محمد أدغوي يكتب عن محو الأمية الرقمية

 

تقديم عام

الأمية ظاهرة من الظواهر الاجتماعية السلبية والمنتشرة في العديد من المجتمعات، وتكثر هذه الظاهرة في الوطن العربي وفي الكثير من الدول النامية، وهي عبارة عن عدم قدرة الإنسان  القيام بالعديد من المهارات الخاصة بالقراءة والكتابة، والتي تمكّنه من ممارسة الكثير من المجالات الحياتية التي تعتمد على القراءة والكتابة، خاصة في الوقت الحاضر، والذي رافقه حدوث كبير في التطورات التكنولوجيا العلمية، والتي لا يستطيع أي شخص ليس لديه القدرة على الكتابة والقراءة من مجاراتها والتعامل معها، ويختلف العمر الخاص بالأمية من بلد إلى أخرى، ففي البلدان العربية يُعد الشخص الذي يصل إلى سن الثانية عشرة ولا يستطيع القراءة والكتابة هو شخص أميّ، أما في دول متقدمة وكبيرة كاليابان يعد الشخص الذي لم يحصل على المستوى العلمي الذي يؤهله لفهم واستيعاب جميع التعليمات الكتابية في الأمور المتعلّقة بالتقنيات الخاصة بعمله بأنّه شخص أُمي، بالرغم من حصوله على العديد من الشهادات العلمية.

ويعد مفهوم محو الأمية في هذا العصر هدفا للدول التي تسعى إلى بناء مجتمعات معرفية حديثة ومتطورة عن طريق إكساب شعوبها المهارات الأساسية التي تمكنهم من استخدام واستعمال تقنيات الحاسوب في حياتهم اليومية والتي تمكنهم من خلالها استغلال وتطوير الفرص التجارية والاجتماعية والثقافية لأنفسهم أو لعائلتهم أو لمجتمعاتهم بشكل عام.

ولا يتوقف مفهوم الوعي المعلوماتي حقيقة على المهارات الأساسية لاستخدام تقنيات الحاسوب والشبكات بل يتعداه إلى بناء الإمكانيات والقدرات لاكتشاف المعلومات عند الحاجة إليها وتحديد مكانها وكيفية الوصول إليها وتقييمها واستعمالها بشكل فعال.

كما يشمل الوعي بالجوانب الأمنية في العالم الرقمي ومعرفة الحقوق والحدود لتجنب الوقوع فيما يمكن أن يعد جريمة معلوماتية.

وتعرف محو الأمية بانها:

مجموعة القدرات والمهارات التي تتداخل فيها (الثقافة الشفهية والمكتوبة والبصرية والرقمية )، وهذا يشمل المقدرة على فهم قوة المرئيات والمؤثرات الصوتية واستخدام تلك القوة لمعالجة وتحويل الوسائل الرقمية ونشرها وتكييفها بصيغ جديدة.

ان مفهوم الأمية في عصر المعلومات والعولمة والتطورات التقنية المتواصلة لم يعد محصورا في ضعف او عدم القدرة التقليدية على القراءة والكتابة، بل في عدم قدرة الإنسان على التكيف مع المواقف المتغيرة في التعامل مع الآخر والعمل والحياة، كما تسميها “آندي کارفن “على لسان هیوز بثقافة التكيف”adaptive literacy “والتي تمكن الفرد من تطوير مهارات جديدة في التعامل مع المواقف الجديدة بثقة بالنفس وجرأة في التصرف والإقبال السلوكي دون تردد.

ان المواقف المعقدة التي تنطوي على عوامل ومسؤوليات متداخلة عديدة تفرزها تكنولوجيا المعلومات المعاصرة، هي محفزة للإنسان المعاصر في ممارسة ذاته و معارفه ومهاراته وتطويرها باستمرار ومحو الأمية المعلوماتية اصبحت واحدة من المهارات الأساسية اللازمة للطلاب في القرن 21م ، وهي عبارة عن مجموعة من القدرات التي تتطلب من الأفراد القدرة على إدراك متى تكون المعلومات مطلوبة، وامتلاك القدرة على تحديد مكانها، وتقييمها والاستعمال الفعال لها.

أنواع الأمية:

للأمية أنواع معينة وتختلف عن بعضها وهي:

الأمية الهجائيّة: وهي عدم قدرة الشخص على معرفة الحروف الأبجدية والهجائية للغة الخاصة به، والتي تعد من الأساسيات الضرورية للغة، لكي يستطيع الشخص من خلالها تعلم القراءة والكتابة.

الأُمية الوظيفية: وهي عدم قدرة الشخص على فهم المبادئ والأساسيات الخاصة بطبيعة العمل والوظيفة التي يشغلها.

