افتتاحية العدد 450 من جريدة ملفات تادلة: “إلى متى سيظل الفنان المغربي مجرد متسول على أبواب لجان الدعم؟”

 – ملفات تادلة- 

خلف نشر لائحة المستفيدين من الدعم الاستثنائي للمشاريع الفنية الموسيقية ردود أفعال أغلبها غاضبة، وهو ما دعا وزارة الثقافة إلى نشر توضيح على موقعها الرسمي، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتبين مسطرة تقديم الدعم وخطوات الحصول عليه، ورغم توضيح الوزارة لم تهدأ عاصفة الانتقادات والتشكيك، خاصة بعد خروج فنانين معروفين لاستنكار الأمر بشكل علني.

واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقاد والاستنكار، وبينما يبدو أن هناك من يكتشف لأول مرة أن هناك دعما ماليا تخصصه الوزارة لدعم الفنون، استحضر العديد الجائحة ومعاناة الفقراء الذين انقطع رزقهم ولم يجدوا ما يواجهون به صعوبات الحياة في زمن كورونا.

وقد أتاحت موجة النقد والتذمر الفرصة لتيارات معينة لتسوق الغضب نحو دعوات الاستغناء عن الفن، ووجدت هاته التيارات الفرصة للتسويق لخطاب ظاهره الحرص على الرفع من مستوى الفقراء وتحديد الأولويات والمنافع والمضار، وباطنه تحريم الفن جملة وتفصيلا.

ولا يستبعد أن تكون التفاصيل المرتبطة بتحديد المستفيدين من دعم وزارة الثقافة صادمة، فالوزارة شأنها شأن كل الإدارات في بلادنا، قد ينخر الفساد أركانها، وقد تتحكم في تدبيرها أمور بعيدة عن المعايير والضوابط القانونية، وهي بهذا ليست استثناء، بل جزء من عجلة الدولة التي لازالت تتخبط في النموذج الذي تريد أن تكون وتنشئ اللجان تلو اللجان بدل إعطاء دور حقيقي للمؤسسات التشريعية والرقابية.

إن النقاش الذي يفترض أن يكون بشأن الدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة، لا يجب أن يتجه إلى من يستفيد منه، بقدر ما يجب أن ينصرف إلى ما الذي نسعى إليه من خلال دعم الأعمال والمشاريع الفنية، والجواب على هذا السؤال سيجرنا إلى مساءلة الوزارة عن مشروعها الثقافي الذي يفترض أن يكون جزء من مشروع مجتمعي.

وقد يبدو السؤال عن المشروع الثقافي للوزارة، والمشروع المجتمعي للجهاز الحكومي، سؤالا عبثيا، حيث أننا لازلنا ننتظر لجنة فوق-برلمانية، حيث أن البرلمان هو المؤسسة التشريعية الأعلى نظريا، كي تضع تصورها للنموذج التنموي الذي سيحدد ملامح المجتمع الذي سيأتي.

إن الجدل الذي تفجر بعد لائحة الوزارة لم يخل من خطاب شعبوي، ذهب إلى حد نعت أهل الفن ب’’مص‘‘ ضرع خزينة الدولة واستنزاف أموال دافعي الضرائب بدون وجه حق، ولا يعدم أصحاب هذا الرأي الحجج حيث يستدلون بالإنتاجات المغربية الهزيلة فنيا وجماليا في شهر رمضان، وهو شهر ينتظر فيه المغاربة أعمالا تحترم ذوقهم وعقولهم.

والحق أن هذه الانتقادات تحمل بعضا من المنطق، ولا يمكن أن نعاتب الجمهور الذي يرى أموالا تصرف دون أن يتلقى مقابلها عروضا تفيده، ومن هنا وجب أن يطرح السؤال حول من جعل من الفنانين المغاربة الذين هم طاقات مبدعة، يفترض أن تحظى بوضع اعتباري على الأقل، إلى متسولين على أبواب لجان الدعم؟

ينظر جيل من المغاربة، الذين عاشوا فترة الأسطوانات والأشرطة الصوتية و’’التلفزة تتحرك‘‘، بمهابة إلى جيل من الفنانين بصم فترة العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي بشكل خاص، وتمكنت أسماء رائدة من الموسقيين والمطربين المغاربة من مزاحمة انتشار القامات القادمة من الشرق.

يحتفظ المغاربة بصورة لا تخلو من تمجيد لنعيمة سميح ورجاء بلمليح وعبد الوهاب الدكالي وعزيزة جلال وعبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني، إضافة إلى عبد السلام عامر واحمد البيضاوي وغيرهم، هذه أسماء لمعت في وقت كان الطوفان الموسيقي القادم من الشرق يجتاح العالم الناطق باللغة العربية.

وظل الحكم على الأسماء التي ذكرنا بقدر عطائها الفني، وكانت تطرب الناس من مختلف الفئات والأعمار والمشارب السياسية، ولم يضع الحسن الثاني فرصة بروز هذه الأسماء وغيرها فقام بتقريبها وفتح لها باب الإذاعة والتلفزة، ووفر لها مناخا لتبدع وتنتج، ويظهر أن الحسن الثاني، في ظل جبروت حكمه، كان حريصا على استقطاب أسماء تشكل أساسا لقوته في شقها الناعم، وسهل له الأمر ترويج ثقافة ’’قولوا العام زين‘‘.

