شاحنة التّحدي ناقلة النّجاح و قاهرة العزلة (نوستالجيا) … بقلم الدكتور محمد أبخوش

لا أعرف ما الذي يجمع ما بين هذه وتلك؟ ظل السؤال يؤرقني لمدة طويلة حتى تخليت عن فكرة الوصول إلى نتيجة. كلما تذكرت بعض روائع الروايات العربية مع كل من عبد الرحمان منيف في كل من “شرق المتوسط” أو “الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى”، أو غسان كنفاني في رائعته “رجال في الشمس”، إلا وحضرت إلى ذهني تلك الصور المتوارية في الذاكرة، ذاكرتي وذاكرتنا الجماعية نحن أطفال تلك الحقبة، بل حتى الكبار منا، تحضر الصور وتحضر الذكريات التي شكلت يوما أحداثا حقيقية عشناها بكل لحظاتها، وحضرت معها بطلة حكايتنا اليوم.

شاحنة “الفورد” و “البيرلي” هل تذكرها؟

إرتبطت طفولتنا بهذه الشاحنة العجيبة مرة في الأسبوع على الأقل وهي تنقل بعض المحظوظين مع ماشيتهم إلى السوق الأسبوعي  لأن غالبية السكان الرحل يركبون بغالهم أو يسيرون على أرجلهم نحو هذا الموعد الذي لا يتخلف عنه أحد، كما ارتبطت بالموعد السنوي لموسم الولي الصالح وهي تنقل أفواج الزوار بخيامهم وأطفالهم ونسائهم وتلك الأهازيج التي تصدح بها الحناجير بينما يقوم السائق من حين لآخر بإصدار صوت المنبه لزيادة وهج الحدث. تنتقل بعد ذلك هذه الشاحنة العجيبة نحو أدوار أخرى خلال أيام الموسم كنقل الزوار يوميا من مركز البلدة إلى مكان الإحتفال السنوي. كان هناك نوع من الحب والإعجاب والإنبهار من هذا المخلوق الحديدي القادر على تحدي كل الأمكنة  وتحويل حياة الناس ومشاركتهم كل أنشطتهم.

شاحنة “الفورد” و “البيرلي” لعبت أدوارا كثيرة في حياة الناس، فهي التي كانت المساهم الأول في فك العزلة عن البلدة لسنوات وعقود كثيرة بعد توقف أسطول “مولاي” عن خدمة النقل من وإلى تالسينت. فمن منا لا يتذكر بعض الأسماء التي لم يعد أصحابها اليوم بيننا  والتي لعبت دورا في نقل الناس  نحو ميسور ونحو بوعرفة، أما نحو بني تجيت فقد عاد الفضل في ذلك إلى السي حمدان وسيارته العجيبة حيث كان يشغل مهمة السائق والميكانيكي، لكنه لم يتخلف يوما عن موعده المعتاد، كان يقود ببطئ وكانت الطريق غير معبدة لكنه ألفها وألف منعرجاتها ووديانها وشعابه. من منا لا يتذكر السيد بوشتى وهو يقوم برحلته الأسبوعية إلى ميسور والتي تتزامن دائما مع موعد السوق الأسبوعي، وهو أيضا يواجه الصعاب في ذلك بداية من سوء الطريق الغير المعبدة إلى أحوال الطقس السيئة لكنه لم يكن ليتخلف، فالناس قد ألفت هذه الرحلة وهناك من ينتظر على سكة الرجوع.

من منا لا يتذكر السيد بلعيد لقد كان مواظبا أيضا على رحلته إلى بوعرفة وكان لا يأبه لأحوال الطريق ولا لأحوال الطقس، كان همه أن يكون وفيا للناس الذين ألفوه وألفوا خوض مغامرة السفر معه، كان رحمه الله يسلك طريق الرميلة التي لاتسلكها أية مركبة وهو بذلك يخوض مغامرة كبيرة، وإن حدث أن مر منها أحد غيره فلن يكون سوى السيد أوعيسى رفيقه الذي كان يقوم برحلات مماثلة لبوعرفة.

أولئك الرجال العظماء الأقوياء الشجعان قادوا شاحناتهم وتحملوا كل الصعاب وعناء الطريق، نقلوا الناس وممتلكاتهم ليلا ونهارا دون كلل وفتحوا منافذ لم تغلق على تالسينت.

هذه الشاحنات ارتبطت في ذاكرتنا أيضا بأحداث كثيرة لعل أهمها الحدث الرياضي، ففريق كرة القدم اعتبرها الوسيلة الوحيدة لتنقلاته، كانت تمتلئ باللاعبين والمكتب والمشجعين الأوفياء، ولم يحصل أن اشتكى أحد. تنطلق الرحلة بالغناء الجماعي وبالفرح  دونما اكتراث بالطريق وعذاباته، بل أكثر أمر يدهش هو أن هؤلاء اللاعبين قد يدخلون الملعب مباشرة بعد وصولهم لوجهة سفرهم. لم تسمع يوما أية شكوى أو امتعاض من هذه الوسيلة ولم يقل أحد أنها غير مناسبة أو لا توفر أسباب الراحة.

ارتبطت هذه الشاحنة في ذاكرتي الخاصة بحدثين: المناوشات التي كانت تحدث بيننا نحن عصابة الصغار مع حارس بعض الشاحنات المتخلى عنها وكنا ننسب ملكيتها لهذا الحارس، فمن منا لم يرغب ومن لم يلعب في شاحنات بولعلام؟

كما ارتبطت بتلك الرحلة العجيبة للدراسة في فكيك، كان الأمر مسليا جدا، ويعمد منظمو الرحلة للاستعانة بالشبابيك الحديدية المخصصة لنقل المواشي لفصل الإناث عن الذكور من جهة ولتوسعة سعة الشاحنة للعدد الكبير من الركاب، كانت الفتيات يوضعن في الأسفل في تلك الصناديق الحديدية بينما يستقل الذكور الجزء العلوي من الشاحنة، لازالت أتذكر رحلة واحدة تمت ليلا وكان ذلك في فصل الشتاء فبالرغم من التحدي الدي أظهرناه لبرودة الطقس متباهين بصغر سننا إلا أنه مع تقدم الليل بدأنا نرتجف من القر، أتذكر أصوات الرفاق ترن في أذني همسات وقهقهات وغناء، ولازلت أتذكر زميلا لنا كان يردد “أحس بالجوع، أريد أن آكل” وكان فعلا يأكل شيئا وهو يبكي.

اليوم في رحلة التذكر هذه أقول: لقد كانت رحلات رائعة، شكرا شاحنتي لقد كنت الداعم والمعين في رحلة تمدرس المئات من أبناء بلدتي في ميسور وبوعرفة وفكيك وبودنيب والريش، أجيالا متعاقبة لم تتخلفي عن نقلها لوجهاتها حيث قادها قدرها وحيث وضعت لبنات أولى لمستقبلها، بعزيمة واصرار أولائك الأبطال السائقين الذين فكوا العزلة عن بلدتي.

اليوم كلما سمعت هدير محركها تحضر لذهني كل تلك الأدوار التي لعبتها وتحضر أيضا كل وجوه أولئك المالكين والسائقين الذين أفنوا سنوات من حياتهم في القيام بهذا الواجب. فالشكر كل الشكر لهم.

 

 

الصور مأخودة من الصفحتين :

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...