جمعية الأطلس المتوسط والكبير للاستغوار تزيل الغبار عن كنز علمي وسياحي وثقافي مهم بمنطقة بني عياط

-محمد لغريب-

تزخر منطقة بني عياط بإقليم أزيلال بمؤهلات طبيعية مهمة، تجعل منها قبلة لمحترفي وهواة الرياضات الجبلية، خصوصا المشي والإستغوار وركوب الدرجات والقفز بالمظلات والقنص وغيرها من الرياضات، ما دفع عدد من شباب البلدة الذي استهوته هذه الإمكانيات الطبيعية والسياحية إلى تأسيس جمعية الأطلس المتوسط والكبير للإستغوار والبحث العلمي والسياحة والرياضات الجبلية، وجعلها منصة للتعريف بالمنطقة على جميع المستويات الطبيعية والسياحية والثقافية.

فقد رأت النور جمعية الأطلس المتوسط والكبير للاستغوار والبحث العلمي والسياحة والرياضات الجبلية ببني عياط بإقليم أزيلال النور في ربيع 2018 على يد تلة من الشباب الذي يحدوه الأمل لاكتشاف ما تزخر به المنطقة من مغارات وكهوف وبالوعات جوفية، والتي يمكن أن تعزز الرصيد السياحي والثقافي والجغرافي الذي يميز إقليم أزيلال الجبلي، والذي لا زال يحتاج إلى نفض الغبار عنه خدمة لقضايا الأنسان والبيئة والبحث العلمي واقتصاد المنطقة.

وتهدف جمعية الأطلس المتوسط والكبير للاستغوار والبحث العلمي والسياحة والرياضة الجبلية إلى رصد واستكشاف مختلف المغارات واللجج والكهوف والبالوعات الجوفية الطبيعية، وكذا مواقعها وأعماقها وإبراز أهميتها الاقتصادية والاجتماعية، ودراسة هذه المواقع من الناحية الطبوغرافية والجيولوجية والمورفولوجية، وإنجاز أبحاث أركيولوجية مرتبطة بما يتم اكتشافه من مغارات وكهوف، والقيام بأبحاث أنتربولوجية من شأنها إغناء البحث العلمي والثقافي حول المنطقة.

كما تسعى الجمعية من خلال نشاطاتها الاستغوارية Spéléologie إلى القيام بدراسات بيولوجية لمجمعات الأحياء بالكهوف والمغارات سواء النباتية أو الحيوانية وغيرها، فضلا عن دراسة ما تتوفر عليه هذه الكهوف والمغارات من خزانات مائية مهمة، ومعرفة مدى سلامة جودتها للاستعمال البشري، وبالتالي توفير قاعدة بيانات مهمة للباحثين يمكن استغلالها لنفض الغبار عن جزء من مهمة من تاريخ المغرب القديم.

وترمي الجمعية من ناحية البحث العلمي إلى تعريف الأساتذة والطلبة الباحثين والدارسين بالإمكانيات المهمة التي يمكن أن توفرها منطقتي الأطلس المتوسط والكبير لهم، لإتمام مشاريعهم العلمية سواء على مستوى الجيولوجي أو الأيكولوجي أو المناخي أو البيولوجي، أو على مستوى دراسة تطور حياة الإنسان أيضا بهذه المنطقة، والذي استوطن هذه الكهوف والمغارات ومارس حياته اليومية بها.

ويشكل العامل السياحي أيضا، نقطة مهمة في برنامج عمل الجمعية، من خلال سعيها إلى التعريف بالمؤهلات السياحية والطبيعية والتراث الثقافي والتاريخي للمنطقة، والمساهمة في إبراز أهميته والحفاظ عليه ودعم كل المبادرات التي تسعى لهذا الهدف، فضلا عن المساهمة في بلورة رؤية حول السياحة تعتمد على الخصوصيات الثقافية والطبيعية والتاريخية التي تميز هذه المنطقة.

أنشطة متنوعة

تنوعت أنشطة الجمعية ما بين الاستغوار والرياضة الجبلية والمخيمات الترفيهية، وكذا الأنشطة التكوينية في مجال الاستغوار والمشاركة في مختلف الملتقيات الوطنية العلمية والرياضية التي تنظمها الجمعيات المنضوية تحت لواء الفيدرالية المغربية للاستغوار.

وهكذا احتضنت الجمعية طيلة الفترة الممتدة من 20 إلى 23 شتنبر من سنة 2018، الملتقى الوطني السابع للمستغورين المغاربة ببني عياط، والمنظم من طرف الجامعة المغربية للاستغوار تحت شعار : “الترويج والارتقاء بجيوبارك مكون دور المستغور المغربي في تثمين وحماية التراث الطبيعي“، بمشاركة جل الجمعيات المنضوية تحت لواء الجامعة المغربية للاستغوار، وبدعم من المجلس الجماعي لبني عياط وعمالة إقليم أزيلال.