ومع صعود تيارات اليمين الديني التي فسح لها المجال لوقف زحف قوى اليسار في المشهد السياسي والنسيج المجتمعي، شرعت الدولة في مغازلتها، حيث أفسح لها المجال كي تروج لخطاب يحرم الغناء والموسيقى بشكل خاص والفن بشكل عام.

ويبدو أن جهاز الدولة بدا له أن مجاراة هذه التيارات واستقطابها أنفع وأبقى، لذلك ظهر التوجه نحو إهمال الفن وتجريف حقل الثقافة والتعامل مع هذا المجال باعتباره ترفا في البداية ثم كعبء في نهاية الأمر، لهذا لم تجد الفنون منفذا لها إلى المناهج الدراسية، وانحدر مستوى المسرح المدرسي والجامعي اللذان كانا أخر الصروح بعد الإجهاز على مسرح الهواة.

ويمكن تبين عدد دور الشباب التي أصبحت مجرد جدران، وعدد المعاهد الموسيقية التي أغلقت، فضلا عن وضع خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، هذه النخبة التي أنهت سنوات التكوين وألحقت بالجماعات المحلية أو مصالح وزارة الداخلية بدل أن تستوعبها المدارس والمعاهد والجامعات.

لقد استغنى الذين يقررون في مصير البلاد على مدى سنوات عن قوة الفن وقدرته على تهذيب النفوس والرقي بالمجتمع، وظلوا ينظرون إلى ميزانيات وزارة الثقافة إضافة إلى وزارة التعليم والصحة كعبء أو حجر عثرة في توزيع الميزانية على القطاعات.

وظل وضع الفنان في هذا السياق يتجه نحو الانحدار، إلى أن أصبح عدد منهم يخرجون إلى العلن بوجوه مكشوفة يستدرون عطف الملك من أجل التكفل بالعلاج أو طمعا في مورد يسد رمق جوعهم ويكفيهم الحاجة، وأصبحنا نرى فنانين أضحكوا أو أطربوا الجمهور في سنوات ماضية، بمظهر المتسولين في وقت توزع أوسمة ملكية وعطايا على وجوه بعضها طرح اسمه صدفة أو خطأ أو جهلا.

ويبدو أن جيلا من ’’الحاذقين‘‘ فهم كيف تدار اللعبة، ولهذا ظهرت لنا أعمال وملاحم مبتذلة وتافهة لا تحمل أية قيمة فنية أو حس جمالي، سوى تمجيد الملك والحديث عن ازدهار وتنمية اعلن الملك نفسه ألا أثر لهما، هذا الجيل الذي ينظر إلى سابقيه ككابوس لا يرغب في الانتهاء إلى ما انتهى إليه.

لا يمكننا سوى تفهم الغضب الذي فجرته ’’اللائحة‘‘، لأن السنوات التي عاشها المجتمع المغربي بين مطرقة التحريم وسندان التفاهة، إضافة إلى ضرب منظومة التعليم وتجريف الحقل الثقافي لا يمكن أن تعطي أحكاما غير ذلك.

وفي المقابل لا يمكن إيجاد مبررات للقائمين على الأمر بالبلاد، من يضعون السياسات والبرامج، في تجهيلهم للمجتمع وتهميشهم لدور الفنانين والمثقفين، فإن الأمم العظيمة هي الأمم التي خلفت فنا عظيما وثقافة مؤثرة، أمم استوعبت أن بناء قوة ناعمة لا يقل أهمية عن بناء جيش واقتصاد قويين، بينما السياسة الثقافية التي تجعل من الفنانين متسولين لن تنتج سوى فنا تافها وجمهورا سطحيا، وفي النهاية لا يلام الجمهور حين ينتج ردود أفعال تفتقد للحكمة.

يتحدث كل العاملين في مجال الفنون من غياب الاستثمارات، ويتحين الفنانون الفرص بانتظار مهرجان هنا أو عرض هناك، مهرجانات يتحكم فيها مال متلبس بلباس السلطة أو نابع عنها، لذلك تظل يتحكم في العروض كل ما هو غير فني غالبا ولا يعمل حتى منطق الربح والخسارة.

وإن كانت من مطالب حركة 20 فبراير فصل المال عن السلطة، فيجب أن يكون أهم مطلب للعاملين في المجال الفني، فالمال الذي ينتفع من السلطة لن يسعى ليستثمر بغير عقلية الريع واستغلال موقعه بدل أن يقدم على الاستثمار في مجالات قد تفتح بابا للتفكير قد لا تغلقه القبضة الأمنية التي تعالج الأزمات.

بعد فاجعة انفجار بيروت، قام ماكرون بزيارتين إلى لبنان، وتصرف كحاكم فعلي للبلد المنكوب، ورغم الجدل والانتقادات التي خلفت زيارتاه، لم يبق منهما سوى زيارته لفيروز والقهوة التي احتساها برفقتها بمهابة واحترام لم ينل عشرهما ميشيل عون، رغم أن ميشيل عون رئيس الجمهورية وفيروز ليست سوى فنانة.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...