الأُمية المعلوماتية: وهذا النوع من الأمية يقوم على عدم قدرة الشخص على استعمال الوسائل الرقمية بمختلف أنواعها، والتي يحتاجها في العديد من مجالات حياته.

الأمية الثقافية: وهي عدم وجود الثقافة اللازمة لدى الشخص، وعدم قدرته على تثقيف نفسه في العديد من المواضيع التي تجعل منه شخصا مثقفا وواعيا.

الأُمية العلمية: وهي عدم قدرة الشخص على الحصول على المستوى التعليمي المطلوب، والشهادات العلمية المختلفة، التي تجعل منه شخصا متعلما.

الأُمية البيئية: وهي جهل الشخص بكل ما يتعلق بالبيئة التي يعيش فيها، وعدم قدرته على التفاعل والمحافظة عليها.

الأُمية الحضارية: وهي عدم إلمام الشخص بالمعلومات الكافية عن حضارته والحضارات المختلفة والمتنوعة.

الأُمية المهنية: وهي عدم معرفة الشخص بالمهن التي يجب القيام بها والتي تتناسب مع قدراته وإمكانياته المتاحة.

أمية الرقمنة في عز الأزمة

تحولت التكنولوجيا ووسائطها وتطبيقاتها إلى جنود دفاعية لمواجهة الوباء، ومُقاوَمة الحجر الصحي، ومواجهة تحديات التدبير السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي والإعلامي. لا يتعلق الأمر بالدول المتطورة تكنولوجيا فحسب، أو التي تحضر التكنولوجيا عندها كخدمات للتنمية والتدبير الإداري والتعليمي، بل حتى بالنسبة إلى الدول النامية. حدثَ ذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير، من أهمها: إدارة العمل والتعليم والسياسة من المنازل، والإجراء التواصلي التوعوي، ثم تحويل المنصات التكنولوجية إلى محطات فنية وثقافية ووسائط للترفيه والموسيقى.

من إيجابيات كوفيد 19 تسريع وتنزيل وتفعيل ثورة التكنولوجيا مما قلل من ظاهرة الأمية الرقمية ،وحتم على جميع فئات المجتمع من التعامل معها في مختلف القطاعات الحيوية من حجز للمواعيد أو تسجيل في المباريات أو طلب للوثائق وغيرها كثير من الخدمات الادارية والاجتماعية …

الإجراء التعليمى:
بحسب اليونسكو، فإن نصف مليار من التلاميذ والطلبة تحولوا للتعليم الرقمى والتلفزيونى من منازلهم، هناك إغلاق كامل للمدارس فى 102 دولة، وإغلاقٌ جزئى فى 11 دولة.

 أمام هذا الوضْع، وَجدت مُعظم الدول نفسها مُجبَرة على التعامل مع البديل التكنولوجى فى التعليم من أجل إنقاذ السنة الدراسية، باعتماد أشكال التعليم عن بعد بصيغته التقنية التعليمية المتعارَف عليها فى المنظومة التربوية العالَمية، كما هو الحال بالنسبة إلى الدول المتطورة تكنولوجيا، خاصة الولايات المتحدة الأميركية والصين.

 أما بقية الدول التى فاجأها الفيروس، وهى ما تزال تفتقد للبنية التكنولوجية التى تسمح بتطبيق التعليم عن بعد، مثل أغلب الدول العربية، فقد وَجدت نفسَها مجبرة على ركوب التحدى بإمكانيات متواضعة، والانخراط فى التعليم عن بعد بصيَغٍ متفاوتة، سواء باعتماد منصات تعليمية مجانية مخصَصة للمدارس، أو باستثمار تطبيقات تسمح بمشاركة المعلومات بين أفراد عدة، أو اللجوء إلى المواقِع الاجتماعية مثل الفيسبوك، أو التطبيقات التكنولوجية مثل الواتساب، إلى جانب التعليم التلفزيونى.
ولعلها تجارب وإنْ جاءت تحت ضغط الوضعية الوبائية، فإنها ستغير أشياء كثيرة، وستكون حافزا أمام الدول العربية للانخراط فى التعليم عن بُعد، بتهيئَة شروطه التكنولوجية والتعليمية والمادية وكذا تظافر الجهود من أجل مأسسة مشاريع تربوية وتكوينية للقضاء على الأمية الرقمية.

