تادلة وتحولات المكان: الغابر الظاهر(ج2) بقلم ذ.أحمد العمراوي

بعد أن نشرنا في وقت سابق الجزء الأول من المقال بعنوان تادلة وتحولات المكان : الغابر الظاهر ، إليكم فيما يلي الجزء الثاني 

 

في جنبات “لْمَحْرَك” ما تزال هناك دكاكين شبه مظلمة تقاوم الزحف العصري، وهي تطل خجولة عبر الأقواس الصغيرة العنيدة. تحتفظ للزائر-الغريب- ببعض المهن القديمة كتجارة التوابل والبزازة . كل ذلك على مرأى وحماية من المسجد الأعظم الذي يفتح ويغلق حسب الحالة الصحية للسقف. وقبالته تجد نفسك أمام السوق القديم: كان مقرا للزعيم خالد الذكر: زعيريطا. ويحكى أنه كان “فندقا ” أو خانا بلغة المشارقة، يأوي إليه “الحصادة” من كل حدب وصوب حين كان الخير لا ينقطع عن تادلة ونواحيها. وكان الزعيم يفرض الإتاوة على من يريد المبيت.

يوجد مكان “لمحرك” الآن فضاء أخضر مصمم بطريقة عصرية. لكنه يشوش على الذاكرة انتعاشتها ويحجب صورة السفاج وهو يأخذ بخناق العجين و يوسع ثقبه ويمططه في يديه بمهارة و يلقي به ليسبح في بركة من الزيت على نار الأعواد، حيث تختلط رائحة الدخان بمذاق الاسفنج. أو يحجب عنك صورة الحجام تحت قيطونه الصغير وهو يجز”غوفالة” الرؤوس العنيدة بآلة كان –حينها- يتباهى بأنها عصرية.

أكثر ما يحز في قلب الكثير من التادلاويين هو إزالة الحديقة التي كانت تتوسط قصر البلدية وإقامة باشا المدينة. لقد كان التادلاويون جالسين في طمأنينة: ما بهم شيء ولا عليهم شيء، حتى وقف عليهم قوم يلبسون أقنعة، فاقنعوهم بأن إزالة هذه الأشجار الكثيفة وهذه الأعشاب الخضراء ستجلب الفائدة للمدينة، وكان ذلك من قلة ذوقهم. بحيث عوضوها بأرضية مكلفة: و أبسط إنسان صار يعلم الآن بأن المنتخبين السياسيين حينما يريدون الإصلاح يجعلون قيمة قرميدة واحدة بثمن فيلا كاملة، وهكذا تم الإصلاح عن طريق الإفساد أو ما يمكن أن تسميته ب”إصلاح جيب الفرد” عن طريق إغراق و إفساد الجماعة: فتلك هي السياسة في المغرب.

كانت تلك الحديقة متنفسا حقيقيا للمارة وخاصة في حمّارة القيظ صيفا. يخرج الصبية من المسبح البلدي الذي يقع في هاوية على بعد أمتار منها، وبعد الصعود من الحفرة يجدون ظلالا وارفا للأكل والاستراحة. هذه الساحة أخذت من منطقة بئر انزران حرارتها، لأنها الآن لا توفر مترا مربعا من الظل للراغب في ذلك. لقد سموها ساحة بئر أنزران وما أخطأوا التسمية.

بالقرب من الحديقة وفي اتجاه حفرة المسبح البلدي كان هناك مرحاض عمومي، أزيل من الوجود، وبدأت ردود فعل بعض الناس تظهر على “شكل سائل مرسوم في الحائط كأنه من توقيع فنان تشكيلي، وعلى شكل صلب موضوع على الأرض” يقذي العين والأنف في الدرج المؤدي إلى المسبح. والحاصل في الأمر أن المرحاض أصبح أكثر عمومية و في الهواء الطلق وعلى عينك يا بن عدي.

