آيت عبدي تنكارف: 11 سنة من الوعود.. بين العطش وقسوة الثلوج

روبورطاج: محمد تغروت – خالد أبورقية – حمزة المتقي

شغلوا الرأي العام بمدينة بني ملال بشكل خاص، والرأي العام الوطني، حين انتشرت صورهم ومقاطع فيديو لهم وهم يدخلون المدينة، قبل 11 سنة ونيف، متعبين وأقدامهم تحكي قصة أيام من المشي عبر المسالك الوعرة، إنهم سكان آيت عبدي تنكارف، مغاربة لم يجدوا سبيلا سوى نصب أجسادهم المرهقة أمام مقر ولاية الجهة كي يقولوا نحن لازلنا على قيد الحياة وبحاجة إلى أبسط مقومات العيش.

ملفات تادلة انتقلت إلى هناك كي تفتح ملف سكان القمم العالية الذين يقاومون النسيان، وتطرحه على الرأي العام والمسؤولين، وتسائل الأخيرين، ماذا نفذتم من الوعود التي مر عليها أكثر من عقد من الزمن؟ ماذا أعددتم للمنسيين الذين ما إن يفلتوا من قبضة العطش حتى يطبق عليهم البرد؟

طريق البؤس.. طريق إلى البؤس

البؤس هو أقل ما يمكن أن نصف به هذه المنطقة، علاماته ظاهرة من الطريق المؤدية إليها، طريق ضيقة جدا، مجرد أثر لطريق، كثيرة الحفر والمطبات، حين نقابل سيارة قادمة من الاتجاه المعاكس تضطر السيارتان معا للسير على الجانب غير المعبد، المنعرجات صعبة لكون الطريق حادة وبسبب المرتفعات، لا غرابة أن يعود السائقون متذمرين أو لا يرغبون بالذهاب من الأصل.

انطلقنا من بني ملال باتجاه اسكسي عن طريق تاصميت ثم توجهنا إلى تاكلفت  مرورا بجماعة تيفرت نايت حمزة، هنا يبدأ أسوأ مقطع من الطريق، نترك المنعطف المؤدي إلى إنركي وإملشيل وننعطف يسارا، بعد ثلاث ساعات وصلنا أخيرا إلى أيت عبدي، ثلاث ساعات لقطع مسافة لا تتجاوز 100 كيلومتر.

خلال هذه الرحلة لا يفارق بالنا ظل هؤلاء الفقراء الذين قطعوا هذه الطريق مشيا على الأقدام قبل 11 سنة، ما الذي قد يدفع شخصا إلى المشي كل هذه المسافة؟ ما الذي أجبرهم ، وقد دخل بعضهم بني ملال حفاة، على تحمل هذه المشقة التي بالكاد نتحملها ونحن نستقل السيارة؟ كلما مررنا على جبل تسلمنا آخر، وكلما تقدمنا شعرنا أن هذه القمم تتوعدنا.

’’سبانيا تنادي‘‘

ما أن تصل حتى يصدمك المشهد، منازل من طين، هذه ليست مبالغة، إنها فعلا منازل من طين وحجر، أسقفها من خشب وقش مثبت بالطين، يمكنك رؤية بعض البنايات بالإسمنت جلها من طابق أرضي لا يضم سوى محلات يبدو أنها مخصصة للبقالة أو لنشاط تجاري، لكن جلها مقفل.

أعمدة الكهرباء من الخشب تذكر بعقود مضت، البؤس يحكم قبضته على المكان، بضع صنابير لسقايات ليس بها ماء، سور قصير يمر بجانب إحداها كتب عليه أحدهم ’’سبانيا تنادي‘‘ هكذا ’’سبانيا‘‘ بدون ألف تلخص حلما مستعجلا رشقه أحدهم هناك واختفى أو ربما لا يزال هناك يغذيه بالأمل.

الهدوء يعم المكان، يجلس الرجال أمام البقالة يتجاذبون أطراف الحديث، شباب ويافعون يستندون إلى الجدران، جو المكان، أعداد الجالسين على جنبات الأزقة أو المحتمين بالجدران من الشمس، يوحي للقادم أنه يوم عطلة، في الواقع هم يعيشون عطلة مستمرة وعطالة دائمة، ورغم هذا فإن 18 أسرة من الدوار لم تستفد من المساعدات المخصصة من طروف صندوق الجائحة.

عصام زايد، أحد أبناء الدوار، يؤكد في تصريح لملفات تادلة، أن السكان لا يملكون أي مصدر للعيش، ’’لا يوجد أي مصدر للدخل هنا، لا شيء، الشباب يفرون من هنا، عدد منهم يتوجهون إلى مدن الصحراء وأغلبهم لا يعود‘‘ يقول زايد.