ونظمت الجمعية أيضا، المخيم الجبلي الأول تحت شعار ” الإستغوار ثقافة رياضة تنمية “ بجماعة بني عياط على مدى ثلاثة أيام 11 -12 و13 أبريل 2019 تحت إشراف الجامعة المغربية للإستغوار وبمشاركة عدد من الجمعيات الفاعلة في المجال على الصعيد الوطني.

ونظمت الجمعية ملتقاها الخريفي الثاني ببين الويدان يومي 12 و13 أكتوبر 2019 تحت شعار ” أي دور للاستغوار والأركيولوجيا في التأريخ والحفاظ على التراث الإنساني “ تحت إشراف الجامعة المغربية للاستغوار وبمشاركة عدد من الجمعيات المهتمة من مدن الدار البيضاء وخريبكة وأسفي وسطات وبن جرير والبير الجديد…

ولم تفوت الفرصة لمشاركتها في مختلف الملتقيات الوطنية، حيث شاركت الجمعية في الملتقى الثامن للمستغورين المغاربة الذي نظمته كل من جمعية بويبلان للاستغوار وتسلق الجبال، والجمعية المغربية للاستغوار بالدار البيضاء في الفترة الممتدة من 6 إلى 10 نونبر 2019، بإقليم صفرو.

كما شاركت في عدد من الأنشطة بالمنطقة بمعية الجامعة المغربية للاستغوار والجامعة الفرنسية للاستغوار توجت باستكشاف مغارة رائعة الجمال بجبال بني عياط إقليم أزيلال، فضلا عن القيام بخرجات استكشافية بالمنطقة.

استكشافات مهمة

منذ تأسيسها كثفت ” جمعية الأطلس المتوسط والكبير للاستغوار والبحث العلمي والسياحة والرياضات الجبلية “ من أنشطتها وأسفرت عن اكتشاف عدد من المغارات والكهوف بالمنطقة، والتي حددها عبد الله بوسلهام رئيس الجمعية في أزيد من 30 موقعا من شأنه أن يشكل إضافة نوعية للبحث العلمي والتاريخي حول المنطقة، بالنظر للمعطيات التي ستوفرها هذه المواقع للباحثين بمختلف التخصصات (الجيولوجيا، البيولوجيا، المناخ…) وغيرها.

وتبقى أهم مغارة اكتشفتها الجمعية، هي المغارة التي أطلق عليها اسم جوهرة بني عياط، والتي يبلغ طولها حوالي 400 متر بدوار وعريان بالتنسيق مع الجمعيات الإستغوارية المنضوية تحت لواء الفيدرالية المغربية للاستغوار، والتي تتميز بجمالية خارقة بفضل الصواعد Stalagmites والنوازل Stalactites التي تأتت جنباتها، مما يوفر للباحثين كنزا ثمينا يمكن استغلاله في البحث العلمي حول المنطقة.

كما جرى أيضا استكشاف مغارة أخرى جنوب وعريان، وهي عبارة عن مستوطنة لمئات الخفافيش، وتشكل هي الأخرى قاعدة بيانات يمكن الاستعانة بها في الأبحاث البيولوجية والجيولوجية لمعرفة تطورات الأحياء بهذه المغارات والكهوف.

 بوسلهام، سجل خلال في أخر زيارة لهذه المغارة تراجع عدد الخفافيش وعبر عن تخوفه من أن تعبت يد المتطفلين بهذا الكنز العلمي والسياحي بالمنطقة، وخاصة الباحثين عن الكنوز الذين يخربون كل ما تتوفر عليه هذه المغارات والكهوف من معطيات جمالية وسياحية.

وخلال جولتها الاستكشافية تم استكشاف مغارة مهمة بقمة جبل تامرنوت ببني عياط وأطلق عليها مغارة ” أكرام” تكريما للشخص الذي دل فريق الجمعية على وجود هذه المغارة المهمة، والتي يبلغ طولها حوالي 130 متر، وتتميز بصعوبة الولوج إليها ،ولكنها لا زالت تحتاج إلى المزيد من الاكتشاف يقول عبد الله بوسلهام، لأنه من خلالها يمكن أن تتم معرفة كافة المسارات التي تتخذها المياه لتغذية العيون والآبار المتواجدة بهذه المنطقة، وكذا خط الزلازل نظرا لوجود فيالق مهمة داخلها، فهي بحسب بوسلهام ذاكرة حية يمكن من خلالها معرفة مختلف الظواهر الجيولوجية والغطاء النباتي والتربة.

وأشار بوسلهام، أن الجمعية ستوجه اهتمامها خلال المرحلة المقبلة صوب دير بني عياط الذي لا يستبعد حسب تصريحاته لملفات تادلة ” أن تكون به مغارات سبق أن سكنها الإنسان القديم”، بالإضافة الكهوف والمغارات المتواجدة على تراب جماعة سيدي عيسى بن ادريس بأيت اعتاب.