في حي “الكانتينات” الذي تركه المعمر الفرنسي، ليس هناك ما يثير الانتباه، فالمقاهي تسلمك لبعضها البعض، غير أن شخصية أسطورية أيضا قد اختفت من الوجود كما اختفت قبلها شخصية الزعيم زعيريطا. وإذا كان هذا الأخير قد عرف ببعض العنف وخاصة تجاه القطط، فإن شخصية “المارشال” كانت مسالمة: لقد عرفناه وسجلناه في ذاكرتنا بلباسه الوحيد الغريب: لبسة شبه عسكرية لا ندري من أين زينها بالنياشين النحاسية والبرونزية والأصداف البلاستيكية الملونة، وعصا صغيرة يهش بها في حركات معلومة. فكانت الاحتفالات أمام قصر البلدية في الأعياد الوطنية لا تمر دون أن يكون المارشال حاضرا. لقد اختفى إلى الأبد.

وتادلة من المدن القليلة،ربما، في المغرب، التي كانت تتوافر على مكلبة. نعم مكلبة لا يعلم عنها الكثير من الناس اليوم شيئا: و قد عرفت في ما مضى من الزمن ب”حبس الكلاب”، وربما كان ذلك من بنات أفكار المعمرين حينها، فهم معروفون –حتى الآن-برأفتهم وحنانهم تجاه الكلاب أكثر من رأفتهم بالبشر. اختفت هي الأخرى فتركت تادلة عرضة للكلاب الضالة تحتل كل فضاء أخضر ظهر في المدينة: و الغريب أنه يمنع أحيانا على الناس الجلوس على العشب بينما تنبطح “القوانيع”(جمع قانوع وهو الكلب باللهجة الغاضبة) آمنة مطمئنة، إلى أن تصدر الأوامر بقتلها قنصا.

ولأن السياسة في تادلة لم تعد تمارس بأخلاقها ونضالها كما عهد فيها، فقد صارت تنزف شيئا فشيئا. فهاهو معمل القطن الذي لم يكن يهدأ له صوت لا بالليل ولا بالنهار قد أصبح خرابا و أرضا يبابا: كانت شاحنات القطن تدخل إليه وتخرج محملة بالانتاج في اتجاهات كثيرة تعود بالفائدة المادية على العمال. صار الآن مكان للصوف عوض القطن: صارت مكانا لبيع الأغنام و الأبقار على أنقاض المعمل وبقايا الاسمنت والحديد المتهالك. قيل إنها العولمة( الهيمنة الصينية) وقيل إنها الخوصصة، والناس أيقنت أن الأمر كان لوصصة.

بجانب أطلال معمل النسيج، يقاوم السوق الأسبوعي المد العولمي ويكاد يصل إلى نهاية وظيفته هو الآخر. بعدما توالت عليه معاول الزحف من كل جانب. لقد آن له أن يستريح بعدما تنكر له سكان الأحياء القريبة منه وصاروا يشتكون من ضوضائه الاثنيني. فبعدما كان يشكل آخر نقطة في المدينة في اتجاه الدار البيضاء، صار الآن كأنه في قلب الحاضرة.  والحق أنه بعد أن فقد بعض الأدوار الاجتماعية والثقافية الأخرى وصار يوما لبيع الخضر واللحم والملابس  فقط، لم يعد له مبرر لأن هذه الأشياء موجودة طوال الأسبوع. إنما الجانب الثقافي ممثلا في فن الحلقة أقبر وأطمر. و أحاديث الحلقة وحكاياتها كانت الشيء الثقافي الوحيد الذي كان يردده التادلاويون بعد أفلام سينما شونتكلير(تصور أيها الجيل الجديد: كان في مدينتنا سينما).: ارتجالات طْعُزْ وهو ينقر على تعريجته، واكروباتيك أولاد سيدي أحماد أوموسى، وحكايات سيدنا علقمة ، وقفشات خلوق والعريش و عريبي(تصغير العربي) ونعينيعا…وأخيرا مقابلات الملاكمة.

كل مدينة قامت على جنبات الوادي تخلق لنفسها متنفسا أو مناسبة للاحتفال بالماء والخضرة والوجه الحسن إلا تادلة أهملت “أم ربيعها”،باسثتناء محاولات فردية خجولة تتربص بها محاولات من خلفها لتنسف مجهودها. فلا نستغرب إذا ما حول يوما ما مساره هاربا بعيدا عن المدينة حينها سيعرف الناس قيمته وأهميته. لقد أزرى به الدهر بعدما كان يضخ الحياة، ويوزع الجمال يمينا وشمالا.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...