يلجأ سكان الدوار إلى ’’غار الملح‘‘ مغارة يستخرجون منها الملح ويبيعونه بدراهم قليلة كي يؤمنوا شيئا من معيشهم، يقول زايد ’’تقريبا 70 في المئة من السكان يلجأون للغار‘‘ ويوضح ’’يستخرج الشخص 4 أو 5 أكياس من الملح يبيعها ويفترض أن يغطي بها تكاليف تعليم أبنائه والمواد الغذائية وجميع المصاريف‘‘.

يزن كيس الملح بين 50 إلى 60 كيلوغراما، ويبلغ ثمنه 20 درهما فقط، وأقصى ما يمكن أن يستخرجه الفرد هو خمسة أكياس، يتطلب الأمر جهدا وصبرا ووقتا طويلا من العمل والحمل كي يحصل 100 درهم، لكن بالنظر إلى أن الجميع يجلبون الملح فإن فائض الإنتاج يعوق البيع بسرعة.

يتطلب استخراج الملح النزول إلى عمق 400 متر تحت الأرض، ’’الغار‘‘ عبارة عن منجم حفر بشكل بدائي، والنزول إليه يتم عبر الطبقات المحفورة التي تأتي على شكل درجات، وإن كان النزول مخاطرة فالصعود مخاطرة أكبر حيث على الشخص أن يصعد وبرفقته كيس الملح الذي يصل وزنه إلى 60 كيلوغراما، ’’خطر انهيار الغار قائم في كل لحظة لكن الجوع كافر ليس لدينا بديل‘‘ يقول أحد شباب الدوار.

أطفال لعبتهم العطش:

 

أثناء استطلاع الدوار ستشاهد الأطفال يتجولون وفي أيديهم سطول أو صفائح الماء، هذه لعبتهم، لا يلعبون بالماء فهو أكثر شيء ندرة هنا، لعبتهم هي البحث عن الماء والتسابق عليه وجلبه، ستشاهد صفائح الماء الفارغة مكدسة قرب السقايات، في انتظار لحظات عابرة قد يمر خلالها الماء في القنوات، هذه مهمة الأطفال، لعبتهم هي مراقبة السقايات في انتظار قطرات شاردة.

يعاني الدوار نقصا حادا في الماء، حيث أن مصادره نادرة، يقول محمد وردي ’’نعاني من مشكل الماء غير موجود بالدوار، لا يوجد ماء صالح للشرب، كأننا في سنوات الستينات والسبعينات حين كان الناس يستعملون الدواب لجلب الماء من مناطق بعيدة‘‘.

يؤكد سكان آيت عبدي أنهم يعانون مع النقص الحاد في الماء، ’’ يمكنك أن تأتي وتشاهد النساء يتسابقن على السقايات فجرا، هذا عيب وعار‘‘ يقول زايد، فقد عمدت الجماعة إلى حفر 3 آبار لكن لا يوجد بها ماء‘‘ يقول وردي، لذلك فالنساء يخرجن باكرا إلى السقايات في انتظار ما سيجود بئر مؤسسة تعليمية.

كل من قابلناهم يؤكدون الحاجة الملحة للماء، ’’ يجب إنقاذ ساكنة الدوار عاجلا إما حفر بئر جديد أو إيجاد حل، الناس هنا يبحثون عن ماء للشرب في أماكن بعيدة، نحن أزيد من 500 أسرة هنا تعاني من العطش‘‘ يقول محمد وردي فالناس يضطرون لقطع مسافة 5 كيلومترات إلى وادي عطاش كي يسقوا ماشيتهم ويجلبوا لبيوتهم بعض الماء.

أن تولد هنا:

شكل عدد النساء نسبة كبيرة ضمن المشاركين في المسيرة الاحتجاجية لآيت عبدي، سنة 2009، وشكلن أيضا قوتها الصلبة، وتحدثن أثناء الاعتصام بجرأة أمام الجموع وفي ساحة المسيرة ببني ملال، كان أهم مطلب للنساء هو إنشاء دار للولادة بالدوار، مرت 11 سنة منذ ذلك الوقت ولا زال الدوار بدون دار للولادة.

لم نتعرف على طبيعة المنشأة الصحية التي أنجزت بالدوار، فهي بدون لافتة ولا اسم، والسكن الذي بجانبها حسب الساكنة هي لممرضة ينتظرون قدومها كي تهتم بعلاج وتوليد النساء، ’’في البداية كان اسمه المركز الصحي انتظرنا أن تظهر نتائجه، وبعد فترة تم تغيير اسمه ووضعت عليه لافتة تشير إلى أنه مستوصف، ثم انتظرنا فأتوا وأزالوا لافتة المستوصف وهو الآن كما ترى‘‘ يقول محمد وردي.

