أشخاص بلا أسماء وبلا مأوى في شوارع بني ملال.. كيف سيقضون أشهر البرد القادم؟

  – الصالحة عبادي – 

تراهم في الشارع ولا تنتبه لهم إلا إذا اعترضوا طريقك، لا تدقق في ملامحهم، قد لا تهمك أسماؤهم ولا قصصهم، لكنهم مواطنون مغاربة، مواطنون لهم نفس حقوقك لكن جار عليهم الزمن، ملفات تادلة تسلط قليلا من الضوء على فئة الأشخاص بدون مأوى، تحدثنا إليهم لنسمع معاناتهم، واستطلعنا آراء فاعلين جمعويين وقانونيين بشأن ما الذي يوفره لهم القانون ما يوفره العمل الاجتماعي.

أشخاص بلا أسماء:

فاطمة (اسم اقترحناه) امرأة في منتصف عقدها السابع، تجلس أمام مسجد ببني ملال، تضع نقابا مغربيا تقليديا، ترتدي جلبابا من تصميم قديم، وتنتظر كرم المصلين بعد الصلاة، لم ترغب في الكشف عن اسمها، تعتبره غير مهم على كل حال، لكنها مستعدة لتحكي بعضا من قصتها.

’’كانت حياتي عادية، الى ان أتت سنوات الجفاف فتغير الحال، بعد فترة توفي زوجي وتركني مع ولدي وزوجته، هذه الاخيرة التي اذاقتني مرارة لا استسيغها‘‘ تقول فاطمة التي نزحت الى المدينة من أجل حياة أفضل ’’في البداية كنت خادمة في البيوت هناك أشتغل وأقيم، لكنني مرضت ولم أعد قادرة على العمل وليس لي أي مصدر رزق‘‘ هكذا تختصر فاطمة حكايتها.

غير بعيد من المكان، شخص (غير معروف الاسم) في عقده السادس، يروح ويجيء وأحيانا يسأل المارة، أفاد أحد المتواجدين بالمكان أنه كان يعيش في ’’سويقة الغديرة الحمراء‘‘ وبعد أن أخلت السلطات السويقة ظل هناك، مر أحد الباعة الذي كانوا بالسويقة فتبعه يسأله ’’أين ذهبتم؟‘‘ ولم ينتظر جوابا، فقط ألقى سؤاله ومضى.

من يعرفون الشخص أفادوا أن ’’السويقة كانت عالمه وملاذه، كان يقتات مما تجود به ’’السويقة‘‘ وفي المساء يلقي بجسده قرب عربات الباعة، لا يبارح المكان وإذا جاء فصل الشتاء التحف غطاء بلاستيكيا ونام تحت العربات، بعد أن أخليت السويقة جلس هنا، كان مشردا ويبدو الآن بعد أن إخلاء الغديرة الحمراء بلا مأوى بشكل مضاعف.

لم نجد أرقاما رسمية لعدد الأشخاص بلا مأوى ببني ملال، لكن العين لا تخطئهم، ’’عبد الله‘‘ (اسم آخر اقترحناه) يعيش بدوره بدون مأوى، في عقده الثالث، جلس إلينا وقص حكايته، ’’ انا من منطقة الرحامنة، كان والدي استاذا للتعليم الإعدادي، فأصيب بمرض الزهايمر لتتغير حياتنا بشكل جذري‘‘ يقول عبد الله.

حكى لنا عبد الله ظروف وفاة والدته واختفاء والده بعد إصابته بالزهايمر، ثم انزلاقه إلى المخدرات ولاحقا قدومه إلى مدينة بني ملال ’’التقيت صديقا لي، هو ايضا مدمن، فقال لي سنذهب انا وانت لبني ملال، ونسكن بضريح ابي القاسم، فهناك المسكن بدون واجب كراء، فجئنا  لكن اصطدمنا بالواقع المر، ففي النهار نجوب الازقة، وبالليل، نفترش الثرى‘‘ يقول محمد ثم يضيف ’’في فصل الشتاء تزداد معاناتنا مع شدة البرد‘‘.

 

القانون يقول..

يميز القانون المغربي بين الأشخاص بدون مأوى حسب وضعيات محددة ومؤطرة بعدة نصوص، حيث هناك نصوص تحدد الوضع القانوني للأطفال بين من هم في وضعية صعبة ومن هم في نزاع مع القانون، وأخرى تحدد الوضع القانوني للبالغين، والإجراءات المترتبة حسب كل وضعية.

