جماعة أم الربيع بخنيفرة: عزلة، ظلام، عطش قرب المنابع.. ورعب الثلوج يلوح في الأفق

روبورطاج: لحسن المرابطي – خالد أبورقية

الاستعداد لموسم الثلوج:

يهوي علي بفأسه على الجذوع اليابسة بقوة، محاولا الحصول على أكبر قدر من الخشب للتدفئة لبضعة أيام، وحين يتحدث إلينا لا يتوقف، كأن هذا العمل الذي يقوم به أصبح جزء من عملية الشهيق والزفير، إنه يجمع الحطب لضمان التدفئة والطهي أياما معدودة من موسم الثلج.

الاستعداد لموسم الثلوج يشكل هاجسا لدى الساكنة، فحين يعم بياضها المنطقة لن يجدوا سوى ما ادخروه من أكل ومن حطب، يواصل علي قطع الجذوع اليابسة ويتحدث ’’نعاني من شدة البرد وحين تفرغ قنينات الغاز لا نجد سوى ما ادخرناه من الحطب، ممنوع علينا قطع الأشجار والأغصان الحية، نحن نجمع الأخشاب اليابسة فقط‘‘ يقول وهو منهمك في عمله.

طرق تضاعف قسوة الحياة:

للوصول إلى أغبال بجماعة أم الربيع، يلزمنا ساعة ونصف على الأقل، انطلقنا من مريرت وسلكنا طريقا ملتويا، عند الوصول إلى قنطرة أم الربيع، المعروفة محليا ب “تيلگيت العسة” نعرج يمينا ونمر عبر دواوير أيت الحرش وأنگزدم للوصول إلى أغبال، وهي طريق بالرغم من أنها سالكة فهي وعرة وبها حوالي 8 كيلومترات ملتوية وغير معبدة.

المسالك التي نعبرها هي بذاتها تفرض عزلة على المنطقة، يقول مصطفى وهو من سكان المنطقة ’’نعيش في هذه المنطقة بمشقة، وزادتها ظروف الطوارئ قساوة، وهذه الطريق تزيد من معاناتنا، نحن ننتظر إصلاحها منذ سنوات طويلة لكن الأمر يزداد سوء‘‘.

مصطفى يعرف هذه المسالك كلها، وحسب قوله من الممكن توفير الجهد والوقت على الساكنة إن تم إصلاح الطريق ’’عوض أن يتم إصلاح وتقوية الطريق مباشرة من مريرت إلى أغبال عبر أولغس، مرورا بطلعة “هنو واعطو”، يتم الدوران والالتواء عبر مسالك ودواوير بعيدة للوصول وهذه معاناة دائمة لسكان المنطقة‘‘.

بالأصفر المسالك الحالية إلى أغبال، بالأحمر: الطريق التي ينتظر السكان إصلاحها

مؤهلات سياحية مهدورة:

تقع أغبال في النفوذ الترابي لجماعة “أم الربيع”، إحدى الجماعات الجبلية بإقليم خنيفرة بجبال الأطلس المتوسط، يبلغ مجموع عدد سكانها حسب إحصاءات 2004 حوالي 11314 نسمة وهي معروفة بتضاريسها الجبلية الوعرة وبينابيعها وغاباتها من البلوط الأخضر و الأرز وأيضا ببحيرة ويوان وأم الربيع اللتان تعتبران امتدادا للمنتزه الوطني من عين اللوح إلى أگلمام أزگزا.

وبالرغم من موقعها السياحي المتميز ومواردها الطبيعية الهائلة، إلا أن البنيات التحتية الضعيفة أحيانا والمنعدمة أحيانا أخرى تحول دون انتعاش السياحة، ما ينعكس سلبا على الواقع المعيشي لسكانها حيث ما تزال العديد من الدواوير دون كهرباء ولا ماء ولا مسالك طرقية، لينضاف إليها معاناة بعد الأسواق وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية كالسكر و الدقيق وغاز البوطان.

عقاب جماعي: لا كهرباء ولا ماء

عدد من التجمعات السكنية هنا تعيش عزلة حقيقية، دواوير بأكملها لم تصلها شبكة الكهرباء، في هذه المنطقة التي تضم بالإضافة إلى أغبال دوار تيط إفستن ودوار ثافر نثامساوت ، وقد شكل الربط بالكهرباء على الدوام أحد الوعود التي قدمها المرشحون في فترات الانتخابات ’’هناك دواوير غير بعيدة ربطت بشبكة الكهرباء إلا هذه المنطقة، وكأنها لا تنتمي إلى نفس الجماعة الترابية، لقد سئمنا من الوعود بالاستفادة من الكهرباء منذ بداية الألفية الثانية أي منذ عقدين من الزمن‘‘ يقول مصطفى.

