في الذكرى 29 لتأسيس ملفات تادلة .. نجونا ونجا هوسنا (افتتاحية عدد 01/16 دجنبر)

حين يصدر هذا العدد تكون جريدتكم ملفات تادلة قد بلغت سنتها التاسعة والعشرين، لتكمل بذلك ثلاثة عقود من الصدور المستمر، ولتؤكد إصرارها على المواصلة والاستمرار مهما تكن الظروف ومهما تكن الإكراهات، ولتثبت كالعادة أنها كطائر الفينيق تجدد بعثها في كل حين وألا شيء سيحول دون نشر الهوس الذي اعترى تأسيسها، وتعيد كلمتها صادحة قوية كما في افتتاحيتها الأولى ’’ معذرة لسنا قطيعا‘‘.

وإن ما يميز ذكرى تأسيس ملفات تادلة هو غياب المدير المؤسس الزميل محمد نجيب الحجام، ولا نخفيكم سرا أن طعم الفقد لايزال بنفس المرارة في هذه الذكرى كما يوم رحيله، وإن ما يعزينا قليلا هو الحماس والروح الطموحة التي لم تشخ على مدى هذه العقود، وبوسعنا أن نتذكر كيف كان فقيدنا يستقبل كل ذكرى تأسيس، وإن كان لنا أن نلخص ذلك فإن لسان حاله كان يقول ’’لقد نجونا يا رفاقي، شدوا عزائمكم ولنقم إلى جولة أخرى‘‘.

لقد حرصنا منذ رحيل المدير المؤسس على أن تستمر الجريدة على نفس خط التأسيس أولا، وأن تظل وفية لوعدها مع القراء ثانيا، كما كان حرصنا دائما أن نحقق ما طمحنا إليه رفقة الفقيد، وقد كانت آخر سنتين حافلتين بنقاش التطوير ومقترحات المشاريع والأفكار الجديدة التي كنا بدأنا في وضع الخطط لتنفيذها، وإن أربك الرحيل المفاجئ لأستاذنا خطواتنا وفاقمت الجائحة من الأمر، فإننا نستلهم صبر العقود الثلاثة والإصرار الذي راكمته مؤسستنا خلالها كي نمضي قدما، ويمكننا أن نقول مرة أخرى ’’لقد نجونا.. سنواصل‘‘.

وحرصا على عهدنا لفقيدنا الغالي، وتنفيذا لما بدأ بالتخطيط له معنا تتناولون الجريدة الورقية في حلتها الجديدة، حلة تطلبت جهدا وعملا وإصرارا كي تليق بتاريخ هذه المؤسسة ومؤسسها، في حفاظ على هويتها ومبادئها وتوجهها وهوسها أيضا، وإنه الهوس الدائم والمتجدد منذ كلمتنا الأولى ’’إن ملفات تادلة تنبع من وعي المسؤولية كمنطلق، وتتجدد بمواجهة نزوة العبث كهدف. والمسؤولية إذ تتقوم بالوطنية، فهي  في جانبها القانوني والأخلاقي واجب وتكليف، وبتعبير أكثر وضوحا: أمانة. وإذا كان الوطن أمانة في عنق الجميع، من مختلف المواقع، فهذه بالذات هي المهمة المركزية التي جاءت ملفات تادلة للنهوض بها‘‘.

وبينما ترتدي الجريدة حلتها الجديدة، تجدد ما تأسست لأجله، وتجدد خطها التحريري الذي ينتصر لقيم الحرية والعدالة والديمقراطية، وكما أعلنا في أول افتتاحية بعد رحيل فقيدنا السي محمد الحجام: ’’ستستمر الجريدة كفضاء رحب لكل الآراء والمواقف، فضاء للنقاش والتفاعل، ومساحة ترحب بكل الإسهامات والقراءات والتعاليق مهما اختلفت وتعددت وتباينت زوايا معالجتها للقضايا الكبرى لجهة بني ملال-خنيفرة، وفي مقدمتها القضايا التي تمس أوسع الشرائح الاجتماعية الفقيرة، تدبير الشأن المحلي، وقضايا التنمية المحلية‘‘.

