تادلة وتحولات المكان : الغابر الظاهر

 

من أي باب دخلتها ستجد نفسك في مواجهة صرح على شكل آلة موسيقية: فمن طريق فاس أومراكش ستواجه بالأعمدة الأربعة على شكل بيانو يطل على المدينة. ومن طريق البيضاء تواجه بتعريجة (طعريجة). هي خزان الماء بل صارا خزانين الآن. ستنتعش و سترتاح إلى هذا الفأل الحسن: النشاط. ثم تطمئن داخلا على بركة الله إلى تادلة.

أمكنة تادلة وأحياؤها بناها سكانها وأعطوها أسماء نسجوها من خيالهم وحكاياتهم، وبثوا فيها الروح لتصير أسطورة لا ينتبه لها  إلا الراسخون والمتعمقون في تاريخ هذه المعلمة المنسية.

فهاهو “بودراع”(اسم لحي من أحياء المدينة) الذي كنا نتخيله عملاقا بعضلات وأذرع خرافية، يحمل بين يديه “حجرة”(اسم لحي آخر)، ليقذف بها هذا الصرح الذي وضع إلى جانبه على شكل تعريجة فتحدث صوتا قويا “بام”( وهو في حقيقة الأمر حي بني بمساعدة برنامج التغذية العالمي(PROGRAMME D ALIMENTATION MONDIAL) ويوجد في مدن أخرى، غير أن اسمه توافق مع نسج الحكاية فصار إبداعا فريدا). تلك هي الحكاية باختصار. وتلك هي أهم محاور تادلة التي يثبت لها الاسم إداريا وشعبيا. لأن هتاك أحياء أخرى تغلب عليها تسمية الناس عوض الإدارة: فمن أين لنا أن نعرف الاسم الإداري لحي”ظهر الحمارة”؟. وأنى لنا أن نعرف “درب لاحونا” وفي الاسم ما فيه من الشعور بالنبذ والتهميش إداريا؟.

يحكى أن حي بودراع كان عبارة عن أبنية من الطوب إلى جانبها نوالات، وقد عمره سكان القبائل المجاورة أيام المستعمر الفرنسي فبقوا بجانب المقبرة المسيحية ينتظرون فرصة للحياة جنبا إلى جنبا مع النصارى موتى أو أحياء ، ثم تكاثروا فيه إلى أن أصبح حيا كبيرا يفصل بين شقيه شارع يكاد يزهق روحك صعودا ليريحك  بعدها هبوطا. ذلك الشارع كان قلبا تجاريا نابضا في زمن مضى وينسب على سبيل المجاز إلى مكان صغير اسمه: الصاكّا وهي تحريف لكلمة اسبانية( ESTANCO ) وتعني مكان بيع التبغ- الدخان. ومن لم يزر هذا الشارع حينها فهو لم يزر تادلة. لم يبق منه الآن إلا بعض المتاجر المتوسطة، غيرأن حاسة الشم في المساء لا تحتفظ  إلا برائحة سمك النهر اللذيذ المقلي المتبل بالبقدونس والبهارات الحارة والليمون.

كانت المقبرة المسيحية مرتعا لأنواع الموبقات ليلا ونهارا، ويحكي بعض من دخلها بأنه كان يُنْزَل إلى داخل القبور(عبر الدرجات) بعد نبشها ثم تؤخذ الجواهر المدفونة مع “المؤمنين” المسيحيين(صلبان أو خواتم أو غيرها) تحفة تحفة، حتى إذا أفرغوها من ذلك أحيطت بسور تنشب النار بإذن ربها – في أعشابها اليابسة – كل صيف. وعلى كل حال فتادلة من المدن القليلة التي توجد فيها مقابر للمعتقدات الثلاثة.

بعض من سلالة هؤلاء “الأبطال” سيتبع المسيحيين حتى عقر دارهم في إسبانيا وفرنسا سرا أو علانية. ذلك أن كثيرا من شباب هذا الحي هاجر إلى الديار الأوروبية تاركا وراءه الحي في حلته القديمة ليبدأ رحلة البناء في حي آخر في محاولة للتملص من الماضي البائس. إذ تناسلت بعض الأحياء بفضل هؤلاء إلى أن ضاقت تادلة بما رحبت، فلم يحدهم إلا وادي كيكاط شمالا  ووادي أم الربيع جنوبا.

