مليكة أبوالحرمة تكتب: القرية من خلال أغاني فيروز

مليكة أبوالحرمة

 

قال أنيس فريحة “نحن الذين رأينا النور في القرية اللبنانية، نحنّ أبدا إلى مرابع الطفولة. فإنّ لها في أعماق نفوسنا ذكريات حلوة: العين ودرب العين، الكرم ودرب الكروم، العودة ومراح العودة.. وأنّى ذهبنا، وأنّى نزلنا، فإنّ صور القرية تظل عالقة في مؤخرة الدّماغ.”

جاء في الراية بتاريخ 24 دجنبر 2011 “بين العشرينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كان في لبنان حنين إلى القرية اللبنانية، وهو مناخ اغتذى من مؤثرات عديدة، من بينها الأدب المهجري وما يفيض به من حنين وتمجيد للطبيعة والقرية. يضاف إلى ذلك اتساع المؤثرات الرومانسية، وما تدعو إليه من عودة إلى الطبيعة والفطرة، تلك المرحلة اقترنت بهجرتين لأهل الجبل والريف إجمالا، هجرة كبرى إلى العالم الجديد حول مطلع القرن بسبب المجاعة والسياسة العثمانية، وهجرة صغرى من الريف إلى المدينة”.

جاء في مقاييس اللغة لابن فارس قَرِيَ، القافُ والراء والحرف المُعتَلّ أصلٌ صحيح يدلّ على جُمَعِ واجتماعِ ومن ذلك القَرْيةُ، سُمّيت قريةً لاجتماع الناس فيها..

قال الجوهري: القرية معروفة، والجمع القرى على غير قياس. وفي الحديث: أن نبيا من الأنبياء أمر بقرية النمل فأحرقت، هي مسكنها وبيتها، والجمع قرى، والقرية من المساكن والأبنية والضياع وقد تطلق على المدن. وفي الحديث: “أمرت بقرية تأكل القرى”، وهي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعنى أكلها القرى ما يُفتح على أيدي أهلها من المدن ويصيبون من غنائمها، وقوله تعالى ﴿واسأل القرية التي كنا فيها﴾، قال سبويه: إنما جاء على اتساع الكلام والاختصار وإنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان ههنا..

وفي اصطلاح الجغرافيين هي تجمع دائم وصنف من السكن، يميز المجالات البدوية. تدل القرية أحيانا على حدود منطقة؛ وتعني إجمالا وحدة إنسانية؛ وهي مجال إنتاج وسيادة؛ وما يميزها هو الطابع الفلاحي.

فيما مضى كان للقرية مشهد خاص، وللحياة فيها طعم خاص، فأضحت القرية غير القرية، والحياة فيها غير الحياة. قال إبراهيم العزب:

يُقال: كانت قَرْيةً معْمورة            بأهلها وبالغنى مغمـــــــــورة

فَنَضبَ النبعُ وَمَاتَ الزّرعُ           وَغَلَبَ الحُزْنُ وسَالَ الدّمْعُ

لذلك كانت للقرية دلالةٌ خاصة في أغاني فيروز. انطلقت الأغنية الفيروزية من القرية، وتغذت منها، ومنها كانت تستمد القوة؛ فكان الانتاج الرحباني إنتاجا حضاريا.

تفتخر فيروز بمجيئها من القرية، تلك القرية التي صنعت منها إنسانا متسع المدارك، بما أوحته إليها من مادة فكرية، بالحب الذي تستنشقه في كل شهيق، وبتفاصيل الحياة العفوية التي تحياها في القرية، والتي أعطت للحياة معناها الأكمل.

كانت فيروز مؤمنة بالله؛ وآمنت بقضايا حضارية، انطلقت من فؤاد فيروز، وتجلت في أرض لبنان،  وفي القرية اللبنانية. إن الانسان لا يمكنه أن  يعيش بدون عقيدة سامية، فالعقيدة من مقومات إنسانيته وارتقائه عن مستوى الغرائز الحيوانية. والعقيدة هي المنهاج الجامع المانع الذي يجيب عن كل تساؤلات العبد بشكل جازم؛ فالعقيدة لا يختلف فيها اثنان.