يبدو سيناريو تغيير لافتة المنشأة الصحية مأخوذا من فيلم هزلي، المنشأة وممرضة مقيمة تم بناء سكنها كانت أحد وعود والي الجهة يوضح وردي ’’رغم وعود الولاية بفتحه وتجهيزه وتوفير ممرضة به بالتنسيق مع المديرية الجهوية للصحة بالجهة، غير أن ذلك لم يحصل والآن نساء الدوار يعانين بحيث يضطررن للتنقل إلى تيزي نسلي بعد أن يقطعهن مسافة 90 أو 100 كلم إيابا وذهابا‘‘.

’’نعاني من غياب الأدوية بالمستوصف، نتصل بالممرض المتواجد بالمستوصف فيؤكد لنا على غياب الأدوية، فرغم وعود ولاية الجهة بتوفير ممرضة بالمستوصف وتوفير الأدوية فإن المسؤولين لم يفوا بالوعود‘‘ يقول محمد وردي، بينما يضيف موحى تغروت ’’عندما نقصد المستوصف، يرفع الممرض يديه أمامنا تعبيرا على أنه ليس بيده حيلة، ويخبرنا بأنه لم يتسلم أي دواء من طرف الجهات المختصة‘‘.

تواجه النساء بالمنطقة مخاطر كبيرة أثناء الولادة، فمن أجل الوضع على المرأة الحامل في وقت المخاض أن تقطع مسافة 70 كيلومترا من أجل الوصول إلى دار الولادة بتيزي نسلي، أما الحالات العسيرة فعليها التوجه إلى بني ملال، عبر نفس الطريق التي أوصلتنا إلى هنا، ’’ النساء الحوامل يعانين كثيرا، عدد كبير من الأمهات توفين بسب الحمل وبعد دار الولادة‘‘ يقول الصافي إخلف وهو أحد سكان الدوار.

ويحدث أن يفاجئ المخاض إحدى النساء، أو تحاصر الثلوج المنطقة فيستعين الأهل بإحدى النساء كبيرات السن وذوات الخبرة في توليدها، وقد يمر الوضع بسلام لكن المشكل يبدأ مع مصالح الحالة المدنية من أجل تسجيل المولود، ’’بالنسبة للنساء الحوامل، فرض عليهن أخذ شهادة من أجل الولادة، وإلا لن يتم تسجيل المولود بالحالة المدنية‘‘ يقول الوافي أوحدو.

ليس تسجيل المولود فقط هو المشكلة فالحصول على نسخة من عقد الازدياد يتطلب الذهاب إلى مقر جماعة بوتفردة (50 كيلومتر)، رحلة تستغرق وقتا وتتطلب مبلغا مهما بالنسبة لشخص هنا، يوضح أوحدو ’’الحصول على عقد الإزدياد يتطلب منك سفرا ب 25 درهما ذهابا و25 درها إيابا مع أداء درهمين ثمن الرسوم‘‘ ومن أجل إيجاد حل لهذه المشكلة انتدبت جماعة بوتفردة موظفين من الحالة المدنية لكنهم غادروا بعد أسبوعين يؤكد مجمد وردي.

البعد عن التعليم

 

من المطالب التي تلقى الساكنة وعودا بشأنها من والى الجهة، بناء ثانوية إعدادية بتنكارف من أجل تخفيف عبء مصاريف الدراسة عن كاهل الآباء، ولذلك كان السكان مرغمين على الذهاب في مسيرة أخرى خلال هذه السنة، وتلقوا وعدا آخر انتهى بإنشاء ملحقة بالمدرسة الجماعاتية بتنكارف، يدرس بها تلاميذ السنة أولى والسنة الثانية إعدادي.

وعلى التلاميذ الذين بلغوا مستوى الثالثة إعدادي أن يتوجهوا إلى ثانوية بوتفردة الإعدادية بينما من بلغوا المستوى الثانوي التأهيلي فعليهم أن يكملوا دراستهم في ثانوية التفاح التأهيلية بتيزي نسلي، 70 كيلومترا من المنطقة، يوضح الصافي إخلف.

حين تقضي بعض الوقت ستشعر بالحرج أن تطرح بعض الأسئلة، لكن الواجب الصحافي يحتم علينا ذلك، سألنا الصافي إخلف إن كان تلاميذ الدوار قد درسوا عن بعد أثناء توقيف الدراسة خلال فترة الحجر الصحي، فأجاب أن التلاميذ لم يتابعوا التعليم لا حضوريا ولا عن بعد، الناس لا تملك هنا الوسائل والتلاميذ لم يجدو من يؤطرهم ويوجههم. يمكننا أن نقول أن هنا يصدق قول المتندرين أنه كان البعد عن التعليم بدل التعليم عن بعد.