استكشاف آخر لا يقل أهمية عن مغارات بني عياط، ويتمثل في اكتشاف مقبرة جماعية بمغارة بمنطقة تاغية ببين الويدان على مقربة من قنطرة أيت علوي، وتتضمن عظام بشرية وأواني خزفية تعود لفترة قديمة جدا، من شأنها أن تحدد تاريخ الوجود البشري بهذه المنطقة، حيث قام فريق بحث علمي مكون من عبدالواحد بنصر مدير المعهد الوطني للآثار والتراث ويوسف بوكبوط عالم الآثار بنفس المعهد، ومامون عمراني مراكشي رئيس الجامعة المغربية للاستغوار، بزيارة للموقع الاركيولوجي المستكشف حديثا ضمن فعاليات الملتقى الخريفي الذي احتضنته جمعية الأطلس المتوسط والكبير للاستغوار والبحث العلمي والسياحة والرياضات الجبلية، حيث تم أخذ عينات من الموقع لدراستها.

وعن الاستكشافات بالمنطقة قال ” رئيس الجمعية المغربية للاستغوار مامون عمراني مراكشي لملفات تادلة ” إن اكتشاف هذه المغارات بمنطقة بني عياط وخاصة مغارة ” جوهرة بني عياط ” له أهمية علمية كبرى لأنها ستوفر للباحثين والأساتذة الجامعيين أرضية خصبة للبحث وستمكنهم من معرفة التكوين الجيولوجي للمنطقة، وأنها ستعمل على تطوير وتعزيز الجانب السياحي لهذه المنطقة”.

وأوضح مامون عمراني أنه أمضى وقتا طويلا في اكتشاف أزيد من 15 مغارة من المغارات بتازة، لكنه وقف على أشياء مهمة بمنطقة بني عياط وبالتحديد مغارة ” جوهرة بني عياط ” التي ستفتح آفاقا للباحثين والأساتذة الجامعيين، وهو ما يمكن أن يعود بالنفع على المنطقة من الجانب السياحي والرياضي وخاصة الرياضة الجبلية “.

إكراهات تعيق الطموحات

رغم الطموحات التي ما فتئت تعبر عنها، فإن جمعية الأطلس المتوسط والكبير للاستغوار والبحث العلمي والسياحة والرياضات الجبلية تواجه العديد من الإكراهات والصعوبات تحول دون تحقيق الأهداف التي رسمتها، وهي صعوبات تتقاسمها الجمعية مع باقي الجمعيات العاملة في هذا الميدان، منها ما هو ذاتي ومنها ما قانوني صرف.

ويبقى أكبر عائق تصطدم به الجمعية، مرتبط بضعف الموارد المالية، مما يحول دون تحقيق كافة الأهداف المرسومة، خاصة أن الجمعية تعتمد على الإمكانيات الذاتية للمنخرطين الذين لا يتجاوزون 20 منخرطا، نظرا لغلاء المعدات الخاصة بعملية الاستغوار، من واقيات وألبسة خاصة وحبال، وما يتطلبه كذلك تنظيم دورات تكوينية لفائدة المنخرطين خارج المنطقة.

وحول هذا الموضوع قال عبد الله بوسلهام لملفات تادلة ” إننا في الجمعية نجد أنفسنا محرجين أمام ازدياد رغبة شباب المنطقة لدخول عالم الاستغوار، لأن توسيع قاعدة الجمعية تعني توفير معادات لهؤلاء الشباب وهو ما لا تقدر عليه الجمعية في اللحظة الراهنة “.

وأضاف بوسلهام أن كلفة المعدات التي يستعملها كل مستغور قد تتجاوز 6000.00 درهم، وهو مبلغ كبير تعجز الجمعية عن توفيره لكل منخرط، مشيرا إلى أنها ستسعى لعقد شراكات مع جمعيات فاعلة في عالم الاستغوار محلية وأجنبية، لتدارك بعض هذه الصعوبات.

صعوبات أخرى تنضاف لباقي المعيقات الأخرى التي تعاني منها الجمعية، هي عدم توفرها على مقر خاص بها يسمح لها بالقيام باجتماعات بالشكل المطلوب، وتعويضا عن ذلك، فإنها تتخذ من منزل أحد أعضائها مقرا مؤقتا لها.

بوسلهام، أشار إلى أن استكشاف هذه المغارات يفرض على الجمعية، وعلى كافة المتدخلين تأهيلها حتى لا تتعرض للتخريب، وبالتالي ضياع ما تزخر به من معطيات سياحية وعلمية وهيدرولوجية ورياضية، لأن المغارات تسيل لعاب الباحثين عن الكنوز الذين يلجون لهذه الكهوف، وكذا الرعاة، مما يعرض هذا التراث للضياع.

الإشكالات القانونية بدورها تطفو على السطح وتعيق عمل الجمعية أو بالأحرى الجمعيات النشيطة في عالم الاستغوار، وهي الإشكالات التي لازمت هذا النشاط منذ مدة طويلة، وعن هذا الموضوع قال مامون عمراني مراكشي رئيس الجامعة المغربية للاستغوار في حديث لملفات تادلة ” هناك فراغ قانوني في هذا الجانب، لأننا لا نعرف أي وزارة تابع الاستغوار هل لوزارة الشباب والرياضة أم لوزارة السياحة أم لوزارة الثقافة أم البحث العلمي، أم لوزارة الداخلية؟ “.

 

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...