعل ما يزكي هذه النبذة التاريخية المقتضبة عن تاريخ البلدة هو تضمينها في توصيات هيئة الانصاف والمصالحة، أيام المرحوم بنزكري من بين مناطق جبر الضرر الجماعي الذي أصبح حبرا على ورق.. وتبقى منطقة أيت سكوكو بؤرة سوداء كما أشر عليها البصري، بحيث تشهد أعلى معدلات الإقصاء من التزود بالكهرباء والماء الصالح للشرب على صعيد الوطن..

لكن للأسف اليوم لنا في الأحداث المتعاقبة، قناعة مبدئية وموضوعية، ودروس مستخلصة أن في كل محطة نضالية هناك من يضرب النضالات في الصميم عن طريق السمسرة والاسترزاق والركوب على الأحداث، بحيث كلما تبدأ الحركات النضالية بطوفان تهتز له الأركان، سرعان ما يخفت أنينه، وكأن شيئا لم يحدث، هذه العادة شيئا فشيئا تصبح روتينا وعادة مألوفة، الشيء الذي يُسيء إلى النضال في مدينتنا التي كانت إلى عهد قريب مضرب الأمثال في التضحيات، والتمسك بالحق بكل قوة وحزم…

ويعتبر منجم عوام آخر معقل لقوانين وامتيازات يكفلها قانون الشغل، لم تمت سوى مع أواخر الثمانينات بعد مسلسل التجويع الذي مارسته قوى الرأسمالية المتوحشة بحماية من السلطات المخزنية التي لا يهمها الشعب في شيء…

منذ ذلك التاريخ تحولت وحدة النضال والمصير المشترك، إلى صراعات بينية بعدما انشقت الوحدة وتكاثرت الهيئات والإطارات، وعوض توحيد الصفوف اتجاه الإقصاء والتهميش والعمل على استرجاع كرامة العامل والمواطن، تغير النضال إلى واجهة للخصومات البينية، بحيث أضحى كل إطار يتوارى عن الساحة بسبب حضور غريمه في النضال، وبذلك تميّع النضال وفاتت علينا فرص عديدة لانتزاع الحقوق والمكتسبات..

هذه الآفات التي أصبحت تنخر المجتمع المريرتي أصبحت تضر بالمجتمع، وتزعزع الثقة بين الناس، الأمر الذي أصبح باديا اليوم حيث بمجرد ما ينطلق احتجاج عفوي على معضلة ما بالغليان، جامعا لكل الأطراف، وبمجرد أن يصبح الشكل كبيرا وشاملا تنطلق أصوات واتهامات بعضها تُخَوّن المناضلين، وبعضها تتهم آخرين بالركوب على الحدث، وبعضها تتهم بالاسترزاق… وكلها عوامل تضرب في الصميم مطالب المواطنين وتؤخر التنمية المنشودة إلى حين… هكذا مرت علينا مسيرات الاحتجاج على ملوحة وغلاء الماء والكهرباء، وهكذا مرت التقسيمات الترابية بشكل لم يراعي الترابط الاجتماعي بالمجال الترابي وأراضي الجموع، وهكذا مر علينا تحيين اللوائح السلالية وتسجيل النساء وفق ما جاء في توصيات الملك، وهكذا تذهب الدعوات الشعبية لمقاطعة الفساد والفاسدين سدى، وعلى نفس الخطى ضاعت حقوق مواطنين آخرين في قضايا فردية وجماعية…

أمام هذه الانعكاسات فإن المجتمع المريرتي قاطبة مدعو إلى وقفة تأمل وإلى نقد ذاتي حول مصير النضال، وكيفية فرض القانون الذي يعجز عن تقويم الاعوجاج في ظل تراجع المعنيين بإفساح المجال لكل من هب ودب، لينصب نفسه وصيا على مجتمع قائم بذاته وبإطاراته.

وتظل مريرت حبلى بالمناضلات والمناضلين، ووفية لسخائها وعطائها المنبعث من أحشاء أرضها الولادة…


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...