عبد الحكيم برنوص يكتب .. وا بني ملالاه !!

عبد الحكيم برنوص

ربما يكون أهل بني ملال ( القدامى منهم خاصة) أولى الناس بالندبة أكثر من غيرهم  (رغم أن جل المدن بالمغرب تعاني المشاكل ذاتها، وإِنْ بدرجات مختلفة)، ففي ظرف أقل من ثلاثين سنة (تسعينيات القرن الماضي) تغير وجه المدينة تماما، وتعرضت لتشويه ملحوظ وترييف ظاهر (وهذا لا يعني أنها كانت أفضل حالا في المطلق)، وأطيح بها من قائمة المدن الرطبة المائية إلى مدن الجمر والصهد والفلاة، وقريبا سيكون لأهلها برنامج يوميّ محسوب بالساعة والدقيقة، تُطلق فيه جرعات الماء ونبضات الكهرباء من وإلى.

في هذا الظرف القصير غار ماؤها ويبس زرعها ونشف نسغها ونضب ضرعها، وغدت مدينةً مِلحا، شديدةَ الملوحة. ورغم أن هذه “الحاضرة” الغائبة أُريد لها أن تكون قاطرة الجهة، فإنها زعامة مأمولة لا غير، فلا معالم كبرى، ولا شوارع فسيحة، و لا حدائق ولا مسارح ولا متاحف، ولا علامة للمدينة تميزها عن باقي مدن الوطن، “دوّار” كبير أنشئ بليل. (ضاقت شوارع المدينة بعرباتها، وعند الذروة يكاد يغرق الناس عرقا داخل عرباتهم في يوم صيف قائظ).

وقبل ذلك دفعت المدينة ثمن تجييش انتخابي ماكر، جنى على المدينة وأزاحها من “سباق المدن” كي تكون حواضر ومدنا، وأبقاها في دائرة المنشآت التي تكبر وتنمو من تلقاء نفسها  ومن غير تخطيط.

فمن أجل غنائم انتخابية، وبسبب تطاحن انتخابي هستيري جُلبت ألاف الأصوات من كل حدب وصوب، وأحيط بالمدينة، فبدأ النبش والحفر شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، بالليل والنهار. والنتيجة هذه الأحزمة والأبنية العشواء، وآلاف من الناس، لا هم من أهل الحضر ولا هم من أهل الوبر.(الذنب شِركة بين  كثير من الحاكمين وكثير من المحكومين).

ارتبط اسم المدينة في أذهان كثير من الناس بعين الماء الجارية عين “أسردون” الشهيرة، المَعْلمُ الأول والأخير للمدينة، ومن يطل على أحوال هذا النبع النضّاخ لا محالة مصيبته الدهشة ومعتصره الألم.  ورغم أنه وقعت بالعَين (كما نسميها) إصلاحات وأشغال تهيئة لكنها لم تفلح قطّ في إرجاع المنظر الأول العالق بأذهان الرواد.

فقد بيع الماء، وتخاطفته الأيدي،  ومُكر به  في المجالس السرية، وجيء به من مكان بعيد باهض الثمن غالي التكلفة، يروي أفواها عطشى، تدفع نصف قوتها من أجل شربة ماء. وحتى أمس كانت حزمة شرايين مائية تروي الجسد الملاليّ دفقا دفقا، تنساب من عل، تسقي النسل والحرث، والصنابير العمومية تغري الشاربين.

وباسم “التمدّن” والنهضة العمرانية هلك الناس، وغدت المدينة “تجزئة سكنية” كبرى، فلم يتركوا مكانا غفلا ولا مساحة أرض كبيرة أو صغيرة، إلا وجيّشوا أصحابها وأغروهم وأعدّوا لهم الوثائق المنسية في عشية يوم شتائي قصير. لتنتصب بعدها بنايات الأقفاص ومساكن الأدراج. ( وصل العلو حدّ ثمانية أطباق).

عندما تُنشأ المدن ويتطاول فيها بالبنيان طولا وعرضا، يُلتفت إلى المدينة القديمة، نواتها الأولى وتاريخها القديم الباقي، فيحوطونها بالاهتمام والترميم والرعاية، حتى يجعلونها أقرب إلى متحف كبير، يمشي فيه الناس كما يمشون في معبد قديم. والمدينة القديمة عندنا قفر وخرابة وغلس مقيم وأطلال قائمة و”مسلّات” يتيمة.

من يرى منظر الملاليين “يستجمون” داخل التجزئات السكنية المُحدثة، أو هم يفترشون نقط تقاطع الشوارع في مداخل المدينة (وكأنهم يُشهدون القادمين على أحوالهم) وهم يشهقون سموم السيارات التي تُحاذيهم أشد ما تكون المحاذاة، و”الزفت” يكمّد  ضلوعهم، من ير كل ذلك يعلمْ أنّ المدينة كانت ضحية مخطط هو خليط من المكر والجشع والجهل والغباء والطمع وكثير من نعوت النقيصة، وأن مدينة الماء لم يُردْ لها غير هذا المصير البائس التي هي عليه اليوم.

تكبر المدن وتتوسع، وتُرسم لها سياسة تُبقي العيش فيها مقبولا، لا مستحيلا. وفي إطار سياسة المدينة يُهيأ لهذا الكائن الغريب عن محيطه الكنف الذي يحضنه مع تقليص الأضرار المحتملة إلى أصغر تقدير (الضرر واقع بالبيئة لا محالة بوجود البشر فيها)، الكنف البيئي الذي يمد المستوطنة بالحياة، وكل اعتداء على هذا المحيط يدفع الناس ثمنه غاليا عاجلا أم آجلا.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...