وحسب سعيد الصراخ رئيس قسم قضاء الأسرة ببني ملال، يعتبر القانون الأطفال في وضعية صعبة، الأطفال الذين لم يرتكبوا أية مخالفة للقانون وإنما هم أطفال وجدوا أنفسهم في ظروف صعبة بدون رعاية، وضمن هذه الفئة نجد الأطفال المهملين، الذين خصهم المشرع بالرعاية بمقتضى قانون كفالة الأطفال المهملين، وهو القانون رقم 15.01 والذي بمقتضاه يمكن التكفل بهؤلاء الأطفال اقل من 18 سنة من طرف الأسر (زوجين مسلمين) ، المرأة المسلمة ، المؤسسات العمومية المكلفة برعاية الأطفال.

الفئة الثانية للأطفال في وضعية صعبة هي فئة الأطفال اقل من 15 سنة وقد ’’خص المشرع الأطفال اقل من (15سنة) بالحماية القانونية والقضائية بموجب القانون الجنائي) المواد 459 وما يليه ( الذي تم تعديله بمقتضى القانون رقم 03 .24، وقد جرم ترك طفل دون سن الخامسة عشرة من العمر بمكان خال من الناس أو مكان غير خال من الناس أو حمل غيره على ذلك وحدد لكل جريمة عقوبتها.

أما الفئة الثالثة وهي فئة الأطفال اقل من (16 سنة) الموجودين في وضعية صعبة، وقد خص المشرع هذه الفئة بالحماية القانونية والقضائية بموجب قانون المسطرة الجنائية ) المواد من 512 وما يليه، وقد اوجب على قاضي الأحداث اتخاذ التدبير الملائم لحمايته بناء على ملتمس السيد وكيل الملك.

ومن جانب آخر أقر القانون وضعا مختلفا للأطفال في وضعية نزاع مع القانون وهم الأحداث الجائحون، حيث خصص لها المشرع حماية خاصة بإحداثه لها مؤسسات للتكفل بها طيلة مسطرة البحث التمهيدي أو التحقيق الإعدادي أو المحاكمة من مساعدين اجتماعيين قضائيين ومندوبين للحرية المحروسة وضباط شرطة للأحداث وقضاة الأحداث ذووا تجربة وتكوين خاص فضلا عن المؤسسات المختصة في حماية الطفولة وتكوين الأحداث.

وبالنسبة للأشخاص الرشداء يميز القانون بين الأشخاص الذين يوجدون في حالة عجز جسدي أو عقلي أو نفسي وبين الأشخاص الرشداء الأصحاء، حيث أنه بالنسبة للفئة الأولى أوجب على من يتولون رعايتهم أما من الوالدين أو الأبناء أو الأزواج أو المؤسسات من وجوب حمايتهم وعدم التخلي على واجب المسؤولية اتجاههم وجرم من يتركهم عرضة للخطر أو حمل غيره على ذلك بموجب القانون الجنائي (المواد 459 وما يليه).

هذا فضلا عن قانون حماية الأشخاص المرضى العقليين والنفسيين ظهير 30/04/1959 رقم 295 .258 الذي يوجب على السلطات المختصة حماية المجتمع من الأشخاص المصابين بالأمراض العقلية أو النفسية عندما يشكلون خطرا على الأفراد والمجتمع من وجوب إيداعهم بالمؤسسات المختصة لعلاج بناء على قرار السلطة المحلية بوضعهم تحت الملاحظة الطبية.

والفئة الثانية التي يحددها القانون هي الأشخاص المتسولون أو المتشردون، حيث أنه يعد متشردا كل شخص ليس له محل إقامة معروف ولا وسائل للتعيش ولا يزاول عادة أية حرفة أو مهنة رغم قدرته على العمل إذا لم يثبت انه طلب عمال ولم يجده أو إذا ثبت انه عرض عليه عمل باجر فرفضه ويعاقب بالعقوبة المقررة لجنحة التشرد هذا فضال عن ظروف التشديد في حالة استغلال الأطفال أو ذوي الاحتياجات الخاصة في التسول.

ويعتبر الأستاذ الصراخ أن التشريع المغربي كان متطورا ومسايرا للواقع الاجتماعي ومحيطه وانه لم يترك أي فراغ تشريعي، كما يرى أن ’’تطبيق القانون والتتبع الدور المنوط بالجهات المختصة المكلفة بالرعاية الاجتماعية من سلطات جماعية ومحلية ومؤسسات عمومية أو خصوصية مع التقييم والتوجيه للرفع من نجاعتها و ما يتبع ذلك من توعية و تربية على المواطنة و قيام كل واحد بواجبه انطلاقا من دور الأسرة وفعاليات المجتمع المدني.. كفيلا بالحد من تنامي أي ظاهرة اجتماعية في المجتمع والقضاء عليها ‘‘.

