لا مكان للأوبئة في المسارح، فافتحوها !

لم يعد بإمكان المسارح وقاعات العرض، اليوم، أن تصير موبوءة، أو تصبح بؤرا لانتعاش الفايروسات، أو تناقل الامراض المعدية.

لقد حدث ذلك، في العهد الإليزابيثي، عندما كان المسرح ينافس العبادة، ويتجاوز قدرات المؤسسات السياسية على احتوائه، فقررت سلطات العاصمة لندن، إقفال المسارح لفترات متكررة، خلال القرن السادس عشر ميلادي، معتبرة إياها بؤرا وبائية محتملة، تهدد سلامة المواطنين، وذلك بناءً على ما كانت تعرفه المسارح من إقبال واكتظاظ مهولين.

وكان المتفرجون يدخلونها من باب واحد، متدافعين ليشاهدوا روائع شكسبير ومعاصريه، فمنهم من يشاهد العروض من مقصورات مصطفة أمام الخشبة وعلى جنباتها، ومنهم من يشاهدها من وسط القاعة واقفا في ازدحام شديد. وكان بإمكان كل ذلك، آنذاك، أن يساهم في انتشار الاوبئة والامراض المعدية بين الناس. ولكن، مع مرور الزمن، اجتهدت العقول البشرية في إيجاد حلول لتجاوز كل ذلك، كي تصبح المسارح ومختلف قاعات العرض، كما هي اليوم، فضاءات آمنة وصحية، صالحة للّقاء والالتقاء، ومنتجة للإبداع والجمال، وقادرة على احتضان التجمعات في مختلف الظروف.

لقد كانت دول العالم المتقدم، التي سبقتنا في تشييد المسارح وإحداث دور العرض، سباقة لفتح بنياتها الثقافية والفنية، وفق تدابير وقائية واقعية، رغم استمرار انتشار الوباء المستجد بشراسة، وذلك لأن مسؤوليها يدركون تمام الادراك أنها الفضاءات العمومية الاكثر أمنا وأمانا، ومرتفقيها ومرتفقاتها، من فئات المجتمع الاكثر نظاما وانتظاما. ويعلمون أيضا، أن مسارح العالم اليوم، ليست كمسارح لندن في العهد الإليزابيثي، فقد أصبحت تتوفر على أبواب متعددة ومخارج متفرقة، ولديها ممرات وولوجيات فسيحة ومتنوعة، وفيها مقاعد وأرائك ثابتة ومحددة، كما أن خشباتها مرتفعة ومنفصلة عن صالات المشاهدة، وشرفاتها عالية ومعزولة، بالإضافة لتوفر مختلف مرافقها على نوافد وفتحات كافية لتأمين تهوية سليمة.

فإن كانت مسارحنا وقاعاتنا بنفس المواصفات المتعارف عليها عالميا، فما المانع في أن تفتح أبوابها أمام مواطنينا، برؤية تدبيرية واضحة ومقنعة؟ علما أن الناس اعتادوا دخولها بأعداد محدودة، وفي أوقات محددة، ولمدة محددة، ولغرض محدد. وحيتما لم تعتد جماهيرنا على ذلك، فالفرصة اليوم سانحة لتتعود مجبرة على الالتزام بأدبيات ولوج المسارح وقاعات العرض، على غرار كل السلوكيات الحميدة التي ألزمتنا بها الحالة الوبائية الحالية.

كما أن المواطن المغربي المهتم، يدخل المسارح مرة كل بضعة أيام، وذلك في أحسن الاحوال، فهو يدرك تماما، أنها ليست مقاه للمواعيد المتكررة، ولا مجمعات تجارية للتسوق الحر، ولا أسواق شعبية للتبضع اليومي، ولا ملاه ليلية لقضاء ساعات الليل الطوال. بل ومن مواطنينا من لا يدخل المسارح نهائيا، ولا طموح لديه في دخولها. ولكن ذلك لا ينف ما قد يستشعره من انفراج وبهجة، وهو يشاهد من بعيد، أبوابها مفتوحة، تستقبل الفرح، وتبتسم في وجه العالم، رغم كل شيء.

يجب على حكومتنا اليوم، أن تدرك، أن المسارح والسينمات ومختلف قاعات العرض، مؤسسات مدرّة للدخل، كما كل الفضاءات المدرة للدخل التي تمّ فتحها أمام العموم بدون تردد، وهي مدرّة أيضا للفكر والوعي والحب والأمل، وهي عملات صعبة، ويصعب تعويض خساراتها.

وعلى الحكومة أن تستوعب بأن المسارح والسينمات وقاعات العرض، كما المصانع والمعامل والورشات الحرفية، تعتبر فضاءات اشتغال ومصدر رزق لفئات عدة، ونخص بالذكر فئة الفنانين والمثقفين، باعتبارها نخبة من نخب المجتمع، لديها اعتباراتها واعتبارها، ولديها ما يجب أن تعبر عنه في كل الظروف.

واخبروا الحكومة أيضا، بأن المسارح والسينمات وقاعات العرض مصادر هواء، ولا بد من التعجيل بإعادة فتحها، لنتمكن من استرجاع أنفاسنا، ولنعود بأنفسنا للحياة.

23/09/2020 بالرباط
* فنان مسرحي ومدير دار الثقافة ببني ملال

شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...