 أما تادلة القديمة فقد تخلصت من “زرائبها”(اسم لحي قديم) وبدأت تقاوم هذا الاسم “مقاومة”(الاسم الجديد)، لأن المكان أصبح حضريا ولم يعد مقبولا أن يحتفظ بالاسم السابق(ويمكن أن يكون الاسم قد أطلق من قبل النصارى نظرا لوجوده قرب الحي الذي بنته فرنسا: “الكانتينات” ومن المحتمل أن نظرة السكان “المتحضرين” حينها الى الباقين كانت نظرة احتقار جعلتهم يصفون المكان بذاك الاسم): صمم الحي وصار شكله مشابها لحواري فاس ومراكش وأزقتهما التاريخية القديمة، بل إنك لتواصل السير خارجا من القوس الكبير حيث يباع سمك النهر برائحته النفاذة لتجد نفسك أمام القصبة التي ينسى أهلها عادة إضافتها إلى تادلة فيقولون لك : نحن من تادلة دون قصبة، على افتراض أنك تعرفها أو أنك قد سمعت بها من قبل.

ستجد نفسك في مكان أسطوري إن كنت من الجيل القديم أو جيل ما قبل العولمة. ذلك هو “المحرَك” القديم( اسم مكان اسثتنائي على وزن مفعَل من الفعل يحرِّك) الذي تحرك من مكانه مرتين بعدها.

في جنبات “لْمَحْرَك” ما تزال هناك دكاكين شيه مظلمة تقاوم الزحف العصري، وهي تطل خجولة عبر الأقواس الصغيرة العنيدة. تحتفظ للزائر-الغريب- ببعض المهن القديمة كتجارة التوابل والبزازة . كل ذلك على مرأى وحماية من المسجد الأعظم الذي يفتح ويغلق حسب الحالة الصحية للسقف. وقبالته تجد نفسك أمام السوق القديم: كان مقرا للزعيم الخالد الذكر: زعيريطا. ويحكى أنه كان “فندقا ” أو خانا بلغة المشارقة، يأوي إليه “الحصادة” من كل حدب وصوب حين كان الخير لا ينقطع عن تادلة ونواحيها. وكان الزعيم يفرض الإتاوة على من يريد المبيت.

يوجد مكان “لمحرك” الآن فضاء أخضر مصمم بطريقة عصرية. لكنه يشوش على الذاكرة انتعاشتها ويحجب صورة السفاج وهو يأخذ بخناق العجين و يوسع ثقبه ويمططه في يديه بمهارة و يلقي به ليسبح في بركة من الزيت على نار الأعواد، حيث تختلط رائحة الدخان بمذاق الاسفنج. أو يحجب عنك صورة الحجام تحت قيطونه الصغير وهو يجز”غوفالة” الرؤوس العنيدة بآلة كان –حينها- يتباهى بأنها عصرية.

أكثر ما يحز في قلب الكثير من التادلاويين هو إزالة الحديقة التي كانت تتوسط قصر البلدية وإقامة باشا المدينة. لقد كان التادلاويون جالسين في طمأنينة: ما بهم شيء ولا عليهم شيء، حتى وقف عليهم قوم يلبسون أقنعة، فاقنعوهم بأن إزالة هذه الأشجار الكثيفة وهذه الأعشاب الخضراء ستجلب الفائدة للمدينة، وكان ذلك من قلة ذوقهم. بحيث عوضوها بأرضية مكلفة: و أبسط إنسان صار يعلم الآن بأن المنتخبين السياسيين حينما يريدون الإصلاح يجعلون قيمة قرميدة واحدة بثمن فيلا كاملة، وهكذا تم الإصلاح عن طريق الإفساد أو ما يمكن أن تسميته ب”إصلاح جيب الفرد” عن طريق إغراق و إفساد الجماعة: فتلك هي السياسة في المغرب.