وقد سمي العلم المرتبط بالعقيدة علم التوحيد، وقد جاء في كشاف اصطلاحات الفنون التوحيد لغة جعل الشيء واحدا، وفي عبارة العلماء اعتقاد وحدانيته تعالى، وعند الصوفية معرفة وحدانيته الثابتة له في الأزل والأبد، وذلك بأن لا يحضر في شهوده غير الواحد جل جلاله.

تقول فيروز في أحد الحوارات المنشور في إحدى المجلات العربية: “عندما كنت أخاف كنت أصلي”:

أومن أن خلف الريح الهوجاء شفاه     تتلـو الصــــــلاة

أومن أن في صمت الكون المقفـــل     مَن يصغي لي

إنّي إن تــــــــــرنــــــو عينــــــاي للسمــــاء       تصفو الأضواء

تعلو الألحان كلّي إيمان

تعلو الألحان وتصفو الأضواء، وتتغنى فيروز بكل ما يؤثث القرية، من العموميات إلى أدق التفاصيل. تغنت فيروز بكل مكمن للماء. وتغنت بالغدير قائلة:

أنتَ يا أَسْمَرُ أحلى من غَديرٍ في الظلال***حوله الأَفْياء والنُّعمى وألوان الجَمال

*******

قلت آتي للغدير المتغنِّي في الجنانِ***علَّني أُدْرِكُ سِرَّ الحُبِّ فِي تِلْكَ الأَغَانِي

وتقول أيضا:

يحكي الغدير صدى هواهُ    إذا مررتِ على الغَدير

وتغنّت فيروز أيضا بنبع الماء، أهم ما يميز القرية، بل يهم كل تجمع سكني، بل هو مخبأ أسرار كل قاطن وكل زائر سقى من مائه؛ تقول السيدة فيروز:

بحكي عنك يا حبيبي لَأهالي الحــي        تحكي عني يا حبيبي لنبعة المَيّ

لمّا بْدوري السّألْ تحت أْناديل المسا        بيحكوا عنّك يا حبيبِي وأَنَا بِنْتسَى

لنبع الماء ملامح خاصة؛ لنبع الماء حضور قوي في حياة القرويين:

ساعِدني يا نبع الينابـــــــــــــيع          يا سيّد العطايا ساعدْنــــــــــــــــــــــــي

ودّيتني جيت قْطَعْت اللَّيالي         عَن  حُبَّك حْكِيت وكَرَمَكْ بِبَالي

وتغني فيروز:

عند الأنهار دنيا أطيار             ضحاها تَغني هواها تَغني

سمــــــاها نُضــــار

عند الأنهار أرض الأزهار          وبوحُ الجميلة أرضُ الخميلة

وحلـــــــمُ الهَـــــــــــزّار

والبئر غير نبع الماء في أغاني فيروز؛ البئر خزان الأسرار، والبئر محنة يوسف عليه السلام. تغني فيروز عن البئر المهجور وتقول:

يا هالبير، بَعْرِفْ إِنَّك        ما عاد حدى يْمَلِّي مِنَّك

*****

وْتِرْحَلْ لَبْعِيدْ طْيُـــــــور         وْتِلْتِقِي مِنْ بْعِيدْ طْيُورْ

على البير المهجور

وتغني أيضا:

نزّلوني على البير وْطَلَّعوني مِن البير      المي ما بلّلتني بس خِفت  كثير

كانــــــــــــــــــت إيدَيكن حامــــــــــــــــــــــــــــــلتْنِي          وْحــــــــــــــــــــــاسّة إني وحــــــــــــــــــــيدي

كـــــــــــــــــــــــــــــــانت قلُوبكــــــــــــــــن شَيْلِتْنِي           وحَــــــــــــــــــــاسّة إِنّي وحـــــــــــــــــــيدي

وفي حمأة محنة البئر، وفي أكمل صورة للخوف، أحست فيروز بدفء الناس وحبهم؛ تزرع الحب في أرض الناس، ويُزهر في أرضك. تغني فيروز:

رميت السعادة للنــــــــــاس       وزهّــــــــــرت بإيـــــــدَيِّــــــــــي

من الأرض تنفجر العيون، من بطن الأرض تولد الآبار، لتطفئ ظمأ الأناسي، وتروي البهائم، وتسقي النبات، وجعلنا من الماء كل شيء حي.