الأمية الرقمية في العالم العربي

في عصر العولمة والتكنولوجيا الرقمية، أصبح لدينا في العالم العربي أمية مركبة لأن هناك نحو ربع السكان في الوطن العربي يعانون من جهل القراءة والكتابة ومن ثم فقد أصبح اغلب المجتمع اميا بصورة أكبر من خلال صفة الجهل في كيفية استعمال الكمبيوتر والإنترنت حتى بالنسبة للشرائح متوسطة التعليم. كلما أمكن التخلص من أمية الحروف ونظيرتها في الكمبيوتر والإنترنت، اكتمل عقد المعرفة واقتصادها، فيصير الدخول إلى رحاب العولمة بكل مقاييسها أمرا ميسورا. ويزيد في حدة هذه المعادلة أن الانقسام بين “من يعرفون ” و “من لا يعرفون” بالمعنى المعرفي الواسع بات المؤشر الحقيقي إلى مدى تقدم الأفراد والشعوب وتخلفها.

يعاني الأمية نحو 80 مليون عربي، كما أنها تعود إلى عهود طويلة سابقة، قياسا مع حداثة امية الكمبيوتر والإنترنت التي باتت مشكلة منطورة منذ نحو عقد او یزید.

والملاحظ عموما، أن استعمال الكمبيوتر والإنترنت أصبح جزءا من تفاصيل الحياة اليومية والاقتصادية والتجارية والتربوية والثقافية في العالم العربي. كما ينظر إلى المواطن العربي الذي لا يحسن استخدامهما، باعتباره في عداد الأميين الذين لا يتيسر لهم الانخراط في المنظومة الرقمية المعاصرة وأشارت إحصاءات منظمة اليونيسكو عام 2005 إلى ان مستخدمي الإنترنت يشكلون نحو سدس سكان العالم، أي أكثر قليلا من مليار نسمة.

وتضم الدول الأوروبية والأميركية نحو 45% منهم، فيما يقطن الدول النامية بين 20 و 30 في المائة منهم. ولا تتجاوز نسبة مستخدمي الشبكة الإلكترونية الدولية في العالم العربي الا 2%، علما أن هذه النسبة تختلف بين دولة وأخرى. وتأتي دول الخليج العربي في المقدمة حيث تصل نسبة مستخدمي الإنترنت إلى قرابة 13% من إجمال السكان. وتبلغ النسبة عينها 8% لبنان، و 5% في مصر، و 3% في الأردن، وبلدان المغرب العربي، فيما تتراوح بين 0.5 و 2 في المائة في الدول العربية الباقية.

لقد أصبح قياس نسبة الأمية فيمن  لا يعرف الكتابة والقراءة ، بل أصبحت الأمية في دول العالم تقاس بعدد مستخدمي الانترنت و اجهزة الحاسوب او الكمبيوتر …

و هذه التقنية الرقمية التي ابتكرها الجيش الأمريكي في مطلع الستينات من القرن العشرين و قدمها الأمريكيون للعالم لتستخدم بشكل تجاري و دولي و فردي في مطلع التسعينات من نفس القرن متعددة التطبيقات و الحلول و الاستخدام.

 فمن خلال وسائل الاتصالات المختلفة و عالم تقنية المعلومات أصبح العالم مثل القرية الصغيرة او المنزل الواحد ، فمن خلال هذه الشبكة العنكبوتية يستطيع المرء أن يدير أعماله و اتصالاته عبر جهاز الكمبيوتر الذي في منزله أو مكتبه أو جهاز كمبيوتر نقال.

وتشير الاحصائيات إلى أن نسبة استخدام العالم العربي لشبكة الانترنت منذ منتصف التسعينات بلغت 7.20 % من عدد سكان العالم العربي، مما يضعنا كعرب في مؤخرة قائمة الدول المستفيدة من هذه الشبكة و تطبيقاتها التي تتمثل في التعليم و الثقافة و الطب و التجارة و الحكومة الاليكترونية و الزراعة و الري و وسائل الخدمات الأخرى .

 أي بمعنى آخر أن نسبة الأمية بالمصطلح الجديد في عالمنا العربي تبلغ 92.8 % وهي نسبة عالية جدا !!! ، و أننا كعرب مازلنا بعيدين عن ما يسمى بالحكومة الاليكترونية و المجتمع التقني هنالك بعض المعوقات التي يجب تجاوزها لتشجيع الفرد على استخدام هذه الشبكة أهمها الثقافة الرقمية و ثقافة الاتصالات بشكل عام و تسنين تشريعات و قوانين جديدة لمواكبة التطور التقني و التكامل التكنلوجي و توسيع خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات و خفض التكلفة و تسعيرة الخدمات و فتح أبواب المنافسة ، مع وضع خطة وطنية و استراتيجية للاتصالات وتقنية المعلومات و التخفيف من الهاجس الأمني لدى الحكومات.