أثناء الحديث إلى الناس يلقون مشاكلهم بالجملة، عطفا على حديث مصطفى عن الطريق، تدخل أيوب الذي كان يتابع حديثنا ليلفت الانتباه إلى مشكل التمدرس، أظهر أيوب صورة على هاتفه لأطفال يتوجهون إلى المدرسة وقال ’’نود أن تصل الرسالة، شاهد أبناءنا وهم في الطريق إلى المدرسة وسط مسالك مخيفة داخل الغابة ليصلوا إلى مدرسة سيدي علي أبراهيم يمشون مدة ساعة من الزمن، ولكم أن تتخيلوا أي استفادة صحية وعقلية سنجنيها من هذا العذاب اليومي‘‘.

أطفال من أغبال يتوجهون إلى المدرسة عبر مسالك تمر وسط الغابة

العذاب والمعاناة كلمة جارية على الألسن في هذه المنطقة، وهم يعتبرون أن تهميشهم ليس بريئا ولا بسبب نقص الموارد، بل هو عقاب من المسؤولين، هكذا رد أيوب على سؤالنا ’’بخصوص سؤالك عن سبب التهميش فأنتم أبناء المنطقة وتعلمون جيدا أن المسألة مقصودة كعقاب جماعي وتصفية حسابات انتخابوية ضيقة‘‘.

معاناة وعزلة المنطقة فاقمتها جائحة كورونا، فسوء الطريق لا يزيد المعاناة فقط، بل يزيد كلفة العيش، يوضح سعيد ’’ما كان ينقصنا من المآسي جاءت به كورونا، فأصحاب النقل السري لم يعودوا يصلون إلينا بسبب الطريق المهترئ والملتوي، زِد على ذلك إغلاق سوق المواشي بمريرت المتنفس الوحيد لبيع المواشي وقضاء لقمة العيش، أما عن أزمة غياب شبكة الاتصالات، وبُعد الينابيع المائية، وغياب المدرسة والمسجد والمستوصف فحدث ولا حرج‘‘.

ولذلك يعمد الناس إلى استخدام الدواب للوصول إلى مريرت، يوضح سعيد ’’زيارة مريرت أو خنيفرة عبر الدواب مرة أو مرتين في الشهر لقضاء المواد الأساسية، يعتبر بالنسبة لنا حجّاً، يمنحنا أملا في الاستمرار في الحياة، لذا تصوروا كيف لنا أن نحيا في قادم الأيام حيث موسم الصقيع وتساقط الأمطار والثلوج‘‘.

العطش قرب المنابع:

الماء أيضا ليس متاحا بسهولة رغم أن المنطقة تمتاز بفرشة مائية مهمة، على الضفة اليسرى لنهر أم الربيع استوقفنا منظر فتيان وفتيات بمنطقة “أيت تاعرابت” بصدد جلب الماء من حنفيات بجانب الطريق، وسألنا أحد أبناء المنطقة حول المشهد وقال: “هذا هو حالنا وهذه حياتنا كل يوم فبالرغم من غنى المنطقة بالعيون المتدفقة لكن الفقر وعدم اهتمام المسؤولين لحالنا يجعلنا نعذب أطفالنا من أجل جلب الماء، وهناك من يأتي من قريب وهناك من يأتي من بعيد.”

أشخاص يجلبون الماء للشرب في منطقة بها عدد من العيون والمنابع

في طريق العودة من أغبال، يمكن المرور بعيون أم الربيع، موقع سياحي يعرف في الأيام العادية حركة دائبة من الزائرين، لكن هذا الصيف كانت العيون فارغة من السياح بسبب الحجر الصحي، حيث المكان فارغ إلا من بعض الأشخاص.

الجائحة ألفت بظلالها القاسية على المنطقة، فقد تأثر موسم الصيف الذي يشكل فرصة للساكنة للادخار بسبب ندرة الزوار، ’’هذا أسوء صيف عرفته المنطقة انعدم فيه الزوار بسبب السدود الأمنية التي حالت دون عبور الزوار، فقلّ الرواج وضعفت المداخيل التي نستطيع إنفاقها على باقي فصول السنة‘‘ يقول أحد المستجوبين فضل عدم ذكر اسمه.

 

صورة من المنطقة خلال الشتاء الماضي

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...