ولكن ما يعطي للأرض قيمة أكبر، هو ذلك الرباط الروحي، الذي يجمع بين الأرض وساكنها. تغني فيروز:

*والأرض عْيُونا دْمُوع          قولي قولي يا حبيبي

وتغني:

*هلّا هلاّ  يا تراب عينطورا        يا ملفى الغَيْم وسطوح العيد

وتغنّي:

بروحي تلك الأرضُ ما أَطْيَبَ الربى        وما أحسنَ المصطَاف والمُتَرَبَّعا

والأرض وحدها هي التي لا تنكر، ولا تنسى مرور الإنسان عليها، تقول فيروز:

بَعْدَك بْتِذْكر يا وطى الدّوار بْتِذْكُر حْكَايِتْنَا         ولَـــــدِن بالإِيَّام زغار يَلفو عَاجِـــــــــــــــــــــــــــيرِتْنَا

هالزغار فِلُّو صارو كبار نسيو جيرتـنــــــــــــــــــا       وحدك بتذكر يا وطى الدوار وحدك حكايتنا

مهما ابتعد المرء عن أرضه، مسقط رأسه جره الحنين إليها، بل تزدحم الذكريات في ذاكرته، وتتنازعه الأمكنة المحلية، هذه الساحة شهدت لعبنا الحجلة، وهذا الجسر نعبر منه إلى البئر لنملأ جرارنا، وهذا الزقاق كنا نعبره الأسبوع بعد الآخر لنزور بيت الجد.. ونتوق إلى الرجوع إلى الأرض لنتنفس هواءها، ونشرب حفنات من مائها، ونقف في كل مكان شهد مرحنا وفرحنا بلقاء بعضنا ببعض.. تغني فيروز وتقول:

سنرجع يومـا إلى حينــــــــا      ونغرق في دافئات المنى

سنرجع مهما يمر الزمان     وتنآى المسافة ما بينـــنـــا

ويتشبت المرء بفكرة الرجوع، حتى لتظل تمخر جسده ما طال البعاد، وحتى تتحقق العودة، تقول فيروز:

راجعين يا هوى راجعين      يا زهرة المســــــــــــــــــــــاكين

راجعين يا هــــــــــــــــــــــــــوى       على نار الهوى، راجعين

فعمران الأرض موكول إلى الإنسان، يبني مسكنه، أو كوخه، أو يَنْصِبُ خيمته، يؤثث المكان، ويحقق وجوده حضاريا. تغني فيروز:

بِكُوخنا يبني بها لكوخ الفقير     والثلج ما خلّى وْلا عُودِةْ حَطَبْ

وتغني:

يا أهل الدّار طلُّوا طلوا الحَبَايب     شِعْلانة النَّار وِالسِّكَّر قَلْبُه دايبْ

وتغنّي:

قال يا بيْتاً لنا جاورتْكَ الأَنْهُر       ليتَ ما كان هُنا من سَنا لا يُهْجَرُ

وتغني:

شي بيت أبعد بيت     منحي ورا حدود العتم والريح

وتغني فيروز عن البيت بكل تفاصيله، فتقول:

يا ساحِر العينيــــــــن يا حُلْمَــــــــــــــــــــــــنا           تســــــــــــــــأَل في الحيّيـــــــــــــن عــــــــــــــــــــــن بيتنا

بيتُنَا قُرب العين يا ساحر العينيــــــــن         على حدود المروج حيثُ الســـــــــواقي الكثارِ

بيتُنا حلو يموج على رؤى واخضرار        مُشَـرَّع البابين يا ســــــــــــــاحر العَيْنَيْــــــــــــــــــــــن

فتتحدث بذلك فيروز عن مكان البيت في الحي المجاور للعين، المحادي للمروج الخضراء، الكثيرة السواقي. كرم ومحبّة يؤثثان الفضاء.