لقد عاصرت ملفات تادلة تحولات أساسية في مغرب نهاية القرن العشرين، من مذكرات أحزاب الكتلة لإصلاح الدستور، مرورا بمفاوضات ملك البلاد حينها مع مكونات الكتلة. عاصرت استفتاءات أثارت كثيرا من الجدل وشقت أحزابا ديمقراطية نصفين، وأمام أعينها كتب قانون الصحافة ومرت أحصنة مسرعة نحو تجربة التناوب التوافقي، وانكسرت أحلام وانفجرت ’’دار اسبانيا‘‘.

وقد حاولت ملفات تادلة أن تكون الشاهد حين تلزم الشهادة والفاعل حين يلزم الفعل، ورغم أن الإمكانيات تسعفها، لم تقبل أن تكون شاهد زور أو أن تنضم لجوقة المباركين للتراجعات تحت رداء وطنية مغشوش، هذا دأب هذه المؤسسة العتيدة وهكذا ستظل، صوتا يعلي شأن الوعي الشقي، ومنارة لمن ضل في بحار التيه، ومنبرا للأسئلة الحارقة وإن مسنا لهيبها.

وقد تابعت ملفات تادلة الهزات الكبرى في مجال الحريات، على مدى العقود الماضية، فقد واكبت اعتقال صحافيين وسياسيين كما واكبت عن كثب معارك الجماهير والفئات الشعبية من أجل مغرب حر وعادل، مغرب لكل أبنائه وليس لحفنة من المنتفعين، وفتحت قلبها وصفحاتها لحركة 20 فبراير المجيدة حين تردد البعض، وطرحت القضايا المؤرقة، ودفعت ضريبة هذا الاختيار.

وإن كنا نعيد مع كل ذكرى تأسيس نشر أجزاء من افتتاحية الميلاد، فلكي نرفعها إعلانا وعهدا وحكَما، لقد خط قدر هذه الجريدة رعيل من خيرة مثقفي هذه المنطقة فقرروا أن ’’ملفات تادلة تنبع من وعي المسؤولية كمنطلق، وتتجدد بمواجهة نزوة العبث كهدف. والمسؤولية إذ تتقوم بالوطنية، فهي في جانبها القانوني والأخلاقي واجب وتكليف، وبتعبير أكثر وضوحا: أمانة. وإذا كان الوطن أمانة في عنق الجميع، من مختلف المواقع، فهذه بالذات هي المهمة المركزية التي جاءت ملفات تادلة للنهوض بها‘‘.

وحين نعيد نشر عهد الجريدة الأول، فلكي نجسد ما نطالب به من ربط للمسؤولية بالمحاسبة، والمسؤولية لا تعني طبقة دون غيرها ولا مسؤولين دون سواهم، إن المسؤولية التي نقصد هي مسؤولية المجتمع أمام نفسه ومسؤولية الدولة مؤسسات وأفرادا، وإننا نعمل على تجسيد هذا المبدأ مع قرائنا، إنه كشف حساب بنكهة البوح، وعهد أن نبقى مصرين على المبادئ التي تنتصر للوطن وتقاوم من يرغبون في تحويله إلى ضيعة أو منتزه.

لقد أكدنا في وداع فقيدنا الكبير السي محمد أننا ’’ونحن نرص الحزن في قلوبنا، نسترجع مكابدة الأستاذ/ أستاذنا، وصبره وقناعاته بالخيارات التي اختارها، لهذا نقف في أسرة ملفات تادلة هذه الوقفة لنؤكد أننا، وإن شعرنا باليتم لفقده، فإننا نحمل هذه الرسالة العظيمة التي ترك، ونمد أيدينا إلى كل أعضاء عائلة ملفات تادلة في مكان من المغرب ومن العالم، ندعوهم لنكمل ما بدأه، لتبقى ملفات تادلة مدرسة عريقة وبيتا آمنا‘‘.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...