 

محاربة الأمية الرقمية

ساهمت التطورات الحديثة في مجال تكنولوجيا الاتصال في ظهور أنظمة جديدة ومتطورة للتواصل والتعلم تكاد تفوق الخيال.. ساعدت الأفراد والشعوب على التكيف والتجاوب مع متغيرات وتطورات هذا العصر وتنمية مهارات التفكير لديهم ليكونوا شركاء في هذا التطور السريع والمذهل، وأنشأت نمطا جديدا في الحياة زلزل الهويات الفكرية والثقافية والاجتماعية، والحدود، والخصوصيات على كوكب الأرض..

ولا شك أن هذه التغيرات باتت تفرض رعيا جديدا بمفاهيم جديدة من قبيل الكتب والمجلات الإلكترونية المكتوبة والمنطوقة، والمكتبات الرقمية، والمعامل الإلكترونية والمدراس الافتراضية، والجامعات الافتراضية … بشكل لا يستساغ معه الجهل بهذه الوسيلة بمداخلها ومخارجها، أو التركيز في الأخذ بأسباب تعلمها وتعليمها، وتملك مفاتيحها والوعي بأهميتها ومستقبليتها.

كما أن الأمية الإلكترونية تصيب  كثيرا من أفراد الطبقات المتعلمة من استعصى عليهم فهم الثورة الرقمية وفك رموزها الإلكترونية.

 وتعود بواعث امية الإنترنت أساسا، إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتربوية والسياسية، وغياب استراتيجية عربية لتأسيس بنى تحتية تكنولوجية معاصرة .

و عدم توفر ثقافة إلكترونية شاملة وانظمة تعليمية توائم بين العلم والحياة من أجل بناء نظام معرفي جديد يوفق بين من يعرفون ومن لا يعرفون، وإلى عدم توافر ما يلزم من موازنات لإنشاء شبكة إلكترونية عربية على غرار الشبكات العالمية …

لحل مشكلة الأمية الإلكترونية في العالم العربي، هناك نصائح مهمة تطرحها العديد من المواقع التخصصية، منها النصائح التالية :

 

  1. إقامة دورات تدريبية على مدار السنة للمثقفين والموظفين وغيرهم، بغية تعريفهم بألف باء الكمبيوتر والإنترنت.

 

  1. استحداث فصول لتعليم اللغة الإنجليزية، كونها إحدى اللغات المهمة على الشبكة الإلكترونية الدولية، مع العلم أن 70% من محتويات الإنترنت هي بتلك اللغة.
  2. توفير الإطار التنظيمي والقانوني الذي يضمن حق المواطن في الحصول على خدمة الإنترنت وبأسعار منطقية.

 

  1. تحسين مستوى دخل الفرد، والحد من تفاقم البطالة، وتوفير أجهزة حاسوب بأسعار تشجيعية، وتزويد المكتبات العامة والمدارس والجامعات بخطوط تصلها بشبكة الإنترنت بأسعار معقولة، ما يساهم في كسر احتكار الوصول إلى الإنترنت.

 

  1. إصدار دوريات سنوية لمعرفة مدى التقدم في تحقيق النتائج المتوخاة، إذ تلجأ بعض الحكومات العربية إلى إخفاء الإحصاءات الحقيقية خشية امتناع بعض الهيئات الدولية عن تزويدها بمعونات ومساعدات وقروض وتقنيات.

 

  1. تخصيص يوم عربي لمكافحة أمية الإنترنت، تقرره جامعة الدول العربية على غرار يوم محو الأمية التقليدية المقرر منذ عام 1970 .

 

ويطرح الباحثون جملة حلول لمحو الأمية الإلكترونية منها قوافل التدريب الالكتروني وتهدف إلى محو أمية الحاسوب والإنترنت ، وذلك من خلال التعريف بأهمية الاتصالات وتقنية المعلومات في المجتمع للفئات المستهدفة، والتعريف بالاستخدامات المتعددة للاتصالات وتقنية المعلومات، وتدريبهم لإكسابهم المهارات الأساسية المتعلقة باستخدام الحاسوب الآلي والإنترنت.

لائحة المصادر والمراجع:

  • التربية الاعلامية ومحو الامية الرقمية للدكتورة بشرى حسين الحمداني، الطبعة الأولى 2015 الصفحات 220-256.
  • https://www.marefa.org/
  • KATE MULCAHY (4-4-2012), “20 Types of Illiteracy”، com, Retrieved 9-6-2018. Edited

https://mawdoo3.com/%D8%AA%D8%B9%D8%B1%D9%8A%D9%81_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%A9


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...