وأجمل ما في القرية تلك المرأة القروية، التي تطبعها العفوية، ويملأ قلبها الحب، وينضح محياها جمالا وضياء. غنت فيروز للمرأة أُمًّا، وحبيبة، وزوجة، وجدة، وراعية، وفلاحة..

تغني فيروز للأم:

أمي يا مــــــــــــــــــــلاكي              يا حبي الباقي إلى الأبد

ولم تــــــــــزل يـــــــــــــــداك             أرجوحتي ولم أزل ولـــــــــد

وتغني للحبيبة:

أنا لَحَبيبــــــي وحبيـــــــــبي إلــــي            يا عصفورة بيضا لا بقا تسألي

ولا يِعْتِبْ حدا وَلا يِزْعَل حدا            أَنا لَحَبيبي وحبيبِي إِلـــــــــــــــــــــــــي

*******

ندهلي حبيبي جيت بلا سؤال          مِنْ نَومي سرقني مِنْ راحِةِ البال

أنا على دربو دَربُو عَالجَـــمَال           يا شمس المحبِّة حْكَايِتنا غْزِلــــــي

 

وتغني للزوجة:

عم يسألوني عليك الناس       كانو يشفونا سوا

شوف خبر لكلّ الناس          غير أمانينا الهوى

وتغني للجدة:

بيتك يا ست الختيارا         بيذكّرني بْيت سِتّي

تِبْقى تْرَنْدِحلي أَشْعَارا        والدّنيي عم بِتْشتّـي

*******

وتخاطب الجدّة:

ســـــــــــتي يا ســـــــــــــتي           اشتقت لك يا ستي

عــــــــلي صــــــــــــــــوتك           صــــــــــــــــوتــك بــعيد

*******

بَذْكُرِ الليالـــــــــــي الطويلِة         وأنا طـــــــــــفلة بالـــــزمان

وقصص الشتي تِحكيلي         صوتِك اللي كِلّو امان

وتغني فيروز للراعية:

سوقي القَطيعَ إِلى المراعي وامضي إلى خضر البقاعِ

ملَأَ الضحــــــــــــــــــى عَينيك بالأطيافِ من رقصِ الشُّعاعِ

وتناثَرَتْ خُصُلاتُ شَعــــــــــــــــــرِك للنُّسيماتِ السِّــــــــــــــــــــراعِ

سَمْرَاءُ يا أُنْشُـــــــــــــــــــودَةَ الغابات يا حُلْمَ المــــــــــــــــــــــــــراعي

وغنت فيروز أيضا للرجل حبيبا، وراعيا، وفلاحا، وطحانا، وشيخ المشايخ، وحلال القصص.

تغني فيروز للحبيب:

الله معـــــــك يا أسمـــــــــــــــــــر الجبهــــــــــــة             يا ناعــــــــــــــس العينيـــــــــــــن

عشقتـــــك أنا وما عــــــــدت منتبهـــــــــة             مِـــــــــــــنْ وين ولَــــــــــــــــــــوين

اللّه معك يللّي الشمس ملوّحة جبينك           بْألـــــــــــــوان خـــــــــــــمـــــــريـــــه

وتغني لحلال القصص:

جيــنا لحــــــــلاّل القــصـــص تانحــل قصّـــــتنا              وِلْقينا في عندو قصّه يا مَحْلَى قصّتنا

كل واحد عندو قصّه وكل قصّه إلها قصّة     وبيخلـــص العمر وما بتخــلص القصّه

وتقول لشيخ المشايخ:

مسحوره أنا          أنا هالصبيّه          الزهرة المستحيَّة

*******

ومسحورة يا شيخِ المْشَايِخ          خلّصني يَا شيخ المْشايِخْ

وتغني للرعاة:

يا رِعْيَان الجِبَال إذْ طْلِعْتُو عَالجبال        قُلُو لَحَبِيبي رِجِع زَمَان الهَوى

وتُغَنّي للفلاحين:

تلال الزراعين تلال الوعْر          عْلالي الشيح ضيعتنا

وتغني أيضا:

الله يديمك يا فلاّح

يا باني ها الدار

وان شاء الله تضلك مرتاح

وتحرس هالأشجار

مين إلي خلّى الزهرة

تنبت حدّى الشجرة

خلّى الدنيا خضرا

عَلى ضْفاف الأنهار

وتقول للحصادين:

تلال الحِصّادين      صخور بتمرح       راس الرّيح ضيعتنا

لم تنس فيروز الطفل؛ فالطفل حاضر فينا، وفي كل أطوار عمرنا، وما أجمل الطفولة. تغني فيروز:

يارا الحلوي الغِفي عازِنْدها خَيَّا الزْغير         وظِلّتْ تْغَنّي وِالدِّني حَدّا تْطيرْ

والــــــــــــــرياح تْـــــــــــــــــــــــــــــــــدَوّزِنْ وْتَارَا يارا            الحلوي الحلوايي تِعْبُو زْنُـــودها

وْنِتْفِي صْفَــــــــــــــــــــــــــــرُّو خْـــــــــــــــــــــــدُودْهَا             وِبْأيــــــــــــــــــــــــدها نـــعسِتْ الإسوَارا

وْلِمِّنْ إِجِتْ تْحِطّ خَيّا بِالــــــــــــــــــــــــــسريرْ            تْصَلّي:”يارَبِّي يْصَيرْو خَيِّ كْبِيرْ”

والســــــــــــــــــــــما ديها هاك الدين الحــــرير           نْلَمَّتْ الشــــــــــــــــــمس وْعَبّـــتْ زْوَارَا

وتغني أيضا:

زوري زوري بيوتنا يا شمس الأطفال       وأضيئيها بيوتنا يا شمس الأطفال.

وتغنت فيروز بالفصول الأربعة؛ بكل ما يرتبط بالجو وأحوال الطقس، من برد وحر، وثلج، وشمس، ورياح، وليل ونهار؛ تغت بكل تفاصيل الحياة كالنوم، الأعياد، والأكل، بل بالمحلي المميز للبنان، للقرية اللبنانية، أرض الجبل وشجرة اللوز، تقول فيروز:

بْحِبّك ما بعرف هِنْ قَالولي      وْمِنْ يَوْمها صار القمر أكبَر

عاتْلالْنا وْصَارِتْ الزَّغْلولــــي      تاكُــــــل عاإيدي اللَّوز والسِّـــكّر

“اللوز والسكر”، الأكلة الرمز، رمز الحب، رمز الهوية، رمز تعايش السهل مع الجبل.. وما أعمق دلالة الأكل !

وتغنَّتْ فيروز بالسهل والتل والجبل، والغابة والأرز، تقول فيروز:

بلدتي غابة جميــــــلة      حلوة التــــــــــــــــلال

حبها نغمة طويلـــــة        أرضُهَا جمـــــــــال

فيروز، شجرة أرز لبنان، كما يلقبونها، تغنت بشجرة الأرز، فقالت:

الأرز الحب حْكَاية نغمات          فيكِ زْرَعْنَا مْحَبِّتْنا وْحِلْيُو الكَرْمَات

تغنت فيروز بالعصافير وهجرتها، وبعودتها وتغريدها:

أسراب السنونو عادت إلى الشبابيك العتيقة    رايات التلال عادوا إلى البيوت المطمئنة

ومن أجلّ ما غنت له فيروز الأرض، الوطن، لبنان؛ واستحوذت الارض، الوطن الأم على العديد من أغاني فيروز، تغني فيروز:

بِرُوحي تلك الأرض ما أطيب الربى        وما أحسنَ المصطاف والمترَبّعا

وتقول:

لبنان يا أخضر حلو عَتْلال        يا حْكَاية القلب وحَنِينِ البال

وتغني:

يا مينا الحبايب       يا بيروت     يا شط اللي ذايب    يا بيروت

وغنت لكل الأوطان حبا للوطن:

من وطني تحية الرجـــــــــوله           إلى شواطئِ المغربِ الأبِيَّة

وتقول:

مصر عادت شمسك الذهب        تحمل الأرض وتغتــــــــرب

كل الأغراض التي غنت من أجلها فيروز لا تخلو من كلمة حب، كان الحب حاضرا

في كل أغانيها؛ سقت فيروز الناس الحب، وانفردت بهذا اللون الغنائي، الذي لم يكن فيه الحب أساسا والغرض الآخر أسا، أو العكس، بل كان الغرضان معا ذائبين، ممتزجين حتى الثمالة. تغني فيروز:

يا حبُّ إِنْ زُرْتَنَا وهِمْتَ في أَرْضِنَا         تمْلِكُ في رَبْعِنَا تسْكُنُ فِي قَلْبِنَا

نرعَاكَ بالجَفْنَيْن يا سَاحِرَ العيْنَيْن

وكان الحب بذلك مِثْل البلازما التي تسبح داخله كل تفاصيل الحياة اليومية البدوية، وهو الذي يسمو بها، فيكتمل معناها.

تغني السيدة فيروز:

والورقة الأخيرة خَلّوها للحبّ         منعملها أميرة مُنِنذرها للحب

تحدث الكثير من الناس عن القرية، بما تحتويه من خصوصيات، كونها محفوفة بطبيعة ساحرة،  ذلك العطاء الرباني، طاهرةٍ مطهّرةٍ للرئة والنفسِ البشرية، بها منتوجاتٌ فلاحية صحية، ويسكنها قرويون بعفوية الأطفال، ويطبعها كرم طائي. لكن قرية فيروز أبهى وأشهى؛ فلا صراع عن حدود الأرض، ولا صراخ عند مقاسم الماء، ولا سرقة لبهائم الجيران في الليل البهيم، ولا قتل لزرع أبناء العم، ولا طمع ولا جشع في القرية. كان الحب في أغاني فيروز يذيب كل صراع، ويمحو كل غل وحقد وضغينة تكدر صفاء السرائر.

قرية فيروز هي بيتنا الذي يأوينا، هي زقاقنا، هي حارتنا، هي حينا، هي مدينتنا، هي قريتنا، وقرى كل المحبين الذين اتخذوا من الحب عنوانا لكل علاقة إنسانية. تغني فيروز تلك القرى وتقول:

تِلك القــــــــــــــرى يا سِحــــــرها نغمٌ على شفة الجَمالِ

وقلائدُ غيــــــــــــــــــــــد معلقـــــــــة بأعنـــــــــــاقِ الجبـــــــــالِ

يغُفو شعاع الشمسِ في واحاتِها الخُضْرِ الظّلال

وتموج في الأرجاء لامعــــــــــــةَ النوافــــــــــــــــــذ كاللآل

تِلْكَ القرى حيث الضبابُ يَرِفُّ مطلـــــوقَ الجناحِ

وترتل الأحـــــــــــــــــــــــراج والغاباتُ ألحــــــــــــانَ الرّياح

ويطـــــــــــــــل وجه الذكريات الحلوِ من كلِّ النواحي

العيد والأجــــــــــــــــداد والزمن الغَفي عــــــلى السَّمـاح

وهناك لا يخفى الهَوى إن ضج في قلبٍ طروبٍ

فالزهر ينقل ما يوشْـــــوشه المحِب عــلى الـــدُّرُوبِ

وطوائف الأطيار تسترقُ الحَنين من القُـــــــــلوب

وتذيعــــــــــــــــه نغماً يَهِيـم على ممــرّات الحــــــــــبيبِ

أنا من هُناك من القُرى أقبلــــــــــــتُ مرتفعَ الجبين

أروي لِمـــــــــــــــنْ ألقاه عن ارضي أناشيدَ الفـــنونِ،

بـــــي كبرياء جبالها وتواضع السهــــــــــــــل الأميـــن

بــــــــــــــي مــــــــــــن يَناسمِها أهازيجُ تموجُ بالحــــــــنين

أهوى الدّروب السّمر حيثُ تمرُّ أطياف الصبايا

أهوى القرى المتعرّجات النائماتِ على الحنـــــــايا

وأحــــــــــــــب ذيّاك التّرابَ وصمتَه عنــــــــــــد العَشايا

أنا منه ما طال البُعاد وما نأت عنه خُطـــــــــــايا


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...