كانت تلك الحديقة متنفسا حقيقيا للمارة وخاصة في حمّارة القيظ صيفا. يخرج الصبية من المسبح البلدي الذي يقع في هاوية على بعد أمتار منها، وبعد الصعود من الحفرة يجدون ظلالا وارفا للأكل والاستراحة. هذه الساحة أخذت من منطقة بئر انزران حرارتها، لأنها الآن لا توفر مترا مربعا من الظل للراغب في ذلك. لقد سموها ساحة بئر أنزران وما أخطأوا التسمية.

بالقرب من الحديقة وفي اتجاه حفرة المسبح البلدي كان هناك مرحاض عمومي، أزيل من الوجود، وبدأت ردود فعل بعض الناس تظهر على “شكل سائل مرسوم في الحائط كأنه من توقيع فنان تشكيلي، وعلى شكل صلب موضوع على الأرض” يقذي العين والأنف في الدرج المؤدي إلى المسبح. والحاصل في الأمر أن المرحاض أصبح أكثر عمومية و في الهواء الطلق وعلى عينك يا بن عدي.

في حي “الكانتينات” الذي تركه المعمر الفرنسي، ليس هناك ما يثير الانتباه، فالمقاهي تسلمك لبعضها البعض، غير أن شخصية أسطورية أيضا قد اختفت من الوجود كما اختفت قبلها شخصية الزعيم زعيريطا. وإذا كان هذا الأخير قد عرف ببعض العنف وخاصة تجاه القطط، فإن شخصية “المارشال” كانت مسالمة: لقد عرفناه وسجلناه في ذاكرتنا بلباسه الوحيد الغريب: لبسة شبه عسكرية لا ندري من أين زينها بالنياشين النحاسية والبرونزية والأصداف البلاستيكية الملونة، وعصا صغيرة يهش بها في حركات معلومة. فكانت الاحتفالات أمام قصر البلدية في الأعياد الوطنية لا تمر دون أن يكون المارشال حاضرا. لقد اختفى إلى الأبد.

وتادلة من المدن القليلة،ربما، في المغرب، التي كانت تتوافر على مكلبة. نعم مكلبة لا يعلم عنها الكثير من الناس اليوم شيئا: و قد عرفت في ما مضى من الزمن ب”حبس الكلاب”، وربما كان ذلك من بنات أفكار المعمرين حينها، فهم معروفون –حتى الآن-برأفتهم وحنانهم تجاه الكلاب أكثر من رأفتهم بالبشر. اختفت هي الأخرى فتركت تادلة عرضة للكلاب الضالة تحتل كل فضاء أخضر ظهر في المدينة: و الغريب أنه يمنع أحيانا على الناس الجلوس على العشب بينما تنبطح “القوانيع”(جمع قانوع وهو الكلب باللهجة الغاضبة) آمنة مطمئنة، إلى أن تصدر الأوامر بقتلها قنصا.

ولأن تادلة لم تعد تمارس السياسة بأخلاقها ونضالها كما عهد فيها، فقد صارت تنزف شيئا فشيئا. فهاهو معمل القطن الذي لم يكن يهدأ له صوت لا بالليل ولا بالنهار قد أصبح خرابا و أرضا يبابا: كانت شاحنات القطن تدخل إليه وتخرج محملة بالانتاج في اتجاهات كثيرة تعود بالفائدة المادية على العمال. صار الآن مكان للصوف عوض القطن: صارت مكانا لبيع الأغنام و الأبقار على أنقاض المعمل وبقايا الاسمنت والحديد المتهالك. قيل إنها العولمة وقيل إنها الخوصصة، والناس أيقنت أن الأمر كان لوصصة.

كل مدينة قامت على جنبات الوادي تخلق لنفسها متنفسا أو مناسبة للاحتفال بالماء والخضرة والوجه الحسن إلا تادلة أهملت “أم ربيعها”،باسثتناء محاولات فردية خجولة تتربص بها محاولات من خلفها لتنسف مجهودها. فلا نستغرب إذا ما حول يوما ما مساره هاربا بعيدا عن المدينة حينها سيعرف الناس قيمته وأهميته. لقد أزرى به الدهر بعدما كان يضخ الحياة، ويوزع الجمال يمينا وشمالا.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...