شبح الثلوج القادم:

يشكو كل من التقيناهم من ندرة الماء، سنموت عطشا كلمة درجت على كل الألسن، لكن شبح الثلوج القادمة يقترن به، يوضح لنا زايد ’’نحن في شهر شتنبر موسم الثلج في شهر أكتوبر تتساقط الثلوج ولا يوجد حطب للتدفئة ، والسكان تموت بالبرد بالإضافة إلى الزيادة في المواد الغذائية بسبب احتكار أصحاب المحلات‘‘.

ويضيف زايد ’’أحرص على أخذ أبنائي ومغادرة المنطقة في موسم الثلوج، فهنا يتوقف كل شيء ويكون الوضع خطرا‘‘، وقد يصل مستوى الثلوج إلى 4 أمتار مما يفرض على السكان ملازمة منازلهم لمدة أسبوعين وأحيانا أكثر، ’’لا وجود لكاسحات الثلوج خلال فصل الشتاء وتراكم أكوام الثلوج والجماعة لا تحرك ساكنا ولا تدخل من طرف الدولة‘‘ يقول أوحدو.

يتكرر المتحدثون على مسامعنا أخبار الوفيات بسبب الثلوج ويختمون جملهم بطلب التدخل العاجل، يقول زايد ’’في سنة 2013 أو 2014 مات راعي غنم مع غنمه بسبب مباغتة سقوط الثلج ولم يستطع العودة، ولهذا أطلب التدخل السريع من السلطات لهذه للمنطقة‘‘ كذلك محمد وردي الذي سرد المعاناة في موسم الثلوج وختم ذلك بالقول ’’ يجب على المسؤولين هنا إنقاذ الناس هنا، نحن أيضا مغاربة ومن حقنا أن تحقق مطالبنا‘‘.

ويشرع السكان من الآن في الاستعداد لموسم الثلوج، ’’خلال فترة الثلوج لا تجد منفذا للخروج خارج البلدة، لذلك نحن نستعد كالنمل قبل تساقط الثلوج، نجمع المؤونة وندخرها لأبنائنا بما في ذلك من سكر ودقيق وزيت‘‘ يقول الوافي سعيد أوحدو، أما حطب التدفئة فيجلبونه من الغابة القريبة.

لا خلاص إلا بالاحتجاج

يتقدم موحى تغروت، 60 سنة، منا ليحكي لنا عن المسيرة الاحتجاجية سنة 2009، ’’ قضينا 19 يوما في الاعتصام، طالبنا خلاله بإنشاء إعدادية للتلاميذ، والمستشفى والطريق والكهرباء، لكن المسؤولين لم يفوا بوعدهم لنا في بناء الإعدادية التي تحولت إلى مدرسة‘‘ يقول موحى.

انطلق المحتجون في مسيرة على الأقدام في فبراير 2009، ورغم قسوة المناخ فقد مشوا مدة 3 أيام باتجاه تاكلفت، ثم بعدها اكملوا مسيرهم إلى بني ملال حيث مقر ولاية جهة تادلة – أزيلال (سابقا)، وكانت مطالبهم بناء قنطرة على وادي عطاش، وشق الطرق لفك العزلة عن سكان مختلف الدواوير التابعة لجماعة بوتفرة، وبناء مركز صحي وتجهيزه بمختلف الأجهزة والأدوية، وكذا دار للولادة لفائدة ساكنة تينكارف لوضع حد للوفيات نتيجة الولادة.

وقد حاولت السلطات حينها ثنيهم عن إكمال مسيرتهم فتوجه إليهم بعض المسؤولين المحليين والإقليميين، كما حاولت القوات العمومية اعتراض طريقهم، لكن ذلك لم يجد نفعا، إلى وصلوا إلى مقر الولاية واعتصموا أمامه لمدة 19 يوما.

ويبدو أنه منذ ذلك الحين أصبح سكان آيت عبدي تنكارف أكثر يقينا أن المسؤولين لن يهتموا بهم ما لم يتظاهروا، يستند أحدو إلى عمود الكهرباء الخشبي وهو يتحدث إلينا’’ أنتم ترون بأعينكم الوضعية الاجتماعية للسكان، منازل مهترئة وهشة، جدران وبيوت من تراب‘‘ ويضيف ’’إذا لم ننظم مسيرة احتجاجية فإننا لن نحصل على شيء‘‘، فيما كان رد موحى تغروت على سؤالنا إن كان السكان قد يقدمون على مسيرة أخرى ’’هناك شباب يهتمون بالأمر‘‘.

محتجون من آيت عبدي تنكارف يعتصمون أمام مقر ولاية الجهة سنة 2009

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...