مركز للا عائشة ببني ملال

يشكل المركز السوسيو ثقافي للا عائشة ببني ملال أحد المآوي التي تحتضن أشخاصا في وضعية صعبة، وقد شرع العمل بهذا المركز بتاريخ 18 نونبر 2019، وتعمل الجمعية الخيرية الاسلامية ببني ملال على تدبير المركز منذ افتتاحه بناء على اتفاقية شراكة أبرمتها ولاية جهة بني ملال خنيفرة، في اطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مع كل من الجمعية الخيرية الاسلامية ببني ملال وكذا المنسقية الجهوية للتعاون الوطني.

ونصت الاتفاقية على أن تتكفل الجمعية بتدبير المركز المذكور على ان يتم تخصيص دعم مالي ، لهذه الغاية، من طرف صندوق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مع توفير التعاون الوطني للافرشة، والاغطية، وكذلك المواكبة، والتأطير.

وأوضحت مونية بناني قادري، رئيسة الجمعية الخيرية الاسلامية، أن تدبير جمعيتها للمركز ينسجم مع الاهداف الاجتماعية للجمعية، والرامية الى دعم، وتخفيف معاناة الفئة الهشة، وبدون مأوى، وتحت عنوان دعم وتسيير وتدبير فضاء الاستقبال، والتكفل بالاشخاص بدون مأوى، بالمركز السوسيو ثقافي للا عائشة ببني ملال.

وقالت بناني قادري في تصريح لملفات تادلة ’’قامت الجمعية بتنسيق مع الشركاء بتوفير مجموعة من الخدمات، والحراسة على مدار24 ساعة، والحلاقة، والنظافة، والاستحمام، اضافة الى الكشف الصحي، وكذا الادوية، والملابس، وقد استمرت خدمات هذا المركز، حتى بعد فترة البرد القارس التي عرفتها بني ملال، حيث شملت فترة الحجر الصحي، وما تزال متواصلة الى حد الان‘‘ وأحصت المتحدثة ما يزيد على 100 مستفيد ومستفيدة من خدمات المركز منذ افتتاحه.

وأبرمت اتفاقية شراكة جديدة، شهر يوليوز الماضي، بين ولاية جهة بني ملال خنيفرة، الجمعية الخيرية الاسلامية ببني ملال، المجلس الجماعي لاولاد مبارك، التعاون الوطني والمصالح الصحية، سيتم بموجبها بناء وتسيير، وتدبير، مركز جديد باولاد مبارك، وهو ’’مركز سيشكل مرحلة متقدمة للعناية بالأشخاص بدون مأوى، ويروم المركز، تقديم كل الخدمات لانقاذ الاشخاص في وضعية صعبة، وكذلك العمل على إدماج المؤهلين منهم داخل المجتمع‘‘ تقول بناني قادري.

مقترحات.. شرطة متخصصة، مراكز ليلية واستغلال المساجد  للإيواء

تطالب الجمعية الوطنية لحماية الطفولة منذ سنة 2012 بإحداث مراكز ليلية لايواء الاشخاص بدون مأوى في فصل الشتاء، كما قدمت عريضة للمطالبة بإحداث شرطة متخصصة ومتنقلة لحماية الطفولة حصلت على 10 آلاف توقيع.

واقترح عز العرب  لحلو، رئيس الجمعية، فتح الملاعب، والقاعات المغطاة للمبيت الاستعجالي، طبقا لمواصفات محددة كما في دول اخرى، إضافة إلى ’’استغلال المساجد انسانيا، فالمغرب يتوفر على اكثر من  50 ألف مسجد، يجب أن تفتح 24ساعة على 24 إسوة بالكنائس التي تفتح في وجه عابري السبيل، بحيث تخصص مساحة منها لهذا الغرض‘‘ يقول لحلو.

كما يقترح لحلو تفعيل دفتر تحملات، للجمعيات وذلك قصد المبيت الاستعجالي، بناء على القانون 65 15 وهو قانون تنظيم مؤسسات الرعاية الاجتماعية المؤطر لجميع المراكز للمبيت الليلي، سواء للنساء، او الاطفال في وضعية صعبة، او نساء في حالة عنف.

خاتمة لا بد منها:

بينما تقرأون هذا العدد من ملفات تادلة، يكون افصل الخريف قد فتح ذراعيه ويوشك أن يفتح بذلك بوابة البرد والصقيع التي تجمد المدينة والمنطقة خصوصا أثناء الليل، لقد استمعنا خلال هذا الاستطلاع لآراء كافة المتدخلين، ونقلنا بعضا من ملامح المعنيين، ونأمل أن تمر الأشهر القادمة دون أن نضطر لنقل خبر جثة مجمدة بالبرد هنا أو وفاة شخص هناك.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...